سياسة مختارات

تنبأ بيل غيتس وقليل هم المتنبئون

“نمذجة الأمراض”: دراسة شاملة نتج عنها احتمالاً مرعباً
بتفشي وباءٍ في الصين ينتشر بسرعة في العالم.

يسري أبوعوض – كاتب وباحث

تنبا بيل غيتس، و ليس كل المتنبئين سواء، أخبرنا الرجل الثري أن وباءً عالمياً سيتفشى دون ان تكون البشرية قد استعدت له، جاءت نبوءته في مارس من عام ٢٠١٥، و ذلك عقب انتشار الإيبولا في غرب أفريقيا.

فقد صرح قائلاً:  “إذا كان شيئا ما سيقتل أكثر من عشرة ملايين شخص في العقود القليلة المقبلة، فمن المرجح أن يكون فايروس شديد العدوى وليس حرباً، استثمرنا الكثير في الردع النووي، والقليل جدا في نظام احتواء الأوبئة، نحن لسنا مستعدين”.

لم يكن حديث غيتس نظراً في النجوم أو الكفوف؛ إنما هو ذاته ما خلُصَت إليه مؤسسة “نمذجة الأمراض” بعد دراسة شاملة أجرتها، نتج عنها احتمالاً مرعباً بتفشي وباءٍ في الصين ينتشر بسرعة في العالم، ذات التحذيرات أطلقتها وكالة المخابرات المركزية الأميركية عام 2009 في بحث بعنوان “كيف سيكون العالم عام 2025؟” سعياً للتنبؤ بمستقبل العالم، جاء فيه مقالٌ موضوعه: احتمال تفشي وباء عالمي،  يرسم خبراءُ الوكالة سيناريو قريب جداً من أزمة ( كوفيد-19)، يتخيلون فيه ظهور مرض تنفسي بشري جديد شديد العدوى.

إلا أن تحذيرات عملاق مايكروسفت أو المؤسسات البحثية لم تلقَ اَذاناً صاغية، حتى شهد مطلع العام ٢٠٢٠ استفاقة العالم على جائجةٍ عالمية بسبب فايروس اختلفوا في بادئ الأمر على تسميته وأجمعوا على فتكه، و رغم هول ما كان يحدث في ووهان الصينية في شهر يناير؛ إلا ان استجابة الحكومات والرؤساء والمنظومات الطبية كانت مقلقة، بل تعدى الأمر ليصل إلى إطلاق النكات استهانةً كما فعل ترامب واصفاً اياه بالفايروس الصيني.

 لم يطل هذا حتى صنّفته منظمة الصحة العالمية في 11 مارس 2020 بالجائحة، أًضحى العالم كله يعيش ضجيج الأرقام المتتالية، و صار الحديث عن أسرَّة لا تكفي، و دولٌ تنهار أنظمتها الصحية، ويتعطل اقتصادها، وتنتقي الأجدر بالحياة من المصابين حسب ما يرتئيه الطبيب المناوب، في عالم كان يستطيع مجابهة المرض لولا أن ساسته انشغلوا برسم الخرائط وتقاسم مناطق النفوذ، وقدموا علم القتل على علم الحياة.

أثبتت جائحة كورونا حاجة العالم الى زيادة الإنفاق على مراكز الدراسات والأبحاث، لما لها من دور في إكتشاف المشكلات قبل وقوعها، ومن ثم التهيؤ لمواجهتها والحيلولة دون وقوعها، وبذلك تؤدي مراكز الدراسات الاستراتيجية وظائف الإنذار المبكر، والاستعداد للمستقبل، والبقاء على جهوزية، كي نأمن المستقبل فلا يحجر علينا على الأقل.

أدارت الجائحة الصحية وجهة الباحثين والمفكرين، للحديث عن الموازنات المخصصة للبحث العلمي، فالجزء الأكبر من اعتمادات الميزانية المخصصة للبحوث العلمية في الدول الصناعية الكبرى ينصرف إلى القطاع العسكري، بما فيه من أسلحة دمار شامل لم تقدم شيئاً في محنة العالم اليوم، والواقع أن القسط الأكبر من الإنفاق على البحوث المدنية في هذه الدول يقع على عاتق الشركات الخاصة، وهذا رئيس أقوى دولة في العالم يقول في مطلع العام الحالي عقب اغتيال الجنرال قاسم سليماني: “صرفت الولايات المتحدة للتو 2 ترليون دولار على معدات عسكرية، نحن الجيش الأكبر والأفضل في العالم”؛ ليتضح أن الإنسان نجح في صناعة القتل والهدم على نحو فاق كل إمكاناته وممارساته في حقل الطب والمعرفة البناءة.

زاد فايروس كورونا من جدلية قائمة أساساً وهي أولويات الإنفاق، الجانب الصحي ووفقاً لتقرير منظمة ”الصحة العالمية“ عام 2019، تبلغ  مخصصاته نحو 7.5 تريليون دولار تنفق سنوياً على الصحة حول العالم، كما أنّ الخدمات الصحية الأساسية تغطي بالكاد نصف سكان العالم، وكشف التقرير إلى أن نحو 925 مليون نسمة ينفقون من 10% إلى ٢٥ % من دخلهم على الرعاية الصحية.

وبرزت الحاجة الملحة الى تقدير الأطباء والباحثين تقديراً مادياً و معنوياً يدفعهم إلى تطوير إمكاناتهم وإمكانات العالم واستغلال كل الطاقات العلمية وتوجيهها وتوفير فرص الارتقاء، والأخذ بنتائج البحوث والتعامل معها بجديةٍ تحمي مستقبل العالم من الهلاك على يد فايروس لا يعرف الرحمة ، فقد لا يكون القادم طيباً و رحيماً مثل كوفيد ١٩.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.