فنون مقالات

فيلم Phantom Thread

قراءة في فيلم
Phantom Thread

بقلم الاستاذ محمد عبد العاطي

هذا الفيلم من الأفلام التي تجذبك وتنفرك في آن، تحبها وتكرهها معا، ذلك لأنك تشعر وأنت تشاهدها أنها عميقة وصادقة، وتقول لنفسك: ولم لا يكون الأمر كذلك والنفس البشرية فيها من الكهوف والدهاليز ما لا يمكن الاحاطة به علما. لكن بعد أن ينتهي الفيلم وتتفكر فيه مليا تمسك بفتاح الفهم، مفتاح هذه النفس، خريطة مسالكها ودروبها، ثم حينما تتمعن أكثر تجد أن ما شاهدته ليس النفس فقط بل الحياة ذاتها، بدنياها وآخرتها، فيزداد اعجابك بالفيلم، ويتحول نفورك منه إلى انجذاب له.

والقصة لكي لا نوغل في الإلغاز أن مصمما عالميا للأزياء يدعى وودوك ، يعيش أعزبا مع اخته المسنة ويديران الاثنان مشغلا لتصميم وتفصيل فساتين المشهورين من الملكات والأميرات والبارونات، ومن خلال عشق المصمم لعمله وابداعه فيه نرى محاولته الدؤوبة لتجميل النساء وإظهارهن في فساتينه التي لا مثيل لها بمظهر خلاب، لكننا نرى ما هو أبعد من الشكل الظاهري، نلمح في وجوه زبائنه غلالة رقيقة من الحزن، وحينما يبحن بمكنون مشاعرهن إذا بنا ننسى ما نراه من جمال الجسد لنأسى لما أصاب الروح من حزن وكمد.

ثم ينتقل بنا الفيلم لنرى المصمم العالمي وقد وقع في حب سيدة تصغره كانت تعمل نادلة في مطعم، ثم اصطحبها لتعمل وتعيش معه في المشغل، وقد كان يرى فيها موديلا لاظهار جماليات تصاميمه رغم أنها في مقاييس الجمال الأنثوي متوسطة، فأربعينية عمرها جعلت الذبول ظاهرا في بشرتها، وكانت غير متصالحة مع جسدها لعدم بروز نهديها، لكن المصمم بإبداعه الفائق وشخصيته الآسرة داوى هذه الشروخ النفسية فأصبحت العارضة الأولى، غير أن هذا ليس هو المهم، وإنما المهم هو أننا فوجئنا بإنسانة معقدة ومريضة نفسيا رغم ما يبدو على علاقاتهما من حب وهدوء.

كان اسمها إلما، وأرادت أن تجعله يحتاج إليها أكثر من احتياجه لعمله، يخرج من ذاته التي رفع حولها الجدران وأحكم النوافذ ليعيشا حبهما كما تريد، فتقرر شيئا عجبا، تقرر وضع نسبة محسوبة من سم الفطر المسمم ليمرض فتداويه فإذا ما صح تعاود إمراضه فتداويه، وفي كل مرة تخدمه بحب واخلاص وتفان وهو يقدر لها ذلك بشكر وامتنان وتقدير.

ثم في نهاية الفيلم نعلم أن الصحة والمرض، الاحتياج والاعتماد على النفس، الظاهر والباطن، الشكل والجوهر، كل ذلك ما هو إلا حياتنا الحقيقية التي نحياها، وما عداها هو محض زيف، أو بتعبير يتناسب مع عالم تمصيم الأزياء مجرد خيوط متوهمة.

بغير هذه النظرة الفلسفية العميقة سيبدو الفيلم للمشاهد بطيئا مملاً، لكن باستحضارها ستتغير نظرتنا له وسيزداد تفاعلنا معه، وسنقول بعد مشاهدته إنه حقا كان يستحق.

فيلم (Phantom Thread)هذا الفيلم من الأفلام التي تجذبك وتنفرك في آن، تحبها وتكرهها معا، ذلك لأنك تشعر وأنت تشاهدها أنها…

Posted by ‎أفلام تستحق المشاهدة‎ on Thursday, March 29, 2018

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.