سياسة مختارات مقالات

أولوية السيناريو الأسوأ في مواجهة كورونا

كتب ا.د. وليد عبد الحي:

تمثل غواية التفاؤل إحدى تحليلات المنظومة المعرفية للسلوك الانساني والتي اعتادت على “التعلل” بالآمال والنفور التلقائي من كل ما يُقلق، وللتخلص من هذه الغواية لا بد من الدربة النفسية والعقلية للتعاطي مع “السيناريوهات المتشائمة والمستندة لبعدين هما:

وجود قدر من الحجج والشواهد العقلية تدعم هذا التوجه من ناحية واعتبار المتغير “قليل الاحتمال عظيم التأثير” جزءا من منهجية بناء السيناريوهات، وهو الامر الذي جسده فيروس كورونا بشكل كبير.

ما هي ملامح السيناريو الاسوأ في المشهد ” الكوروني”؟

1- ان فترة الوصول الى عقار ناجع لخنق الفيروس نهائيا ستستمر لاكثر من عام وقد تتجاوز العام، وهو ما يعني استمرار معدل الوفيات متذبذبا لكنه معدل ثقيل ومحبط من ناحية، واستمرار تخبط معدلات النمو الاقتصادي مع ميلها نحو السالب من ناحية ثانية وانكفاء السياسات العالمية نحو الداخل القطري على قاعدة “انج سعد فقد هلك سعيد” من ناحية ثالثة، وهو ما سيؤثر على المساعدات الدولية وعلى تدفق التجارة والمال قد يصل ببعض الدول الى الانهيار والفوضى.

ولو اخذ العالم تحذيرات العلماء المتشائمين مثل مايكل أوسترهولم (Michael Osterholm) الذي حذر مما نحن فيه في دراسة منشورة في مجلة (Foreign Affairs) عام 2005 او السياسيين مثل سيئ الذكر جورج بوش عام 2005 والذي قال بناء على نصائح خبرائه من ان الوباء القادم قد نجد اننا ” فوتنا فرصة الاستعداد له”.. وغيرهم الكثير لكان العالم في وضع افضل.

2- استمرار وتيرة العدوى بمعدل 3-5 افراد للمريض الواحد، وهو ما يعني تضاعف الاصابات في حدود اسبوعيا مما يجعل السيطرة على المرض امر في غاية الصعوبة لاسيما مع نفاذ طاقات المواجهة تدريجا ولكن خطيا.

3- ارتفاع نسبة الوفيات بين كبار السن لتصل الى ما بين 8-10%، وهو ما يعني تراجيديا انسانية قد تقود لارتفاع منسوب التوتر والانتحار والتمزق الاجتماعي.

4- استمرار المشهد المتشائم يعني ضرورة البحث عن آليات تواصل اجتماعي واقتصادي جديدة، فاذا كان التواصل انسان / انسان سببا مرجحا بنسبة عالية لتفشي الكورونا، فان على العقل البشري ان يجهد في السعي لاكتشاف آليات إدارة شؤونه تقنيا بقدر يقلل التواصل الاجتماعي بخاصة في القطاعات الاقتصادية والقطاعات القائمة على التواجد الجماعي في حيز واحد الى الحد الأدنى مما يساهم في ضبط الانتشار للفيروس،.

5- الإدراك بان الحلول القطرية لن تجدي نفعا، فلو تخيلنا مثلا ان الأردن اصبح خاليا من الكورونا بنسبة 100%، فسيجد نفسه امام خيارين، اما أن يفتح حدوده فيفتح مع ذلك الباب لاحتمال عبور اجنبي الى الأردن يحمل الفيروس في بداياته التي يصعب اكتشافها، ثم يتطور المرض بعد الدخول، وعندئذ سنعود الى مطاردة الانتشار ثانية، او ان نقوم “باستضافة كل من يدخل الاردن في حجر صحي الى ان تثبت براءته من الفيروس” او ان يبقى الاردن مغلقا.. وفي كلٍ شر.

ذلك كله يستدعي:

1- فرض سياسات اقتصادية تقشفية الى ابعد الحدود في الدولة والمجتمع.

2- فرض ضريبة “كورونا” على البنوك والشركات والمصانع الكبرى

3- تحويل الفوائد البنكية للودائع التي تزيد عن مائة الف لصالح صندوق الكورونا. الى حين الخلاص من الفيروس

4- اعطاء القطاع الزراعي اولوية قصوى في سياسات الحكومة التنموية طيلة فترة وجود المرض.

5- مطالبة المستشفيات الخاصة بمساهمة أوسع في المواجهة

6- تطبيق اقسى العقوبات على كل من يخالف تعليمات الحكومة فيما يتعلق بإجراءات المواجهة مع المرض.

في تقديري ان نموذج المواجهة في الاردن للكورونا يحقق نتائج لا باس بها، لكني استذكر مقولة الجنرال الفيتنامي جياب بان الاستراتيجي الجيد هو من “يخطط بعقل الجبان وينفذ بقلب الشجاع” … ربما.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
وليد عبد الحي
الأستاذ الدكتور وليد عبد الحي؛ مفكر وباحث وخبير في الدراسات المستقبلية مستشار للمجلس الأعلى للإعلام لشؤون البحث العلمي وأستاذ العلاقات الدولية ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك الأردنية منذ عام 1994م، وشغل في الفترة 1982-1994 محاضراً في جامعة الجزائر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.