اجتماع مختارات مقالات

نحن والكورونا بين رهان الصيف وسؤال الخريف

كورونا بين الحلول العلمية والتغير الفصلي

بقلم/ أ. شادي الشربيني – مصر

في الولايات المتحدة الامريكية تم تحديد الشهر الحالي، شهر أبريل، كذروة انفجار الاصابات بفيروس “كورونا” المستجد، الذي يسبب مرض «كوفيد – 19»، ترامب صرح بأن عدد ضحايا الفيروس سيكون ما بين المائة إلى المائتي ألف، بدلا من مليون كان سيذهبون نتيجة لهذا الوباء لو غابت جهود إدارته..!!! البعض يقول أن ترامب يبالغ في عدد الوفيات المتوقعة نتيجة لهذه الجائحة، حتى عندما تمر ويكون ضحاياها أقل من هذا عدد بكثير، عشرات بدلا من مئات الآلاف مثلا، يتم النظر إليه كسوبرمان!!

أما في مصر، فقد توقعت أحد الدراسات، التي أرسلها البنك الدولي إلى وزارة الصحة، أن ذروة الإصابات بفيروس “كورونا” المستجد ستكون في مايو المقبل، واستندت الدراسة على نسب الإصابات والوفيات المسجلة، مؤكدة أن مصر لازالت في الحلقات الأولى من مسلسل الإصابات وأن الإصابات ستتصاعد إلى أن تصل إلى ذروتها في شهر مايو.

وفي أوروبا، التي أصبحت مصنفة كمركز للوباء، فإن الأيام القليلة الماضية سجلت انخفاض في الاصابات الجديدة بالفيروس في إيطاليا وإسبانيا وألمانيا وبريطانيا، أي في معظم بلدان أوروبا الاساسية. كما أن الإشارات المتتالية من بلدان أوروبية مختلفة إلى استئناف مسابقات دوري كرة القدم في الفترة ما بين يونيو ويوليو، تكشف عن ارتفاع مؤشر تلك التوقعات بأن تكون أشهر الصيف في يونيو ويوليو وأغسطس القادمين، هي فترات انحسار لفيروس “كورونا” المستجد.

  يدعم هذا الاستنتاج تنبأ عالم الفيروسات وعضو أكاديمية نيويورك للعلوم أناتولي ألتشتاين بتأثير الطقس الدافئ على فيروس كورونا. حيث قال ألتشتاين لصحيفة “يورا نيوز”، لن تؤثر ارتفاع في درجات الحرارة خلال فصل الربيع بشكل كبير على معدل الإصابة بالفيروس. ومع ذلك من المتوقع أن يتباطأ انتشاره مع حلول فصل الصيف.

ولكن.. ماذا عن الخريف؟!

الكثير من الخبراء يشيرون إلى أن الأوبئة المتعلقة بأمراض الجهاز التنفسي تحدث عادة خلال الأوقات الباردة من العام، مقارنة بفصل الصيف حيث يكون الأشخاص أقل عرضة لها. ففيروس “كورونا” المستجد غالبا ما يرتبط انتشاره بدرجة الحرارة والرطوبة في الجو بشكل كبير، مما يعني أن انحساره في فصل الصيف لا يعني الانتهاء منه، بل إنه سيعود إلى الهجوم مجددا مع قدوم الخريف.

فما العمل وقتها؟؟

هل يتم العودة إلى إجراءات الحظر والحجر الصحي في مواجهة هذا الفيروس؟!

في مواجهة ذلك يبدوا أن الرهان على والأمل في التوصل إلى علاج و/ أو لقاح ضد هذا الفيروس هو السبيل الوحيد للإفلات من هذا المصير. 

