عروض كتب مختارات مقالات

عرض كتاب إيران تستيقظ لعبادي

سلسلة كتب تقرؤنا:
قراءة في كتاب
إيران تستيقظ :
مذكرات الثورة والأمل”
ل “شيرين عبادي”

بقلم الاستاذ محمد عبد العاطي

مذكرات المحامية والناشطة الحقوقية الإيرانية، شيرين عبادي، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، عام 2003، من أجمل كتب السير الذاتية والمذكرات: تنقلك إلى العالم الإيراني من الداخل، إلى مجتمع لطالما قرأ الكثيرون عنه لكنه بقي -بهذا العمق- مجهولًا. هذه المذكرات نجحت في أن تضع أمامنا التاريخ والجغرافيا والسياسة والبشر كائنات حية، تتكلم وتتحرك ويتفاعل بعضها مع بعض.

رأينا في هذا الكتاب إيران قبل الثورة كيف كانت تعيش بلدًا ومجتمعًا: شاه منعزل عن الشعب يحيا حياة البذخ الأسطوري، ويتعاون مع ربيبته، أمريكا، واستخباراتها للإطاحة بحكومة الرجل الوطني، الدكتور محمد مصدق، انتقامًا من تأميم الأخير للنفط، ويحكم البلاد بالحديد والنار، ويسلِّط جهاز استخباراته العتيد (السافاك) على المعارضين السياسيين فيسومهم ليلًا ونهارًا سوء العذاب.

لكن ليس هذا سوى الوجه السياسي من إيران الشاه، أما وجهها الاجتماعي، كما تنقله لنا شيرين عبادي في مذكراتها، فهو المجتمع الذي لا تتدخل فيه الدولة في عادات الناس اليومية؛ في لباسهم وأزيائهم، في علاقات الرجال بالنساء، في الذهاب للسينما والمسرح والحدائق والمتنزهات، في تحجيم دور رجال الدين والحيلولة دون تدخلهم في الفضاء العام. صوَّرت عبادي هذا كله من خلال سردها لحياتها الخاصة في الفصول الأولى من مذكراتها؛ أسرتها، تعليمها، تعرفها على خطيبها، اتفاقها معه على تعرُّفهما ستة أشهر ثم الامتناع عن مقابلة بعضهما شهرًا وبعده يتخذان القرار، اشتغالها بالقضاء وقت أن كانت الدولة تمنح المرأة حقوقها في تولي الوظائف العامة بما فيها القضاء.

ثم تنتقل بنا المذكرات في سرد ماتع وتسلسل شائق إلى بواعث الثورة، وتراكم الغضب الشعبي، وزيادة عزلة الشاه، وتعاظم نفوذ رجال الدين، وتأثير خطب الخميني من منفاه في باريس، وتهيئة التربة لعود الثقاب الذي بالفعل اشتعل، أواخر ١٩٧٨، وأصبح نارًا مستعرة، عام ١٩٧٩، حرقت الشاه ونظامه وأسست مكانه جمهورية إسلامية.

تتحدث شيرين عبادي عن أيام الثورة حديثًا مثيرًا يحبس الأنفاس، يجعلنا نسمع هدير الجماهير في الشوارع، وأصوات حناجرهم تهز الطرقات، تأخذنا معها إلى أسطح المنازل، كما طلب الخميني من الشعب حفاظًا على الأرواح من بطش السافاك، وفي الساعة المحددة ليلًا تنطلق في توقيت واحد صيحات الله أكبر، مدة نصف ساعة، فتحدث رعشة في القلوب.

ويبدأ في إيران عهد جديد، تفرد عبادي خيوطه أمامنا كما يفرد النسَّاج الإيراني الماهر خيوط سجادته التي يغزلها بتؤدة على نوله العتيق. رويدًا رويدًا نرى أمامنا التغييرات الجذرية التي يحدثها رجال الدين في الدولة والمجتمع. غيروا القوانين لتصبح متوافقة مع الشريعة الإسلامية التي امتلكوا هم وحدهم حق تفسيرها وفق أكثر مدارس التفسير تشددًا بغض النظر عن قوة الدليل ورجاحة البرهان. وفرضوا بالقوة الجبرية على الناس ما يلبسون، ومنعوا ما يعتقدون أنه يخالف الشريعة فضيقوا على النساء وحاربوا الاختلاط وحرموا السفر إلا بمَحْرَمٍ وألغوا منصب القاضيات وركزوا السلطات المطلقة في يد المرشد القائد الولي الفقيه الذي أصبح بحوزته الجيش والشرطة والمخابرات والحكومة والبرلمان والقضاء، وهو الآمر الناهي.

تحدثنا شيرين عبادي عن ركوب موجة العهد الجديد من شرائح واسعة من النخبة الإيرانية طمعًا في ذهب الخوميني وخوفًا من سيفه.

