سياسة مقالات

بمناسبة الذكرى الأولى لانتصار ثورة ابريل في السودان

الثورات الشبابية بين “احتلال وول ستريت” و “تسقط بس”

بقلم الاستاذ عبد الرحمن عبد الله

كانت الأزمة الاقتصادية التي ضربت المنظومة المالية العالمية في العام ٢٠٠٨ هي الأكثر أثرا على الاقتصاد الأمريكي في العصر الحديث، الا ان احدى إيجابياتها تمثلت في الرواج الذي وجدته بعض الأفكار المناوئة للمدرسة الرأسمالية، وأعني تحديدا المدرسة الديموقراطية-الاشتراكية والتي ظل يروج لها عدد من أساتذة الجامعات الأمريكية مثل ريتشارد وولف وديفيد هارفي.

فخلال فترات الرخاء الاقتصادي لم يكن الشارع الأمريكي (ولا حتى نخبه المثقفة) يعطي اعتبارا لقضية قسمة الثروة. لكن الأزمة ايقظت الشباب الأمريكي من غفوته وجعلته ينتفض مذهولا أمام معدلات التوزيع غير العادل للثورة.

لا يمكن الزعم بأن الأصوات المنتقدة لجشع الرأسمالية هي وليدة لأزمة ٢٠٠٨، فالمؤسسة الأكاديمية الأمريكية ظلت تعج بالمفكرين اللذين ما فتئوا ينادون بضرورة تعديل مسار الرأسمالية. غير ان اصواتهم لم تكن تطرب الجمهور، وهذا ما جعل أفكارهم حبيسة بين جدران الجامعات. لكن الأزمة التي هزت قواعد الاقتصاد الأمريكي (وما تبعها من غضب وإحباط وصل حد التشكيك في النظرية الرأسمالية برمتها) هيأ المشهد أمام الأصوات المنتقدة للرأسمالية.

خرج الشباب في عاصمة المال (مدينة نيويورك) بصورة تلقائية وغير منظمة، وشكلوا ما عرف بحركة “احتلال وول ستريت “occupy wall-street او OWS”. مثلت هذه الحركة علامة فارقه في تاريخ النظام الرأسمالي الغربي، إذ انه ولأول مرة تعرضت الرأسمالية لهجوم ورفض وتشكيك في عقر دارها وبين أبنائها اللذين نشئوا في ظلها، وتمتعوا بخيراتها.

قامت فكرة OWS على الاعتصام المفتوح في احدى الساحات العامة القريبة من المركز المالي في Wall Street كوسيلة للتعبير عن رفض الشباب للمنظومة الاقتصادية التي تحكم بلادهم، والتي أسفرت عن تمركز الثروات في أيدي حفنة من الأثرياء، اللذين لم يكتفوا بإحكام سيطرتهم على أسواق المال في نيويورك، بل امتد تأثيرهم الى مفاصل صنع القرار في واشنطن.

روي ان الرئيس كلنتون عندما جلس على منضدة المكتب البيضاوي أراد ان ينفذ بعض وعوده الانتخابية التي شملت زيادة معدلات الدعم الاجتماعي للشرائح الأقل دخلاً، وذلك بزيادة الضريبة على الشرائح الأعلى دخلا والشركات الكبرى. لكنه فوجئ بمعارضة مستشاريه “إن قرارا مثل هذا سيؤلب عليك صناع القرار الاقتصادي في وول ستريت”. تعجب كلينتون من التبرير فوجه سؤالا لوزير خزانته “هل يعقل ان سطوة رجال وول ستريت أكبر من التفويض الجماهيري الذي أتى بي الى البيت الأبيض؟” أجابه الوزير والذي كان احد الرؤساء التنفيذيين في غولدمان ساكس “نعم، فهؤلاء هم من يمول خزينتنا عبر شرائهم سندات الخزانة”.

