اجتماع مختارات مقالات

في ظل كورونا .. امتلك عقلك وتصنع سعادتك

سلسلة الخوف – ج9
لماذا يجب ان تمتلك عقلك وتتصنَّع سعادتك

بقلم د. محمد ابو شاويش

“راقب أفكارك فإنها ستصبح مشاعر وانتبه لمشاعرك لأنها ستصبح سلوك”

مع انتشار فيروس كورونا Covid-19 وآثاره بعيدة المدى وهيمنته على الأخبار العالمية، فقد صحب هذا الانتشار، انتشار للقلق وعدم الاستقرار. هذه ما يحدث غالبا في الأزمات، إن حالتنا العقلية غالبًا ما تؤدي إلى تفاقم الأزمة للغاية، لتصبح طريقة تفكيرنا عقبة رئيسية في حد ذاتها. لماذا هذا وكيف يمكننا تغييره؟ بصفتي اختصاصي نفسي من صميم عملي فتح أفق جديدة للتفكير، دعوني أشارككم هذه المعرفة في كيفية استجابة العقل للأزمات، مثل التهديد بحدوث جائحة.

حتى بدون وابل مستمر من الأخبار السيئة أو المثيرة للقلق، فإن ميل عقلك الطبيعي هو التشتت. فقد وجدت أحدث الدراسات أن الموظفين أفادوا بعدم قدرتهم على تنظيم انتباههم في العمل. كما أظهرت الأبحاث أنه بينما يعمل العقل من السهل أن يعَلٌق في أنماط التفكير السلبي خلال أوقات الأزمة – مثل تلك التي نعيشها الآن – ويمكن للعقل أن يصبح مدمنًا أكثر على التفكير الفجاعي (الكارثي)، بالإضافة إلى مشاعر الخوف والعجز. 

عندما يعلق عقلك في هذه الحالة، يبدأ برد الفعل المتسلسل. يبدأ الخوف في تضييق مجال رؤيتك، ويصبح من الصعب رؤية الصورة الحقيقية والإمكانيات الإيجابية والإبداعية أمامك. مع تقلص المنظور، ينخفض أيضًا ميلنا للتواصل مع الآخرين. في ظل هذه الأزمة، ويمكن للمعلومات المتعلقة بكيفية انتشار الفيروس التاجي COVID19 أن تؤدي إلى تفاقم مخاوفنا بشأن الآخرين وتزيد من ميولنا نحو العزلة، الأمر الذي يزيد من معدل القلق لدينا.

إن الإرهاصات المتعلقة بالأزمة الحالية خلال الأشهر السابقة، تذكرنا بالمثل البوذي القديم (السهم الثاني). حيث سأل بوذا أحد الطلاب ذات مرة: “إذا أصيب شخص بسهم، فهل هو مؤلم؟ ماذا لو أصيب الشخص بسهم ثانٍ، فهل يكون أكثر إيلامًا؟ ” ثم شرح لهم، “في الحياة، لا يمكننا دائمًا التحكم في السهم الأول. ومع ذلك، فإن السهم الثاني هو رد فعلنا تجاه الأول. ومع هذا السهم الثاني تأتي إمكانية الاختيار.

نشاهد جميعًا السهم الأول لفيروس التاجي هذه الأيام. فنحن متأثرون بقيود الحركة والسفر، وهبوط أسعار الأسهم، ونقص المعونات وما إلى ذلك. ولكن السهم الثاني هو القلق بشأن إصابتنا بالفيروس، والقلق من أن أحباؤنا سيصابون به، والقلق بشأن الآثار الاقتصادية وجميع السيناريوهات السوداوية الأخرى التي تٌغرق الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي التي هي إلى حد كبير من صنع أيدينا وأفكارنا. باختصار، يتسبب السهم الأول في ألم لا مفر منه، ومقاومتنا له تخلق أرضًا خصبة لجميع الأسهم الثانية.

من المهم أن نتذكر أن هذه الأسهم التالية هي- استجابتنا العاطفية والنفسية للأزمات – وهي طبيعية إنسانية للغاية. ومع ذلك فإنها غالبًا ما تجلب لنا المزيد من المعاناة عن طريق تضييق أفق تفكيرنا ومنعنا من رؤية صورة أفضل ومسار واضح للتعامل مع الواقع.