تقلد الطلاب ورجال الدين المتشددين المناصب، أصبحت الأولوية للأشد إخلاصًا للنظام وليس للأكفأ. مارست الثورة التي رفعت شعار الإسلام أبشع وأحط أنواع الجرائم بحجة حماية الدين وحماية النظام الذي يحمي الدين. قتلت قوات أمن الثورة عشرات الآلاف وطردت من الوظائف عشرات الآلاف في حملات تطهير كانت تأخذ بالشبهة، كل ذلك بالطبع وفق الأدلة التي تسوقها شيرين.

تحكي عبادي عن مراكز القوة الجديدة التي أُطلقت أيديها بلا رادع من قانون أو وازع من خلق فراحت تقتل وتعتقل وتسجن أي معارض للنظام. تحدثت عن موقف الثورة من المنتسبين لجماعة مجاهدي خلق، وما نالهم من شتى صنوف العذاب، وكان من بينهم أخو زوجها الذي أعدمته الثورة. وتتحدث عن تطور وسائل التعذيب وابتداع قوات الأمن طرائق جديدة تحقق المراد ولا تترك على جسد السجين أثرًا من ضربات أو كدمات أو صعقات، كأن تحرمه من النوم، وتسجنه لفترات طويلة في زنازين ضيقة ومنخفضة السقف كجحور الثعالب حتى ينهار نفسيًّا وجسديًّا.

وتسرد عبادي سنواتها التي قضتها معزولة من وظيفتها كقاضية وعيشها مهمشة تكابد في سبيل توفير متطلبات الحياة في مدينة كطهران تكتظ بالبشر والسيارات ويعلوها الضجيج والتلوث ويزيد من كآبتها تجهم رجال الدين وعبوسهم وملابسهم الكالحة.

ثم تبدأ في حياة عبادي صفحة جديدة حينما يُسمح لها بمزاولة مهنة المحاماة، فتفتتح لها مكتبًا وتتخصص في الدفاع عن الحالات التي تنبئ عن ظاهرة تحتاج إلى تغيير في القوانين، كحالة حضانة الأم لأبنائها في حال فقدان الرجل أهليته لتعاطيه المخدرات أو ما شابه، وكحالة نصف الدية للمرأة رغم تساوي الضرر الواقع عليها مع الرجل، وكحالات التعذيب في السجون، واغتيال رموز المعارضة السياسية من المفكرين والأدباء وكبار الصحفيين الذي قدموا حياتهم دفاعًا عن الحرية وكشفًا لفساد النظام.

ومع كل قضية جديدة تكسبها عبادي تتحول القضية إلى قضية رأي عام فتزداد مكانتها وتعم شهرتها داخل وخارج إيران.

وتتعرض عبادي لمحاولة اغتيال فاشلة، ثم تُحتجز في سجن جنائي مدة ٢٥ يومًا في قضية ملفقة ترى فيها حقيقة السجون وأحوال السجناء وطرائق معاملة السجانات للسجينات، وتروي ذلك بأسلوب مؤثر رغم استعمالها لكلمات بسيطة خالية من أي زخارف بلاغية.

وتروي عبادي قصة الحرب العراقية-الإيرانية بتطوراتها وويلاتها وتداعياتها، وأساليب الخميني في مجابهة قوات صدام بموجات الشباب الذين يندفعون لتطهير حقول الألغام بأجسامهم، ويقابلون المدافع بصدورهم، ممنِّين النفس بالشهادة والفوز بالحور العين. وانتهاء تلك الحرب العبثية بموت مئات الآلاف من الشباب وخسارة مئات المليارات من الدولارات.

وتستمر عبادي في معارضتها، وأحاديثها عن نماذج من القضايا التي ترافعت فيها والتي تعكس أحوال المجتمع والأفراد والثورة والدولة ونظام الحكم ووطأة أن يخضع الناس لسلطان المستبدين الذين يرتدون هذه المرة، ومنذ العام 1979، العباءة والعمامة فيقتلون ويعذبون ويفسدون باسم الإسلام.

وتتحدث شيرين عما وصفته بانشقاق النظام بين الإصلاحيين الذين يريدون تخفيف القبضة البوليسية وإفساح المجال ولو قليلًا للمجتمع ولقواه الحية لأن تتنفس، وبين المحافظين الممسكين بتلابيب الحكم ومفاصل الدولة، وتلقي الضوء على تجربة محمد خاتمي التي انتهت بالفشل.

وتمر صفحات الكتاب الممتع وفصوله الجذابة وترجمته الرائقة التي أبدعها حسام عيتاني حتى النهاية، والتي تكللت بفوزها بجائزة نوبل للسلام تقديرًا لسنوات عمرها التي قضتها في مناهضة الظلم والدفاع عن المظلومين والمطالبة بحقوق المستضعفين من النساء والأطفال، والوقوف في وجه القوة الغشوم، مضحية بأمانها ومعرِّضة حياتها لمخاطر ما كان لها أن تصمد أمامها لولا إيمانها بكراهية الله للظلم وعظيم ثوابه لمن يحاول إيقافه عند حده.

(23) #كتب_تقرؤنا – إيران تستيقظ – مذكرات الثورة والأمل – شيرين عباديمذكرات المحامية والناشطة الحقوقية الإيرانية، شيرين…

Posted by ‎محمد عبد العاطي‎ on Sunday, April 5, 2020

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.