بدأ الاعتصام في منتصف سبتمبر من العام ٢٠١١، عندما امتلأت ساحة زاكوتي بارك بخيام المعتصمين، وامتد اعتصامهم في الساحة لأكثر من شهرين. إخطار المعتصمون واللذين كان اغلبهم من الشباب شعارا معبرا للغاية “We are the 99%” في إشارة ذكيه الى ان ال ١٪ اللذين يسيطرون على ثروات البلاد لا يجب ان يتحكموا في مصائر الأغلبية.

لقد وجهت OWS صفعة قوية للمؤسسة الأمريكية الحاكمة. فلأول مرة في تاريخ البلاد يتم الحديث بصوت مرتفع عن سوءات الرأسمالية وما احدثته من توزيع ظالم للثروة. فتاريخيا اعتاد الإعلام الأمريكي (والذي تملكه النخب الرأسمالية) منذ الحرب الباردة على تسويق المنظومة الرأسمالية على انها مصدر الرفاه والسعادة التي يعيشها المواطن الأمريكي. بل ظل يغازل مواطني المعسكر الاشتراكي ويروج ما أطلق عليه اصطلاحا ب “الحلم الأمريكي“.

لم يكن بوسع الرافضين للرأسمالية ان يعبروا عن قناعاتهم في الإعلام الرسمي، دعك عن التبشير بأفكارهم الاشتراكية. لكن OWS فرضت واقعا جديدا؛ فقد تمكن الشباب المحبط من إيصال صوتهم ليس للمؤسسة الحاكمة فحسب، بل للعالم بأسره.

على الرغم من ان الاعتصام قد فض بقوة الشرطة، الا ان أولى ثمرات OWS تمثلت في الاجتماع الشهير للرئيس اوباما بالرؤساء التنفيذيين للبنوك الأمريكية الكبرى، حيث خاطبهم قائلا: ” أرجوا ان تكونوا قد استوعبتم الرسالة، انا من يقوم بحمايتكم من المتظاهرين في الخارج. واجبي يحتم على إصدار تشريعات جديدة لمراقبة أسواق المال وضبط عمل البنوك. لن اسمح لكم بالاستمرار في الفوضى والتكسب غير المشروع”.

هذه الخطوة من إدارة اوباما مثلت تدخلا صريحا وجريئا من الدولة في مراقبة وإدارة الأسواق، وعارضت بشكل معلن القاعدة الذهبية لنظرية آدم سميث، حرية الأسواق.

بعد مضي أكثر من عقد من الزمان على OWS، وفي الطرف الآخر من العالم خرج الشباب السوداني الى شوارع الخرطوم معلنين عن إحباطهم وسخطهم ليس فقط من الوضاع الاقتصادية المتردية، ولكن من حالة الانسداد والضبابية التي تعتري المشهد السياسي. لم يترك الرئيس عمر البشير للشباب سوى هذا الخيار الصعب، فعلى الرغم من مغازلته لهم في احدى خطاباته “استعدوا عشان نسلمكم قيادة البلد” الا ان الحراك الشبابي لم يتلقى هذه الإشارة بحماس.

لم تعد كلمات الرئيس مصدر ثقة لدى الشباب. فقد ظلم نفسه وتاريخه عندما انساق وراء المنتفعين من أعضاء حزبه، اللذين صوّروا له ان الجماهير لن ترضى برئيس غيره. لقد كان مشهدا عبثيا ذلك الذي قام به أحد المحسوبين على الرئيس، حينما قام مخاطبا مؤتمر الحزب الحاكم قائلا “فليكن خيارنا عمر”.

وكعادة المتملقين على مر العصور، فقد تمكنوا من تمرير مقترح التمديد للرئيس، غير آبهين بنصوص الدستور ولا بتصريحات الرئيس السابقة والتي أعلن فيها صراحة زهده في الحكم.

