مقالات

قراءة في تمديد الحجر الصحي في قطاع غزة

سلسلة الخوف – ج6
لماذا يجب أن نلتزم بتمديد الحجر الصحي في قطاع غزة

بقلم د. محمد ابو شاويش

إن هذه الجائحة التي اجتاحت العالم وضعت أولى الأمر علي اختلاف مستوياتهم في موقف لا يحسدوا عليه فمهما كان تصرفهم فهو محل انتقاد ولن يظهر مدى صوابية قراراتهم، إلا بعد أن يشاء الله أن ينحصر فيتم بناء علي النتائج تقييم من كان على جادة الصواب وقاد رعيته نحو النجاة بأقل الخسائر عندما كان صاحب قرارات جريئة لا تردد فيها وغلّب لغة العقل والمنطق في هذه القرارات ومن كان متذبذبا لا يقوى علي حسم أمره وتأرجحه رياح الهوى والعاطفة خوفا من ردات الفعل أو من مستقبله السياسي طبعا عن البلدان الديمقراطية نتحدث أما في غير ذلك من المناطق فالخوف علي خسارة مكتسبات الحكم والسلطة.

إن ما حدث من اعتراض الناس علي تمديد الحجر الصحي في قطاع غزة لأسبوع آخر هو نزعة أنانية تحتكم إلي العاطفة التي رغم تقديرنا العالي لها، لكن في هكذا أزمات لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُغلّب مصلحة فئة قليلة علي سائر المجتمع فهنا تنتهي مساحة الحرية وكما تقول القاعدة الشرعية درء المفاسد خير من جلب المنافع،  ولكن عند النظر إلي تسلسل الإجراءات والحيثيات التي مر بها قطاع غزة منذ بداية الأزمة إلى الآن وان كانت حتى اللحظة تؤتى أُوكلها بفضل الله علينا و بحكم طبيعة قطاع غزة و الإغلاق المحكم بسبب الحصار المفروض عليها منذ أكثر من ١٢ عام يجد أن هذه القرارات كان يجب أن تكون أكثر صرامة وتسارع استناد إلى الآتي:

1- قطاع غزة أكثر أماكن العالم كثافة وازدحام سكاني بحيث لو لا سمح الله دخل هذا الفيروس إلي الداخل فسيكون الوضع كارثي.

٢- النظام الصحي في قطاع غزة في ظل هذه الحصار هو شبه منهار ولا يقوى على الصمود لأسبوع واحد في حال تفشي الفيروس بسبب النقص الشديد في العتاد وفي الكادر الصحي فنحن لا نمتلك أكثر من ٧٠ سرير عناية مركزة وجهاز تنفس صناعي علي أحسن تقدير.

٣- طبيعة السكان في قطاع غزة وما تعرضوا له من أهوال بفعل الحصار والنكبات والحروب وحتى الانقسام وما تركه من أثر في نفوس الناس وحالة الفقر الشديد جعلت غالبية الناس لا يقدرون الخطر عتبة الشعور بالخطر مرتفعة (Risk threshold) وبالتالي الدافعية نحو الالتزام بالإجراءات دافعية هشة فغياب الخوف من شيء ما يغيب الحساسية تجاهه.

لذا في اعتقادي حالة التردد في تصعيد الإجراءات وعدم الحسم السريع لدى صانعي القرار إضافة إلي التركيبة النفسية للسكان جعلتهم يعتقدون أن هذا التمديد هو مجرد ترف وغير مهم ويمكن التغاضي عنه فاندفع البعض من اجل الضغط علي صانع القرار من أجل إلغاءه.

لذا أود أن أوجه رسالة إلى كل فرد في قطاع غزة داخل الحجر أو خارجه أنت مسئول أمام الله وإمام الناس عن كل تجاوز من شأنه أن يجلب الكارثة للجميع لذا من الواجب عليك الالتزام بالقرارات الصادرة عن لجنة الطوارئ وتغليب مصلحة الجماعة على النزعة الفردية.

الرسالة الثانية.. إلي لجنة الطوارئ يعطيكم العافية علي جهودكم الجبارة التي لا يمكن إنكارها ولكن حتى لا نقع في مأزق آخر في المستقبل القريب مع الناس و دوافعهم النفسية يجب كما قلنا أن تكون القرارات حاسمة ولا مكان للعاطفة فيها ويجب أن تأخذ وتيرة أسرع ولا يجب بأي حال من الأحوال أن نقارن أنفسنا بغيرنا نحن حالة فريدة من نوعها لذا يجب أن نضاعف أي خطوة يمكن أن يكون أي مكان في العالم قد اتخذها دون تردد ولا ضير أن نذهب إلى منع تجول ولو جزئي من اجل تهيئة الناس ، قد يعتبره البعض إجراء متطرف ولكن في وضعنا هو إجراء يشكل بوليصة تأمين ويجعل هناك شعور مشترك أن الجميع يعيش نفس الحال من تقييد الحرية فيضفي نوع من الشعور بالإنسانية المشتركة مما يقلل المشاعر السلبية التي تصاحب هذا الأمر.

كما يجب على لجنة الطوارئ توفير خدمة الدعم النفسي للناس تحت الحجر من اجل تعزيز الصمود النفسي لديهم وتقوية الروح المعنوية فانعكاسات الحجر النفسية كلما طالت كان وقعها علي النفس صعب فقد تسبب القلق والاكتئاب والعديد من المشاكل النفسية ناهيك عن الوصمة التي تشكل عبء نفسي كبير قد يجعلنا لاحقا بعد انتهاء الأزمة بإذن الله بحاجة إلى جهد جبار و إمكانيات ضخمة من اجل علاج التبعات النفسية لدي الناس،

كما انه من الضروري الالتفات بشكل كبير إلي جنود المرحلة وكل مرحلة من الطواقم الطبية ورجال الأمن ودعمهم نفسية وماديا من خلال المهنيين النفسيين المختصين وهناك تجربة ناجحة جدا بالإدارة العامة للصحة النفسية قد كان لي شرف تأسيسها وهي برنامج (مساعدة المساعدينHelping the helper) والذي يمكن تقنينه ليناسب حالة الطوارئ فهذه أزمة طويلة، الله وحده يعلم متى تنتهي والغالب حسب التوقعات ليس في القريب لذا فنحن بحاجة لتعزيز صمود الطواقم الطبية حتى تكمل هذه المسيرة..

حمى الله فلسطين وأهلها

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.