فنون مقالات

فيلم The Insult – قضية رقم 23

قراءة في فيلم
The Insult – قضية رقم 23

من الأفلام العربية القليلة التي يمكن وأنت تشاهدها أن تقول دون مبالغة إنني أشاهد فيلما بمستوى عالمي. عمق في الأفكار وصدق في التمثيل وجودة في التصوير.

الفيلم يطرح إشكالية فكرية تجعلك لا تستطيع أن تصدر حكما إلا مع نهاية الفيلم. يمتزج في هذا الفيلم الإنساني بالسياسي والفردي بالقومي امتزاجا لا يمكن الفكاك منه.

يعالج بواعث الكراهية التي يمكن أن تنشأ بين فردين وفريقين وشعبين لأسباب سياسية لا دخل لهم فيها. ظروف فرضتها الأحداث عليهم فجعلت كل واحد منهم يفكر بهذا الشكل ويشعر بهذه الطريقة ويتصرف بهذا الأسلوب.

توني حنا، لبناني مسيحي منتمي لحزب القوات اللبنانية فكرا وتوجها ومشاعر. خطاب سمير جعجع ومن قبله بشير لجميل يلمس في داخله وترا، يشعر أنه معبر بحق عما يعتمل في داخله ذلك الخطاب الذي يقول للفلسطينيين اللاجئين في لبنان: كفى، لقد ضيقت علينا سبل الحياة، لا نريدكم، اذهبوا إلى بلادكم أو إلى أي مكان في العالم لكن اخرجوا من لبنان، أنتم مصدر قلق، لن نساعدكم حتى لا تستوطنوا بلادنا فتُحل قضيتكم على حسابنا. لا توجد بلد تحتملكم، لقد طردتكم فلسطين في أيلول الأسود، لقد كانت منظمتكم هناك دولة داخل الدولة، ونحن في لبنان لن نسمح لكم بذلك.

توني حنا المعبأ بهذه الأفكار المغلوطة والمشاعر العنصرية والمشحون بخطاب الكراهية الذي يسمعه ليلا ونهارا يعيش في أحد أحياء بيروت ذات الأغلبية المسيحية والتي معظم أهلها كذلك يتبنون خطاب حزب القوات اللبنانية. له جراج لتصليح السيارات ويسكن في شقة بجواره. ذات يوم فتح باب البلكونة وأمسك بإناء لري الزرع الذي تتزين به فنزلت المياه الزائدة من المزراب فوق رأس ياسر سلامه وأحد العمال معه.

ياسر سلامه، فلسطيني، درس الهندسة في الجامعة الأميركية بالقاهرة، واشتغل مهندسا بالكويت ثم اضطرته الظروف السياسية لمغادرتها فلم يجد بلدا يعيش فيها غير لبنان فذهب واستقر بإحد المخيمات الفلسطينية هناك. لم يجد عملا في تخصصه، ذلك أن القانون اللبناني يحرم على الفلسطيني مهما كانت شهادته وخبرته الاشتغال في قائمة من المهن من بينها الهندسة، فاضطر للعمل ملاحظ عمال.

كان مثالا للخبرة والأمانة والدأب، كما كانت لديه شخصية قوية قادرة على اتخاذ القرار وتوجيه العمال، وكان محبوبا ومحترما في محيطه، متزوج من مسيحية، ولا يرضي أن يرى ظلما ويسكت، كان ينفعل حتى ولو كلفه انفعاله هذا ثمنا باهظا، لكنه في الوقت نفسه كان يشعر بالرضا لأنه انتصر لما يعتقد أنه حق وصواب.

كان ياسر سلامه مكلفا من الشركة التي يعمل بها بأن يجدد صيانة واجهات المباني في الحي الذي يشتغل ويسكن فيه توني حنا، فلما رأى مزراب المياه غير متصل بماسورة الصرف وأن مياهها تنزل على رؤوس المارة في الشارع اصطحب أحد العمل وصعد إلى شقة توني واستأذن في أن يدخل لإصلاح المزراب، فلما رآه توني حنا وعرف من لهجته أنه فلسطيني وبسبب السياق السياسي والنفسي وخطاب الكراهية الذي كان يسمعه وبسبب ما رآه في طفولته من فظائع الحرب الأهلية لا سيما في ضيعته الدامور المشهورة بزراعة الموز، بسبب ذلك كله عامله بغلظه ورفض دخوله الشقة وأغلق في وجهه الباب.

نزل ياسر سلامه ومن الخارج وضع سلمه على البلكونة وبدأ في إصلاح المزراب فلما رآه توني حنا انفعل أكثر وأمسك بمطرقة وكسر الماسورة التي وضعها ياسر سلامه.

في الصباح ذهب ياسر سلامه إلى جراج توني حنا وما إن بدأ الاثنان يتكلمان حتى تكهرب الجو فشتمه توني قائلا: ياريت آريل شارون كان محاكم من على الأرض عن بكرة أبيكم، فانفعل ياسر سلامه وشتمه قائلا “أنت عرص”، ومن هنا بدأ الخيط الأساسي لفيلم “إهانة”.

هذه الكلمة تم تحميلها بحمولات سياسية حاولت الأطراف المتصارعة في لبنان توظيفها لمصالحها الحزبية، فانتقل الفيلم من الخاص إلى العام، من مجرد حالة بين فردين إلى مناقشة جادة وعميقة لإرث سياسي ثقيل، لحرب اندلعت في عام 1975 وانتهت في عام 1990، انتهت على الورق لكن آثارها الفكرية والنفسية لا تزال باقية تعتمل في النفوس والعقول.

في هذا السياق تدور أحداث الفيلم وبخاصة داخل أروقة المحكمة التي تستمع إلى مرافعات اثنين من المحامين، محامي مشهور لا يشق له غبار في مجال المحاماة وله مواقفه السياسية المعروفة، وابنته التي تطوعت للدفاع عن ياسر سلامه لأن لها مواقفها السياسية المخالفة لمواقف أبيها والتي كانت تؤمن بالقضية الفلسطينية وبحق الفلسطينيين في أن يعيشوا حتى وهم لاجئون معيشة آدمية تليق بكرامة الإنسان ولا تسيء إلى سمعة لبنان، وقد كانت محامية ماهرة مثل أبيها رغم صغر سنها، وقد تبارى الاثنان في المحاكمة الأولى وفي محكمة الاستئناف، وبعد تطورات مهمة ومثيرة ومناقشات ومعالجات تحترم عقل المشاهد وتأخذ بعين الاعتبار ما هو سياسي ونفسي وإنساني وقومي، تصدر المحكمة في نهاية الفيلم حكما لصالح أحد المتخاصمين، والذي لأن أقول من هو حتى يزداد الدافع لمشاهدته، سيَّما وأنه حقا من الأفلام العربية القليلة التي كما قلت في المقدمة وأنت تشاهده تشعر أنك تشاهد فيلما بمستوى عالمي.

فيلم (The Insult – قضية رقم 23)من الأفلام العربية القليلة التي يمكن وأنت تشاهدها أن تقول دون مبالغة إنني أشاهد فيلما…

Posted by ‎أفلام تستحق المشاهدة‎ on Saturday, June 30, 2018

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.