فنون مقالات

فيلم Novitiate

فيلم (Novitiate)

بقلم ا. محمد عبد العاطي

يطرح هذا الفيلم بعمق وصدق جملة من الأسئلة حول الرهبنة وحياة الراهبات فيما تعارفت عليه الكاثوليكية قبل مجمع الفاتيكان ٢ منتصف الستينيات: هل الطريق الأمثل للمسيح يكون بالرهبنة ومنع رغبات الجسد الفطرية وأولها الرغبة الجنسية؟ هل هذا الحرمان الغريزي، وعزل النفس عن العالم، والعيش بقية العمر داخل جدران الدير وأسواره العالية يوصل صاحبه حقا الى تمام المحبة، يسمو بالنفس ويخلصها من الشوائب والشواغل، أم أنه يوقع الراهب والراهبة في تضاد مع نداء الفطرة؛ في صراع شرس مع نوازعها وطلباتها المشروعة التي خلق الله الإنسان مجبولاً على الاستجابة لها؟

كاثلين فتاة في السابعة عشرة من عمرها، أمها غير مؤمنة، ومطلقة، تجد في نفسها، وهي في هذه السن الصغيرة، الرغبة في العزلة، والعيش في هدوء، و”الزواج” بالمسيح الذي أحبته زواجا ابديا. فقدمت طلبا للانضمام إلى دير للراهبات الكاثوليك، والتحقت، وفق اجراءات الدير، بدورة للراهبات مدتها ستة أشهر تنعزل فيها مع رفيقاتها فيها عن العالم، إلى أن يتم اختيار الناجحات منهن للالتحاق بدورة تعبدية طقسية نسكية كراهبات مبتدئات لستة أشهر أخرى، وبعدها يقررن أداء القسم الأول ليصبحن راهبات لفترة مؤقتة مدتها ثمانية عشر شهرا، أو يعلن انتهاء الكورس التدريبي والخروج للحياة الطبيعية.

وخلال فترة الاثنى عشر شهرا هذه تدور أحداث الفيلم، فنرى فيه الصراع النفسي بين الفتيات وبين متطلبات الرهبنة وفق أشدها قسوة على نمط ما كان سائدا إبان القرون الوسطى، تقودهن “أم” لم تطأ قدماها الأرض خارج الدير منذ أربعين عاما.

كانت الأم القائدة هذه تطلب منهن الاعتراف أمام المجموعة بالأخطاء وتعرية النفس والكشف عن كل كبيرة وصغيرة يرتكبنها في خلواتهن، وكانت تصر على أن تصل باعترافاتهن إلى أدق المسائل حساسية وهي المتعلقة بطرق ترويض أو عدم القدرة على ترويض الرغبة الجنسية، وهن ما هن عليه من شباب في سن المراهقة يتفجرن قوة ورغبة. وكانت شديدة القسوة في معاقبة المخطئات منهن بحجة التطهر من الخطايا والتأهل للدخول في مرحلة الرهبنة الأبدية وبخاصة بعد مرورهن بالسنة الأولى.

وهنا نرى، أو يرينا المخرج، الإنسان في خلوته؛ في منامه، ماذا يدور في أحلامه، ماذا يفعل حينما ينزع عنه رداء الرهبنة ويرتدي ملابس النوم ويغلق عليه بابه. وهذا هو الإنسان الحقيقي دون طلاء ولا زيف أو خداع. هنا الصراع المرير بين ما يطلبه نظام الرهبنة من عفة مطلقة، أو بمعنى أدق من إماتة الشهوة والرغبة، وبين تصادم ذلك مع الطبيعة البشرية، وما ينجم عنه في النهاية من تشويش للذهن وتعكير للنفس واضطراب للروح، من حيث ظنت الكنيسة التي وضعت هذا النظام أن العكس هو ما سيحدث؛ إذ ظنت أنها بذلك تهيء للراهبات الجو للتفرغ للعبادة، واستشعار لذتها، وتذوق متعتها، دون جواذب الجسد وملوثات الغريزة.

وليس الأمر الذي رأيناه في هذا الفيلم أمر صراع نفسي فقط كما سبق الوصف، بل وفكري أيضا، إذ رأينا حوارات عميقة بين هؤلاء الراهبات بعضهن البعض وأحيانا بينهن وبين الأم القائدة للدير، عن مصدر اليقين بوجود الله نفسه، واحتمال أن تكون فكرة الإله هي من نسج خيال البشر، وأنهم هم الذين أوجدوه في عقولهم واتجهوا إليه بقلوبهم لأنهم في احتياج نفسي وعقلي إلى هذه الفكرة، وأنهم قد يفاجأون بعدم وجود إله من أساسه، وأن كل هذا الجهد الذي يبذلونه لإرضائه إنما هو لإرضاء كائن تصوروه وتوهموه.

بين هذه الجدلية وتلك الثنائية؛ النفسية العقلية، تتوالى مشاهد هذا الفيلم كأروع ما يكون التمثيل والحوار والتصوير.

إنه حقاً مثير للفكر، داع للتأمل، يستحق المشاهدة.

فيلم (Novitiate)يطرح هذا الفيلم بعمق وصدق جملة من الأسئلة حول الرهبنة وحياة الراهبات فيما تعارفت عليه الكاثوليكية قبل…

Posted by ‎أفلام تستحق المشاهدة‎ on Friday, June 22, 2018

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.