دين مختارات مقالات

عيد الفصح والقيامة في المرويَّات التاريخيَّة

كتب الأستاذ محمد عبد العاطي – مصر 

يرتبط عيد القيامة الذي يحتفل به المسيحيون هذه الأيام بعيد الفصح اليهودي، وهي مناسبة لغير المطلعين على تاريخ هذين العيدين أن نتعرف على أصلهما وجذورهما في هذا المقال.

نعرف الوقائع التي سبقت خروج بني إسرائيل من مصر والتي ذكرها سفر الخروج كما ذكرها القرآن الكريم، وكيف أن الله سلط على مصر الضفادع والدم والجراد والقمل والذباب والبَرَد لكي يقتنع فرعون بأن موسى نبي مرسل من ربه ويسمح له باصطحاب قومه والخروج من مصر، لكن فرعون أبى، لأن الله –بحسب سفر الخروج 7:3 – قد قسَّى قلبه مسبقا لكي يظهر قوته فيقتنع من يعبدون الآلهة الأخرى أنه (يهوه) الأقوى والأجدر بالعبادة وحده.

ثم قرر إله بني إسرائيل – والكلام هنا دوما وفقا لسفر الخروج – أن يضرب ضربته الأخيرة والقوية والمميتة حتى لا يبقى بعدها مجال أمام فرعون للتردد ويسمح فورا بعد هذه الضربة لهم بالخروج. وسيأتي الحديث عن ذلك بعد قليل، لكن قبل تلك الضربة كان يهوه قد أمر بثلاثة أشياء:

الأول: أن يأخذوا في الليلة السابقة لخروجهم من المصريين حليهم ومصاغهم بحجة أنهم سيتزينون بها في عيدهم الديني ويعيدونها إليهم مرة ثانية ثم يهربوا بها ولا يعيدوها، ولكي يوافق المصريون على ذلك فقد تعهد يهوه بأن يجعل لهم في عيون جيرانهم المصريين حظوة. وقد كان؛ أخذوا الحلي من جيرانهم وهربوا.

الثاني: أن يذبح كل بيت يهودي خروفا ويضع دمه في طَّست ويأخذ من هذا الدم ويرش عتبة بيته العلوية وقائمتي الباب لكي يعرف الرب الإله (يهوه) أن هذا بيت يهودي وهذا الذي ليس عليه الدم المرشوش بيت مصري فلا يلتبس عليه الأمر بين البيوت وأبوابها المتشابهة.

الثالث: أن يشووا لحم الخروف ويأكلوه في تلك الليل، ثم يعجنوا عجينا ولا يضعون فيه خميرا ويأخذوه معهم في الطريق ليأكلوه أثناء الرحلة على هيئة فطائر.

وقد فعل بنو إسرائيل ما أمرهم به إلههم على لسان موسى وهارون.

ثم جاءت اللحظة “المرعبة”. الرب الإله يهوه يوجه ضربته إلى بيوت المصريين جميعا، بيت فرعون وبيوت غيره، حتى بيوت الجاريات والمساجين، وكانت هذه الضربة عبارة عن إماتة كل بِكر ذكر ليس من الأولاد الذكور فقط بل ومن البهائم أيضا، وحينما فعل ذلك تحولت بيوت المصريين إلى مآتم مليئة بالصراخ والعويل:

«وَقَالَ مُوسَى: هكَذَا يَقُولُ الرّبُّ: إِنِّي نَحْوَ نِصْفِ اللَّيْلِ أَخْرُجُ فِي وَسَطِ مِصْرَ، فَيَمُوتُ كُلُّ بِكْرٍ فِي أَرْضِ مِصْرَ، مِنْ بِكْرِ فِرْعَوْنَ الْجَالسّ عَلَى كُرْسِيِّهِ إِلَى بِكْرِ الْجَارِيّة الّتي خَلْفَ الرّحَى، وَكُلُّ بِكْرِ بَهِيمَةٍ. وَيَكُونُ صُرَاخٌ عَظِيمٌ فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ وَلاَ يَكُونُ مِثْلُهُ أَيْضًا». (الخُروج 11: 4-6).

ونفذ إله بني إسرائيل وعيده:

“فَحَدَثَ فِي نِصْفِ اللَّيْلِ أَنَّ الرَّبَّ ضَرَبَ كُلَّ بِكْرٍ فِي أَرْضِ مِصْرَ، مِنْ بِكْرِ فِرْعَوْنَ الْجَالِسِ عَلَى كُرْسِيِّهِ إِلَى بِكْرِ الأَسِيرِ الَّذِي فِي السِّجْنِ، وَكُلَّ بِكْرِ بَهِيمَةٍ.” (الخروج 12: 29).

وكانت النتيجة:

“فَقَامَ فِرْعَوْنُ لَيْلًا هُوَ وَكُلُّ عَبِيدِهِ وَجَمِيعُ الْمِصْرِيِّينَ. وَكَانَ صُرَاخٌ عَظِيمٌ فِي مِصْرَ، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْتٌ لَيْسَ فِيهِ مَيْتٌ.” (الخروج 12: 30).

