فنون مقالات

فيلم Come Sunday

قراءة في فيلم
Come Sunday

بقلم أ. محمد عبد العاطي

يطرح هذا الفيلم إشكالية فكرية ومعضلة دينية عميقة ويدور حول البحث عن إجابة لهذه الأسئلة: هل مليارات البشر ممن لا يؤمنون بالمسيحية سيكون مصيرهم جهنم أم أن الله سيقبل أعمال الصالحين منهم ويجزيهم في الآخرة على الإحسان إحسانا حتى ولو لم يؤمنوا بالمسيح مُخَلِّصاً؟ ما مصير هذه المليارات من البشر الذين يعانون الفقر والجوع وتفتك بهم الأمراض والحروب في أفريقيا وغير مكان من العالم ويموتون جراء ذلك؟ هل سيكون مصيرهم جهنم فيجتمع عليهم بؤس الحياة في الدنيا وسوء المصير في الآخرة لأنهم في زحمة فقرهم وجوعهم ومرضهم وحروبهم وعيشهم في الملاجئ ومراكز الإيواء لم يجلسوا ويتفكروا ويعلنوا تخليهم عن دينهم واعتناقهم للمسيحية وإعلانهم الإيمان بيسوع المسيح مخلصا؟

هذه إذن الإشكالية التي يعالجها الفيلم والأسئلة التي واجهت بطله الواعظ المسيحي المشهور كالرلتون بيرسون وذهب يبحث عن الإجابة عليها.

بيرسون شاب أمريكي أفريقي دارس للاهوت في جامعة عريقة وتربطه برئيسها علاقة الطالب بأستاذه والإبن الروحي بأبيه، وقد أوتي من مهارة الخطابة ما جعل كلامه مؤثرا وأتباعه كثرا، يحتشدون بالمئات كل أحد في كنيسته التي يرعاها، فينتشون بمواعظه سودا وبيض، ويتمايلون طربا مع ترنيماته. وقد عمت شهرته الآفاق وبيعت اسطواناته وحقق هو وفريق العمل معه من ورائها الأرباح.

كانت أعمال الوعظ والخدمة في الكنيسة تأخذ وقته فلا يبقى لزوجه وإبنيه منه إلا القليل. كان يعظ في كل مكان ويدعو كل من يقابله لأن يؤمن بالمسيح مخلصا لتتغير حياته؛ مخلصا من الأحزان والذنوب والمعاصي ومن حياة الضياع والتشتت فتعود لنفسه سكينتها ولروحه اطمئنانها، كان يعظ المتزوجة نظريا التي تجلس بجواره في الطائرة وخاله المحكوم عليه بعقوبة في السجن والمثلي عازف الموسيقى في الكنيسة، وكان يبلي معهم بلاءً حسناً.

ثم بدأت الأسئلة سابقة الذكر تتسرب إلى عقل بيرسون رويدا رويدا. كان يرى في نشرات الأخبار صور الأطفال المرضى والجوعى في أفريقيا وصور أمهاتهم وآبائهم وهم يبحثون في حشاش الأرض عما يقيم أودهم، فتساءل ألهؤلاء المساكين ممن لا يؤمنون بالمسيح والمسيحية خلاصاً؟ أيجتمع عليهم ذل العيش وخسران المصير لأنهم لم يؤمنوا بالمسيح مخلصا؟ ولماذا لم يخلصهم الرب يسوع من فقرهم ومرضهم وجوعهم سواء آمنوا به أو لم يؤمنوا؟ لماذا سيشوي في نار جهنم أجسادهم الهزيلة النحيلة التي عضها الجوع ونهشها المرض؟ ماذا فعلوا ليستحقوا هذه الفظاعات في الدنيا والآخرة؟ هل الله بهذه القسوة التي نتصورها نحن رجال الدين الذين نؤمن أنه لا خلاص إلا بالمسيح وحده؟

وراح الواعظ بيرسون يتضرع إلى الله ويبكي، يصلي ويصوم ويصمت ويبكي، آملا أن يشرح الله صدره للحق ويلهمه الإجابة الصائبة على أسئلته، واستمر على هذا الحال إلى أن شعر أن الله قذف في قلبه نور اليقين وهمس في أذنه بالجواب: كلا يابيرسون، أنا الإله الرحيم الرؤوف الغفور الودود المحب، وسأضم جميع البشر إلى رحمتي وحناني، إن رحمتي وسعت كل شيء، سيكون لي معهم يوم الدينونة حسابا خاصا بيني وبينهم، من آمن بالمسيح مخلصا ومن لم يؤمن، أنا لست ضيق الأفق ساديا كما يظن هؤلاء الذين يقولون إن مليارات البشر سيُقذف بهم في جهنهم ما لم يؤمنوا بالمسيح مخلصا.