لذلك فإن السبيل للتغلب على هذا الميل الطبيعي هي بناء قدراتنا العقلية من خلال اليقظة. المرونة العقلية، خاصة في الأوقات الصعبة مثل الأزمة الراهنة، بمعنى إدارة عقولنا بطريقة تزيد من قدرتنا على مواجهة السهم الأول وكسر الثاني قبل أن يضربنا. المرونة هي مهارة ملاحظة أفكارنا الخاصة ومراقبة ما يدور حولنا، ونزع الأفكار غير البناءة، وإعادة التوازن بسرعة. ويمكن تنمية هذه المهارة من خلال ثلاث استراتيجيات فعالة:

أولا: تهدئة العقل

عندما تركز على تهدئة عقلك، يمكنك مراقبة أفكارك وإدارتها والتقاطها عندما تبدأ في النزوح نحو سيناريوهات يوم القيامة. يمكنك التركيز على ما تختاره على سبيل المثال (أليس من الجميل أن نكون في المنزل مع العائلة فهي فرصة للتقارب وتعويض كل فترات التباعد) مقابل ما يمكن أن يسيطر علي عقلك من أفكار عندما تشاهد أي أخبار أو إشاعات حول الأزمة على سبيل المثال : (سوف لن أتمكن من توفير احتياجات المنزل بسبب عدم خروجي إلي العمل).

هذه الحالة من الهدوء واستقرار اللحظة مهمة جداً. فهي بشكل سريع، تساعد على منع العقل من الانجراف نحو الأفكار السلبية، ويقلل من نوبات التوتر والقلق التي يمكن أن نعلق بها بسهولة. والأهم من ذلك، فإن الممارسة المستمرة لهذه التقنية وتركيز عقولنا تبني وتؤسس لدينا نوع من المرونة ستفيدنا مرارا وتكرارا. عندما نتدرب على إعادة أنفسنا إلى اللحظة الحالية (بمعنى أن نعيش اللحظة بشكلها الحقيقي دون تضخيم أو تقليل)، فإننا نعمق قدرتنا على التأقلم والتغلب على جميع أنواع الأزمات.

ثانياً: انظر خارج النافذة

يمكن أن يؤدي اليأس والخوف إلى ردود فعل مفرطة، لذا من الأفضل أن نفعل شيئًا… أي شيء… بدلاً من الجلوس بمشاعر غير مريحة. يجب أن تعلم أن عقلك يحتاج إلى مساحة للتخلص من دوامة الأخبار السيئة وللاستقرار، مما يمكننا أن نعيد السيطرة على عقولنا ونبدأ بالتخطيط من جديد للاستمرار ر في ظل هذه الأزمة. لذلك، يجب أن نحاول مبدئيا أن نخرج من دوامة التفكير المستمر والانخراط في الأفكار السوداوية وبما أننا مضطرين للبقاء في المنزل فمن الممكن أن ننظر من النافذة ونعطي أنفسنا فرصة للتأمل أو أن نلعب مع أطفالنا ونعيش لحظات طفولية ونحقق فائدتين لنا ولهم. من خلال القيام بذلك، يمكنك أن تكون أكثر هدوء ويمكن أن تحصل على إجابات أوضح حول أفضل طريقة للاستمرار بعد أن هيأت لعقلك التفكير بواقعية اكتر بعيدا عن كم الأخبار الهائلة المشحونة بالسلبية.

ثالثا: تواصل مع الآخرين من خلال التراحم

نتيجة للإجراءات المتخذة من اجل احتواء الأزمة، فإن العديد من دوائر المجتمع التي تقدم الدعم في أوقات الأزمات مغلقة الآن، حيث تعمل الحكومات ولجان الطوارئ في البلدان المختلفة على احتواء انتشار الفيروس. لذا تم إغلاق المدارس، وإلغاء المناسبات، وقد لجأت بعض الشركات لسياسة العمل من المنزل وحظر التنقل. الناتج الطبيعي لهذا هو شعور متزايد بالعزلة والانفصال عن الناس والجماعات التي يمكن أن تهدئ مخاوفنا وقلقنا.

يمكن لهذا النوع من المناخ المرعب أن يخلق وصمًا وأحكامًا بشأن من يجب إلقاء اللوم عليه ومن الذي يجب تجنبه، إلى جانب عقلية وسلوكيات الأنا (الأنانية) التي تنسينا بسهولة ضعفنا وإنسانيتنا المشتركة.

ولكن يمكننا أن نكسر هذه السلسلة السلبية من الأفكار من خلال الاتصال الهادف حتى من مسافة آمنة أو عبر وسائل التواصل المختلفة كالفيس بوك والهاتف وغيرها – ويبدأ بالتعاطف والتراحم ونشر روح الإنسانية المشتركة.

وأن تعقد النية أن تكون مفيدة للآخرين ومعها يبدأ العقل باسترجاع كل ما يتعلق بهذه المشاعر، ويمكن أن يبدأ التراحم بطرح سؤال واحد على نفسك وأنت تتحدث عن يومك وتتواصل – افتراضيًا وبصورة شخصية – مع الآخرين: كيف يمكنني مساعدة هذا الشخص على الحصول على يوم أفضل؟

مع هذا السؤال البسيط، تبدأ أشياء مذهلة في الحدوث. يتوسع العقل، وتتفتح العينان على من، وما هو، أمامنا حقًا، ونرى إمكانيات لأنفسنا وللآخرين مفعمة بالأمل وغنية بالفرص.

ملاحظة: بعض التقنيات الواردة أعلاه مقتبسة من تقنيات العقل والجسم.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.