ورضخ فرعون أخيرًا لإله بني إسرائيل وقرر تجنُّبًا لمزيد من الخسائر الإذن لهم بالخروج فاستدعى موسى وهارون ليلًا وقال لهم:

«قُومُوا اخْرُجُوا مِنْ بَيْنِ شَعْبِي أَنْتُمَا وَبَنُو إِسْرَائِيلَ جَمِيعًا، وَاذْهَبُوا اعْبُدُوا الرَّبَّ كَمَا تَكَلَّمْتُمْ.” (الخروج 12: 31).

وتخليدًا لهذه الذكر، ذكرى الخروج والعبور يحتفل اليهود كل عام بالفصح (العبور) في يوم، وفي اليوم التالي مباشرة بأكل ا الفطير غير المختمر (عيد الفطيرة).

هذا عن عيد الفصح فماذا عن عيد القيامة الذي كما قلنا بينهما ارتباط؟

كما هو معروف فإن يسوع وتلامذته كانوا يهودا، ومن الطبيعي أن يحتفلوا كغيرهم من اليهود بعيد الفصح سابق الذكر، فأعدوا للاحتفال عدته، لكنهم قرروا أن يكون اجتماعهم سريُّ واحتفالهم بعيدًا عن الأعين، لأن كبار رجال الدين في المجمع اليهودي قد وصل حنقهم على يسوع إلى أقصى درجاته، وخافوا من كثرة أتباعه بطريقة لم يعودوا معه يسطرون على المجتمع اليهودي، خاصة بعد أن أعاد الحياة إلى ثلاثة كان آخرهم رجلا من بيت يسمى بيت عنيا يسكن مع أختيه مرثا ومريم، وكان هذا الرجل، واسمه لعازر، محبوبًا عنده (عند يسوع)، وكان دائم التردد على بيتهم وبينه وبينهم مودة خاصة (يوحنا 11: 1-44).

هذا الاحتفال بعيد الفصح الذي أقامه يسوع وأصحابه هو المعروف في الأدبيات المسيحية بعد ذلك بالعشاء الرباني أو العشاء الأخير، وطقسيًّا معروف بالأفخارستيا (أي الشكر؛ شكر الله الذي أنقذ اليهود من فرعون وأخرجهم من مصر) والذي يتناول فيه المجتمعون كسرة من الخبر ونبيذا (منقوع الزبيب أو التمر غير المختمر) اقتداءً بما فعله يسوع مع تلامذته وهم يحتفلون بالفصح ويأكلون من الفطير ويشربون النبيذ (اليهود لا يشربون الخمر).

وكما هو معروف ومشهور في الأناجيل المعتمدة حاليًّا فإنه بعد الفصح/العشاء الأخير ألقى اليهود القبض على يسوع، وتفرَّق عنه كثير من أصحابه خوفًا على حياتهم، وسلَّمه يهوذا الأسخريوطي (سواء وشايًّة أو باتفاق مسبق مع يسوع وفق طقس سري بينهما ليخلصه من جسده ويصعد إلى أبيه السماوي أو وفق معتقد قومي غير معلن ليهوذا يقوم على التخلص من يسوع تعجيلا لمجيء “الماشيح” أو “المسيَّا” المنتظر من نسل داود ليخلص اليهود)، كما أنكر تلميذه بطرس سابق معرفته به.

وبعد إلقاء القبض على يسوع وبعد محاكمة ينقصها الأدلة ارتأى بيلاطس، الحاكم الروماني، أن مصلحته تقاطعت مع مصلحة كبار رجال الدين اليهود. هو يريد استتباب الأمن في ولايته وهم يريدون القضاء على هذا المنافس قبل أن يستفحل أمره، فنفذ في يسوع – بحسب رواية الأناجيل المعتمدة حاليَّا – حكم الإعدام صلبًا كما هي عادة أحكام الإعدام آنذاك.

وتستمر السردية المسيحية فتتحدث عن دفن يسوع في قبر ببستان يمتلكه رجل يهودي له حظوة ومكانه عند الرومان واليهود معا لأنه كان عضوا في المجمع اليهودي (السنهدريم) ويسمى يوسف ولأنه من بلدة تسمى الرامة فأصبح معروفا بيوسف الرامي. وكان هذا الرجل الذي اقتنع بيسوع سرًّا هو الذي تقدم في المساء؛ مساء يوم الجمعة، من بيلاطس وطلب منه استلام الجثة فأعطاها له.