فهل نحن بالفعل على مقربة من ذلك؟

يقوم الأطباء باختبار العديد من العقاقير المختلفة، بما في ذلك الأدوية المضادة للفيروسات، ولكن لم يثبت علميا نجاح أي منها. أنباء كثيرة تشير إلى أن العقار المستخدم في الشفاء من الملاريا، فعال جدا في علاج فيروس كورونا. والكلام هنا عن فعالية عقار هيدروكسي كلوروكين في علاج المصابين بمرض «كوفيد – 19». دول عديدة اعتمدت هذا البروتوكول، كما أن الرئيس الأمريكي دعا بنفسه الى استخدامه في علاج المصابين. لكن منظمة الصحة العالمية حذرت مرارا من مغبة استخدام عقاقير لم تثبت فعاليتها للمصابين بفيروس “كورونا” المستجد، كما حذر كثير من الخبراء من الأثار الجانبية للدواء ومن إعطاء أمل زائف للمرضى.

 لكن الهيدروكسي كلوروكين ليس هو العقار الوحيد المطروح كعلاج لهكذا المرض. فهناك عقار “ريمسيديفير” الذي سيختبر في بريطانيا، وقد صنّعته شركة جيلياد للأدوية. وفي اليابان يتم اختبار عقارا يسمى  Avigan، والذي تمت الموافقة عليه من قبل لوقف فيروس الإنفلونزا من التكاثر في الجسم، ويعتقد أنه قد يكون له التأثير نفسه المضاد للفيروسات، ضد الفيروس الذي يسبب «كوفيد – 19». وأخر الانباء، وقت كتابة هذه السطور، بهذا الشأن، هي أن ادارة الغذاء والدواء الأمريكية تعتمد أيڤرمكتين، مضاد للطفيليات يستخدم لعلاج الجرب والقمل، لعلاج مرض فيروس كورونا.

لكن بالرغم من كل ذلك فإنه ووفقا لمنظمة الصحة العالمية، “لا يوجد دليل على أن العقاقير الحالية يمكن أن تقي أو تشفي من المرض”.

رحلة البحث عن عقار أو لقاح للفيروس المستجد

  أما بالنسبة للقاح، فثمة أكثر من 20 لقاحا في طور العمل على تطويرها، وقد وصل أحد هذه اللقاحات إلى مرحلة الاختبار على البشر بعد أن اجتاز مرحلة التجارب على الحيوان، حيث تُجرى عمليات اختبار مدى كفاءته وتأثيره على الإنسان فضلا عن مدى سلامة استخدامه بالنسبة إليه. بيد أنه حتى لو احتفل العلماء بتطوير لقاح هذا العام، سيظل هناك عمل هائل من أجل إنتاج كميات كبيرة منه.

ويعني هذا الأمر من الناحية الواقعية أنه لن يكون ثمة لقاح جاهز للاستخدام حتى منتصف العام المقبل على الأقل. بالإضافة إلى أن كل ذلك يحدث بسرعة ضمن سقف زمني غير مسبوق وباستخدام طرق جديدة للتوصل إلى لقاح للفيروس، لذا ليس ثمة ضمانات في أن يسير كل شيء على ما يرام وبسلاسة. ولا ننسى هنا أن ثمة أربعة أنواع من فيروس كورونا تنتشر حاليا بين البشر، وتتسبب بأعراض نزلة البرد المعتادة، وليس لدينا أي لقاحات ضدها.

إن التوقعات السابقة بشأن عدم التوصل في القريب العاجل لعقار يعالج  «كوفيد – 19» أو لقاح يحصن البشر ضده، تجعلنا ننتقل بالضرورة إلى سيناريو أخر بشأن كيفية التعامل مع فيروس “كورونا” المستجد، ألا وهو سيناريو التعايش مع الفيروس “كورونا” المستجد، الشهير بسيناريو مناعة القطيع!!