رغم قناعتي ان النسبة الكبرى من أعضاء حزب البشير الحاكم لم يكونوا ميالين لفكرة التمديد، الا ان الطبيعة الشمولية لم تسمح لهم بالتعبير الحر عن آرائهم. على صعيد الشارع، فإن التدهور المضطرد في سعر الصرف وارتفاع الاسعار وزيادة معدلات الفساد وقلة الوظائف وتدهور الخدمات، كل هذه العوامل زرعت الإحباط في نفوس الشباب وأوصلتهم مرحلة من اليأس كسرت حاجز الخوف.

خرجت جموعهم في مختلف المدن معلنين سخطهم على النظام، رافعين شعارهم الذي أصبح أيقونة الثورة “تسقط بس” أي انهم لا يرغبون في أي حوار مع الرئيس واعوانه، وان مطلبهم الأوحد هو: “ان يرحل الرئيس”.

كعادة المظاهرات في دول العالم الثالث، لم تسلم مسيرات الشباب من بعض مشاهد التخريب. لكن المراقب المنصف للأحداث يدرك ان المسيرات اتسمت بقدر عال من الانضباط والوعي. فحالات التخريب والنهب التي تم تسجيلها ورصدها كانت محدودة مقارنة بحجم المسيرات وعدد المشاركين فيها.

إذا ما قارنا بين نموذجي “OWS” و “تسقط بس” لوجدنا ان العامل الاقتصادي هو الذي الهب مشاعر الشباب في الحالتين. فعوامل الظلم الاجتماعي وتفشي الفساد وتمركز الثروات أوصلت الشباب الى مرحلة من الإحباط ودفعت بهم الى الشارع. كما إن تعامل الحكومتين مع الاحتجاجات شهد نوعاً من استخدام العنف.

في حالة OWS تداركت الحكومة مشاعر السخط بحزمة من الإجراءات والتراتيب الإدارية. لم تجد إدارة اوباما بدا من تجاوز نظرية السوق الحر والاضطلاع بمسؤوليتها في ضبط الأسواق ومحاصرة التجار. اما في الحالة السودانية، فقد تعاملت الحكومة مع الاحتجاجات في بداياتها بمزيج من الإنكار ونظرية المؤامرة (تخوين المحتجين). ثم تطور الأمر الى اعتراف جزئي بالأزمة، دون الاجتراء على تحديد مسبباتها والتعامل معها بما يلزم من جراحات.

وإذا كان شباب OWS قد نجحوا في إرغام اوباما على تقييد الحرية المطلقة للأسواق (وهذا انجار كبير حسب لهم)، فإن شباب السودان نجحوا في إنهاء ثلاثة عقود من حكم البشير. لم تكن OWS تنو التمرد على القانون الأمريكي، وهذا ما دفع قادتها الى احترام القانون وعدم تكرار تجربة الاعتصام. لكن الأمر كان مختلفا لدى شباب “تسقط بس”، فعلى الرغم من نجاح ثورتهم (والتي ساهم فيها قادة الجيش عندما قرروا التخلي عن البشير) الا انهم أصروا على مواصلة اعتصامهم أمام قيادة الجيش. مفترضين ان قيادتهم التي وقفوا خلفها ستستكمل المشوار.

لم يدر في خلد الثوار ان الطموح السياسي والمال الإقليمي كفيلان بتغيير المواقف. فجاءت اولى الصفعات من قادة الثوار، عندما تغاضوا عن خطة فض الاعتصام في نهار رمضان.

لا شك ان الثورة الشبابية السودانية تم اختطافها من قبل محترفي السياسة، وهو ما جعل عددًا من مشاهير الثوار يجاهرون بعدائهم لحكومة الدكتور حمدوك.

لقد أثبتت التجارب ان الثورات مثلها مثل الثروات: من الصعب صناعتها، لكنها لا تستعصي على اللصوص والمتطفلين.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
عبدالرحمن عبدالله
كاتب وباحث سوداني مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، ومتخصص في قضايا السياسة والاقتصاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.