وبعد دفنها بقية الجمعة وطيلة السبت وفي اليوم الثالث قالت بعض النسوة اللائي ذهبن لزيارته في قبره قام يسوع من الموت بحسب الأناجيل المعتمدة:

“وجِئنَ عِندَ فَجرِ الأحَدِ إلى القَبرِ وهُنَّ [سيضاف تعريفهن للفقرة بعد سطرين أو ثلاثة] يَحمِلْنَ الطِّيبَ الّذي هَيَّأنَهُ. فوَجَدْنَ الحجَرَ مُدَحرَجًا عَنِ القَبرِ. فدَخَلْنَ، فما وَجَدْنَ جسَدَ الرَّبِّ يَسوعَ. وبَينَما هُنَّ في حَيرَةٍ، ظهَرَ لَهُنَّ رَجُلانِ علَيهِما ثِـيابٌ بَرّاقَةٌ، فاَرتَعَبْنَ ونكَّسنَ وجُوهَهُنَّ نحوَ الأرضِ، فقالَ لهُنَّ الرَّجُلانِ [الحارسان سواء كانا من الرومان أو من حراس الهيكل اليهودي، على اختلاف في كنههما]: لِماذا تَطلُبْنَ الحَيَّ بَينَ الأمواتِ؟ ما هوَ هُنا، بل قامَ. أُذكُرنَ كلامَهُ لَكُنَّ وهوَ في الجَليلِ، حينَ قالَ: يَجبُ أنْ يُسلَّمَ اَبنُ الإنسانِ إلى أيدي الخاطِئينَ ويُصلَبَ، وفي اليومِ الثّـالِثِ يَقومُ. فتَذكَّرنَ كلامَهُ. ورَجَعْنَ مِنَ القَبرِ وأخبَرْنَ التَّلاميذَ الأحَدَ عشَرَ والآخَرينَ كُلَّهُم بِما حدَثَ، وهُنَّ مَريَمُ المَجدَلَّـيةُ وحنَّةُ ومَريَمُ أُمُّ يَعقوبَ، وكذلِكَ سائِرُ النِّساءِ اللَّواتي رافَقنَهُنَّ. وظَنَّ الرُسُلُ أنَّهُنَّ واهِماتٌ، فما صَدَّقوهُنَّ. ولكنَّ بُطرُسَ قامَ وأسرَعَ إلى القَبرِ، فلمَّا اَنحَنى رَأى الأكفانَ وحدَها. فرَجَعَ مُتَعَجِّبًا مِمَّا حَدَثَ. (لوقا 24: 1 – 12)

وتكملة للقصة، ووفقا للرواية المسيحية وليست اليهودية، فإن يسوع بعد أن قام من الموت استعدادًا للذهاب إلى أصحابه وتلاميذه الذين فجعهم تنفيذ حكم الإعدام ليطمئنهم ويشد من أزرهم وخشية من أن يزداد يسوع شعبية بين اليهود – كما سبق وخشوا من شعبيته قبل أن يُعدم – إذا علموا أن الله أقامه من الموت ، فقد احتال رؤساء الكهنة والشيوخ اليهود وقدموا رشوة لحارسي القبر اللذين أخبروهما بأن جثته لم تعد موجودة فيه؛ قدموا رشوة لهما ليشيعا بين الناس أن تلامذة يسوع جاءوا ليلا وسرقوا الجثة، وأخبروهما (أي الكهنة وشيوخ اليهود) أنهما سيطلبان من بيلاطس الصفح عنكما وعدم معاقبتكما على تقصيركما في عدم حراسة القبر كما ينبغي:

“وبَينَما هُما ذاهبتانِ رَجَع بَعضُ الحَرَسِ إلى المدينةِ وأخبَروا رُؤساءَ الكَهَنَةِ بكُلِّ ما حدَثَ. فاَجتَمعَ رُؤساءُ الكَهنَةِ والشُّيوخُ، وبَعدَما تَشاوَرُوا رَشَوا الجُنودَ بمالٍ كثيرٍ، وقالوا لهُم: أشيعوا بَينَ النَّاسِ أنَّ تلاميذَ يَسوعَ جاؤُوا ليلاً وسَرَقوهُ ونَحنُ نائِمونَ. وإذا سَمِعَ الحاكِمُ هذا الخبَرَ، فنَحنُ نُرضيهِ ونَرُدُّ الأذى عنكُم. فأخَذَ الحَرَسُ المالَ وعمِلوا كما قالوا لهُم. فاَنتشَرَتْ هذِهِ الرِّوايةُ بَينَ اليَهودِ إلى اليومِ. (متى 28: 11 – 15).

وبذلك تكتمل قصة قتل المسيح صلبًا ودفنه وفي اليوم الثالث قيامته وفقا للسردية المسيحية، وهذه العملية؛ عملية الموت والقيامة مرة ثانية من الموت، هي عيد القيامة الذي يحتفل به المسيحيون في توقيت متزامن مع احتفال اليهود بعيد الفصح الذي سبق وتحدثنا عنه بالتفصيل.

وعلى كل حال، ولأن مهمتنا في هذا المقال كانت مجرد بسط المعلومات التاريخية المتداولة والآراء المتبادلة – أيًّا كانت دقتها – حول هذين العيدين، فإننا نقول لليهود والمسيحيين معاً: كل عيد وأنتم بخير.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.