هنا، وبعد هذا اليقين الذي شعر به بيرسون في قلبه والنور الذي أضاء عقله تغيرت حياته رأسا على عقب، اندفع بقوة إيمانه وبقناعاته الجديدة يبشر بما توصل إليه، فانقلبت عليه الدنيا انقلابا، تخلى عنه معظم رواد كنيسته فأصبحت مهجورة مما اضطر لبيع متعلقاتها في المزاد ليسدد للبنك رهانه، وتخلى عنه جيرانه وخاصمه أصدقاؤه، وجاءه مدير جامعته التي درس فيها اللاهوت ليقنعه بأن ما استمع إليه همساً ليس صوت الرب وإنما وسوسة الشيطان، وطلب منه العودة عن آرائه الظهور على الملأ يعلن خطأ مساره، وجاءه فريق العمل في كنيسته يطلبون منه الشيء ذاته وإلا خسروا وظائفهم وتأثرت مداخيلهم، ونشط الجميع يقنعونه، تارة من باب التشكيك وتارة من باب التهديد، لكنه ظل متمسكا بآرائه، كان يجد صورة الإله المحب الرحيم أقوى من أي جدال لاهوتي عقيم.

استدعاه مجلس ديني كبير يضم الوعاظ والقساوسة والكهان ورعاة الكنائس السود، ونصحه الناصحون بعدم الذهاب لكنه مشى إليهم، ووقف بينهم يجادل كبيرهم، في مشهد يُذكِّر بمحاكمة مارتن لوثر أمام البابا ورجاله. كانت حجته قوية وكلامه مؤثر ومع ذلك كانت سطوتهم أكبر وسلطانهم أحزم فأعلنوا أنهم منه ومن دعوته براء، قالوا له ماذا تقول في آية الإنجيل التي تشير إلى أنه لا خلاص إلا لمن يؤمن بالمسيح ويعتنق المسيحية فيرد عليهم سؤالا بسؤال، وماذا تقولون في آية الإنجيل التي تقول ” لم آت لأدين العالم، بل لأخلص العالم” (يو12: 47). يسوقون إليه دليلا فيرد عليهم بعشرة، ثم قرورا ما اعتزموه سلفاً فأخرجوه من بينهم.

وظل عاما بلا كنيسة ولا وعظ ولا عمل ولا وظيفة، منبوذا، ينظر إليه الناس على أنه ممسوس من الشيطان، وقد انتشر في الولايات المتحدة خبره، وانقسم الناس بشأنه، وتشجع بعض أساتذة اللاهوت فتحدثوا قريبا مما تحدث به.

أما هو فمحبته للمسيح أبت عليه أن يرضخ لمن يصورونه بهذه النظرة القاصرة ويقدمونه بهذه القسوة المتعصبة، فذهب حقا كما كان يفعل يسوع إلى المبتلين من الشواذ والمثليين، إلى المهمشين والمدمنين، يقول لهولاء أجمعين: الله رحمن رحيم، مصيركم لا يعلمه إلا رب العالمين. فأقبلوا عليه مستبشرين يتجاوبون مع دعوته فرحين.

وهكذا بدأ بيرسون يستعيد تأثيره الوعظي مجددا ويشق في حائط التشدد الديني طريقا يتبعه فيه من آمن بدعوته.

وينتهي الفيلم عند هذا الحد. وياله من فيلم. بعد مشاهدتك له تقف لتتساءل: ألهذه الدرجة ونحن في القرن الحادي والعشرين لا يزال من الصعوبة إبداء اجتهاد ديني مخالف لقناعات العامة والمؤسسات؟ ألهذه الدرجة يمكن أن تكون الضغوط النفسية والمادية لإجبار صاحب الاجتهاد المخالف على التراجع عن اجتهاده وإلا فالاغتيال المعنوي مصيره؟ ألهذه الدرجة نبني تصورا عن الله ونقنع أنفسنا أن الله نفسه هو الذي بنى هذا التصور عن نفسه وأن كل ما عداه من تصور هو خطأ ومس من الشيطان؟

عموما، أرجو مشاهدة الفيلم المبني على قصة حقيقية ولايزال فيما يبدو صاحبها حيا قبل أن يتقاذف المتقاذفون بعضهم بعضا بالآيات ويصوبون لصدورهم بنادق التفسيرات وسهام التأويلات.

فيلم (Come Sunday) جميل وعميق وجدلي ومؤثر ويستحق المشاهدة.

 

فيلم (Come Sunday)يطرح هذا الفيلم إشكالية فكرية ومعضلة دينية عميقة ويدور حول البحث عن إجابة لهذه الأسئلة: هل مليارات…

Posted by ‎أفلام تستحق المشاهدة‎ on Thursday, April 26, 2018

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.