الحياة في ظل مواجهة فيروس كورونا المستجد
الحياة في ظل مواجهة فيروس كورونا المستجد

فسياسات الاحتواء التي نعيشها الأن، من حجر صحي يتضمن التباعد الاجتماعي وتجميد واسع لحركة الناس خارج بيوتهم، لن تكون صالحة للاستئناف في الخريف القادم. فإذا كان الحصاد الأولي لتلك السياسات يتمثل في خسائر مبدأيه  تتجاوز العشر تريليونات دولار، في الوقت الذي يكون فيه مجموع الناتج القومي العالمي بأكمله هو 86 ترليون دولار، فإن خطر استئناف تلك السياسات في الخريف القادم، لا يعني إفلاس دولي واسع وكارثي فقط، بل إنه يعني مباشرة تشكل مشكلة غذاء واسعة وعميقة، أي بمعنى مباشر، حدوث ما يقرب من المجاعة في دول كثيرة، خاصة دول العالم النامي.

فمنذ الان بدأت دول كثيرة جدا في وقف تصدير أي مواد غذائية، مثل روسيا التي أوقفت قريبا مناقصة لتصدير القمح إلى مصر، واخرى بدأت في فرض تعريفات جمركية عالية على تصدير تلك المواد. وهذا الانكماش المؤلم في العرض، سيقابله عجز أخر في الطلب. أقول عجز وليس انخفاض في الطلب، لأن الانهيار الاقتصادي الشامل سيغل يد معظم الدول المستوردة للمواد الغذائية، وعلى رأسها غالبية الدول العربية، من الايفاء باحتياجات شعوبهم الضرورية من غذاء بل ودواء مستورد. فكيف يكون الحال تصور الحالة في مثل ذلك الظرف الدولي؟!

أزمة غذاء عالمية في ظل فيروس كورونا
أزمة غذاء عالمية في ظل فيروس كورونا

في المشهد الحالي تتدعى أمام أعيننا صور انهيار الاقتصاد العالمي وانكماشه. وما يعنينا بشكل مباشر هو حال الاقتصادات النامية، حيث أنها توقفت عن الحركة منذ بدأ أزمة جائحة فيروس “كورونا” المستجد، ووصل معدل التدهور فيها إلى استعداد بعض الحكومات لإعلان عجزها عن السداد. وهناك من يقارن الانكماش الاقتصادي الراهن مع أصعب أوقات الكساد الكبير، ويدعو إلى “خطط مارشال” جديدة.

وفيما شغّلت الدول المتقدمة الكبرى مطابع النقود لديها للتعامل مع آثار الوباء، معلنة عن برامج مساعدة بتريليونات الدولارات واليوروهات، فإن البلدان النامية لا تستطيع أن تفعل ذلك بسبب مخاوف من زيادة حادة في التضخم. وليس لدى الجميع احتياطيات كبيرة من الذهب والعملات الأجنبية، مثل الصين وروسيا. إنما معظم الدول تعاني من خروج الأصول وضعف العملات الوطنية، التي انخفضت بنسبة 5-25% مقابل الدولار، ما يزيد من تكلفة خدمة الديون الخارجية. وقد لجأت إلى صندوق النقد الدولي حتى اليوم 80 دولة طلبا لمساعدة عاجلة.

العالم يتجه نحو التضخم المفرط
العالم يتجه نحو التضخم المفرط

لقد طورت الدول المتقدمة برامج لدعم اقتصاداتها للصمود أمام آثار عدوى فيروس كورونا، مقاسة بعشرات بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي. والنتيجة الواضحة للوباء، ستكون، بالتالي، انخفاضا كبيرا في الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ذلك في الوقت الذي تشير دراسة للاتحاد الأفريقي أن “نحو 20 مليون وظيفة، في القطاعات الرسمية وغير الرسمية على السواء، مهددة بالدمار الذي سيلحق بالقارة إذا استمر الوضع”.

