سياسة مقالات

مكافحة الإرهاب وحماية حقوق الإنسان

العالم والحاجة لصون حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب

بقلم د. هيشر ابتسام

أخصائية في العلوم السجنية

لقد عرف العالم ظاهرة الإرهاب بحلته الجديدة بعد أحداث 11 أيلو/سبتمبر 2001، والتي مست بالسلم والأمن العالمي، مسببة انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وقيم التحضر والحريات الأساسية وإنكارا لديمقراطية، كما أن هذه الظاهرة أصبحت تهدد الحياة اليومية للإنسان، وحتى من لا دخل لهم بالاتجاهات السياسة، فضلا عن التزايد المستمر لهذه الظاهرة وامتدادها على مختلف بلدان العالم.

والخطورة هنا تتجلى في كون الإرهاب متعدد الهويات ولا وطن له.

الإرهاب هو الاعتداء على مصلحة يحميها القانون الدولي، وذلك باستهداف المدنيين أو العسكريين أو الأموال العامة أو الخاصة، ويلجأ إليه الأشخاص بصورة فردية مثال على ذلك حالة “الذئاب المنفردة” التي تقوم بهجوم مسلح يستهدف أشخاص أو أماكن بدوافع عقائدية أو اجتماعية أو سياسية أو نفسية مرضية، كما فعل اليميني المتطرف اندريه بريفيك في النرويج سنة 2011م حين قُتل العشرات احتجاجا على سياسة بلاده في مسالة هجرة الأجانب إليها، ويشكل هذا النوع من الإرهاب خطرا اكبر من التنظيمات المعروفة نظرا لان الاستخبارات ترصد وتتوقع حركات التنظيمات بينما الذئاب المنفردة لا تكون تابعة لأي نظام بل تخطط وتنفذ لوحدها ويكون ذلك ضربة مفاجئة غير متوقعة للاستخبارات.

والنوع الثاني وهو الأفعال الإرهابية الجماعية المنظمة التي يقوم بها أفراد ينتمون إلى إحدى الجماعات الانفصالية المتطرفة، التي تسعى إلى الإخلال بالنظام كمثال على ذلك تنظيم “داعش” و”القاعدة” و”بوكو حرام”، والتي تمارس نشاطها في مختلف بقاع العالم، وحتى المغرب بدوره لم يسلم من المحاولات الإرهابية المتكررة التي كانت تستهدف شخصيات سياسية وعسكرية وأماكن اتخاذ القرار، إلا انه وبفضل الأمن والاستخبارات المغربية ذات الكفاءة المهنية العالمية باءت تلك المحاولات بالفشل.

بعض الاتجاهات السياسية ومن بينها تلك التي تنهجها دولة إسرائيل تربط الإرهاب بحركات التحرر الوطني والأساليب التي تستخدمها بعض الدول في سبيل نيل استقلال بلادها مثال على ذلك أسلوب “المقاومة المسلحة” التي تنهجه دولة فلسطين، إلا أني أجد هذه السياسة هي عملية تدخل في إطار حق تقرير المصير، ولا تمت للإرهاب بصلة.

وقد لا يختلف الإرهاب كثيراً عن التطرف، غير أنَّ هذا الأخير يرتبط بالأفكار والمعتقدات البعيدة عما هو معتاد ومتعارف عليه سياسيا واجتماعيا ودينيا، دون أن يرتبط بأفعال مادية عنيفة في مواجهة المجتمع، أما إذا تحولت تلك الأفكار إلى أفعال وسلوكيات عنيفة وتخريبية وإجرامية فانه يتحول إلى إرهاب، إلا أن الإرهاب والطرف العنيف هما وجهان لعملة واحدة.

ولا يمكننا الحديث عن ظاهرة الإرهاب والتطرف دون الاقتراب من الأسباب التي أدت إلى استفحال هذه الظاهرة في العالم وحتى في البلدان الديمقراطية، ومنها انعدام العدالة الاجتماعية التي تتمثل في التقسيم الغير العادل لثروات، فمن جهة فئة تزداد غنا وفئة أخرى تزداد فقرا، وتعاني من تفشي البطالة، وتدني مستوى الدخل الفردي، بالإضافة إلى الهدر المدرسي، وهشاشة التنشئة الاجتماعية.

فالشباب يعيشون فراغا على مستوى الفكر والعاطفة، وبالتالي يكونون عرضة لتبني الخطابات الدينية المتطرفة، ولثقافة ترفض التسامح الذي يدعوا له ديننا الحنيف.

وفي ظل هشاشة القانون الذي يحمي حقوق الأفراد، أصبح الشباب حاقدا على الدولة ومتمرداً عليها، أو بمعنى أدق؛ على سياسة الدولة التي طالما تبنت الخطابات الزائفة التي تعد بالتشغيل والزيادة في الرواتب وتحسين ظروف العيش.

أدت هذه العوامل إلى انهيار جبال الثقة والآمال عند الشباب فمنهم من اقبل على الانتحار كحالة الطالب المكفوف صابر الحلوي الذي اقبل على الانتحار في مقر وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية أمام أعين الحاضرين.

وهناك من اختار ركوب قوارب الموت مغامرين أو بمعنى اصح مقامرين بحياتهم التي لم تعد لها أية معنى في غياب ابسط ظروف العيش الكريم، وهو وجه آخر من أوجه الانتحار.

بينما فضَّل البعض الانسياق للتيارات المعارضة للأنظمة السياسية الوطنية أو الدولية محاولا البحث عن سبل لإثبات الذات فوجد نفسه مرة أخرى في مواجهة الموت تحت تأثير الأفكار والإيديولوجيات المخدرة للعقول، بدعوى الجهاد في سبيل الله أو الدفاع عن معتقدات عقائدية أو سياسية يجدها البعض حجة أو ذريعة لتحقيق مصالح ذاتية محضة، موهمين أنفسهم بالجنة المنشودة، ليجدون أنفسهم ضحايا عمليات انتحارية أو محتجزين وراء القضبان مع مستقبل مظلم.

وخلاصة القول؛

إن الدولة في تبنيها للاستراتيجيات الوطنية في مكافحة جرائم الإرهاب والتطرف العنيف لا تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لمجتمعنا ولا تهدف بالضرورة لمعالجة الأوضاع المتأزمة في المجتمع الذي لم يكن التطرف سوى مخاض لهذه الظروف، بل يجب أن تركز على توظيف قيم الحوار والتضامن، والتفاهم، والوئام المجتمعي، وقيم التسامح التي جاءت بها جميع الديانات السماوية، رامين إلى إعادة تأهيل وإصلاح ما أفسده الدهر.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.