لن أتمادى كثيرا في رسم صورة هي، بالضرورة، بالغة الازعاج والنفور مما هو قادم. ولكن ما يجب أن ننتبه له، هو غلبة الطابع الفردي على أسلوب مواجهة تلك الجائحة. فالدول تغلق حدودها وتنكفئ على نفسها، وعمليات القرصنة على المواد الطبية والوقائية، من أكبر الدول وأفواها، تتم جهارا بلا خجل أو محاولة للاعتذار.  ولا أحد، من الدول النامية على الأقل، يستطيع أن يخالف تعليمات الحجر الصحي العالمية، ليس فقط لأن من يخالف سيكون معرض لتفشي الفيروس في بلاده، ولكن أيضا لأن بلده ستكون برمتها عرضة لفرض حجر صحي عالمي عليها!!

الإفلاس يهدد الاقتصادات الضعيفة
الإفلاس يهدد الاقتصادات الضعيفة حو العالم

في 5 أبريل الماضي وجهت الملكة البريطانية، إليزابيث الثانية، خطاب إلى شعب المملكة المتحدة،  وهو خطابها التلفزيوني الخامس فقط منذ جلوسها على العرش قبل 68 عاما، طالبته فيه بالصمود والصبر على أيام وأسابيع الحجر الصحي كسبيل وحيد للانتصار على فيروس “كورونا” المستجد. لكن الخطاب، كما أصبحت هي عادة الخطابات التي يتم تداولها دوليا الأن، لم يقل ماذا بعد ذلك؟؟ ما الذي سيتم عمله عندما يعاود الفيروس هجومه بدءا من الخريف القادم؟؟؟

 الشعوب تتخبط في الظلام، ولا أحد يرى ضوء حقيقي يلمع في نهاية النفق. فهناك سكوت عام من قادة العالم عن سؤال الخريف القادم، في مقابل كلام لا ينتهي عن الايام والاسابيع القادمة. وذلك إما يعني أن هناك عجز أو تردد وعدم استقرار على ما يجب أن يتم اتخاذه مستقبلا، أو يعني أن هناك قرارات اتخذت بالنجاة الفردية وترك البقية لمصيرهم!!

سرقة الأجهزة والمعدات الطبية في زمن كورونا
سرقة الأجهزة والمعدات الطبية في زمن كورونا

إن سيناريو النجاة الجماعية يقتضي اعادة توجيه موارد العالم وقدراته الانتاجية وتجنيدها، مؤقتا على الأقل، للتركيز على ما هو أساسي لبقاء الشعوب وعبورها بأقل قدر ممكن من الخسائر تلك الجائحة. لكن الرهان على مثل هذا الأمر يبدوا بعيدا.. بعيدا.. والواضح أن أقوياء هذا العالم سيركزون على نجاتهم الفردية، ولن يهتموا سوى بأنفسهم!!

خلال النصف القرن الماضي، دأبت معظم البلدان النامية على تفكيك قواعدها الصناعية القليلة التي بنتها خلال حقبة التحرر الوطني، وانتقلت من زراعة المحاصيل الاساسية إلى المحاصيل السلعية والمكرسة من أجل التصدير، وتحولت إلى اقتصاد خدمات والنقاط اللوجستية، واندمجت في الاقتصاد العالمي من موقع التابع تبعية ساحقة للرأسمالية الغربية بمختلف تشكيلتها. والأن في مواجهة إعصار «كوفيد – 19» تجد نفسها عارية تماما من أي أصول انتاجية حقيقية تساعد على بقاءها..

مجرد البقاء..

في مواجهة سؤال الخريف، بل وفي مواجهة عالم جائحة الكورونا وما بعده.. لا سبيل لدول العالم النامي سوى أن تجتمع وتتعاون وتضع خارطة طريق، تستطيع بها أن تواجه عالم جائحة كورونا وما بعده. بحيث تعمل على استرداد سريع وناجز لكل مواردها المنهوبة، وتسقط مئات المليارات من الديون التي تورطت فيها، وتعمل على إعادة بناء قدراتها الذاتية التي دمرت باسم روشتات الاصلاح الاقتصادي التي املاها عليهم صندوق النقد والبنك الدولي، وباسم الرخاء الذي سيتمتعون به عند الاندماج في الرأسمالية العالمية!!

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.