مقالات

فيلم The Innocents

قراءة في فيلم
The Innocents

بقلم الأستاذ محمد عبد العاطي

لو لم تكن نهاية هذا الفيلم على ما سيأتي في ختام هذا المنشور لربما ما نوَّهت عنه، ذلك لأن خاتمة قصته المؤلمة أعادت الأمور لنصابها وأدخلت الطمأنينة إلى النفوس المتعبة.

تدور أحداثه في بولندا إبان الحرب العالمية الثانية، حيث دخلت مجموعة من الجنود الروس ديراً للراهبات واغتصبوا من فيه على مدى ثلاثة أيام. القصة حقيقية وليست من نسج خيال المؤلف أو كاتب السيناريو.

المهم، سبعة من الراهبات حملن من عملية الاغتصاب الهمجية الوحشية هذه، فماذا يفعلن في الأجنة التي بدأت تتحرك في أحشائهن؟ وماذا يفعلن في الفضيحة التي ستلحق بهن؟ هل سيصدق الناس أن ذلك بفعل همجية الذئاب البشرية (الجنود الروس) أم سيقال إنهن لم يتحملن الاستمرار في حياة العفة والزهد والطاعة والتبتل والرهبنة فاستجبن لغرائزهن ومارسن الرذيلة؟

ولم يطل الانتظار، فبعد أشهر بدأت أعراض الولادة ومقدماتها تظهر عليهن، هذه يغمى عليها وهي تصلي، وتلك تشعر بالدوار والوجع فتصرخ من شدة الألم، وكان لابد من حل.

في شريعة هؤلاء الراهبات لا يجوز الإجهاض، ولا يجوز أن يلمس جسدهن أحد، فكيف بطبيبة تأتي وتتابع ولادتهن؟ بل من أين هذه الطبيبة ابتداءً والبلد محتلة وفي حالة حرب وهن منعزلات في ديرهن بسرهن الذي لا يردن كشفه حتى ولو كان في ذلك موتهن؟

كل ذلك أوجد معاناة جسدية ونفسية فوق الاحتمال. أضف إلى ذلك الأطفال القادمين من أرحام هؤلاء الراهبات، ماذا سيكون مصيرهم؟ من يربيهم؟ وكيف؟وماذا سيقلن لمن يسأل: من أين جاءوا؟

في خضم هذه الأسئلة قررت إحدى الراهبات من غير هؤلاء الحوامل ترك الدير لبعض الوقت والتسلل خفية إلى مستشفى الصليب الأحمر بمدينة وارسو القريبة لعلها تجد من بين الأطباء الأجانب المتطوعين طبيبة تسترحمها وتوافق على الذهاب معها لتقديم العلاج العاجل لزميلة لها وصل حملها إلى منتهاه وتتلوى من شدة الألم.

كانت المستشفى الميداني للصليب الأحمر مكتظة بالجرحى ولم يكن أحد مستعد للاستماع إليها، وحتى الطبيبة التي وجدتها وتوسلت إليها لم تستجب لتوسلاتها وأمسكتها من يدها بحزم وأخرجتها من باب المستشفى ثم راحت تواصل عملها.

خرجت الراهبة تبكي ولم تدر ما تفعل.

كانت ثلوج الشتاء تغطي المنطقة المحيطة بالمستشفى، ومع ذلك ركعت على ركبتيها ورفعت يديها للسماء وبدأت في الدعاء والصلاة بخشوع تنخلع له القلوب.

أنهت الطبيبة الحالة التي كانت بيدها وذهبت إلى مكتبها المطل على الشارع تسترح قليلا ثم تعاود عملها، وبينا هي كذلك وقع بصرها عبر النافذة على هذه الراهبة الراكعة المستغرقة في مناجاة ربها ونتف الثلج تتساقط فوق رأسها وعباءتها، رأت هذا وهي الشيوعية الفرنسية الشابة غير المتدينة فاهتز قلبها وقررت حمل حقيبتها الطبية والذهاب معها إلى الدير رغم ما في ذلك من مخاطر، ذلك لأن الجنود الروس لو اكتشفوا أنها تساعد أحداً من “الأعداء” فسيعتبروا ذلك خروجاً على أعراف الصليب الأحمر الملتزمة بالحياد وسيلحقون بها الأذى، ومع ذلك أقدمت على تقديم العون لهن.

وهناك، في داخل الدير تتوالى أحداث الفيلم.. ترفض الراهبات في بادئ الأمر أن يتكشفن عليها، وترفض رئيسة الدير مجيئها وتلوم الراهبة التي استقدمتها، ثم توافق بعد أن تعهدت الطبيبة الفرنسية الشابة بكتمان السر، وتقتنع الراهبات الحوامل بصعوبة بأن يجعلنها تتابع حملهن.

وفي إحدى المرات وأثناء عودة الطبيبة الجميلة صغيرة السن من الدير سلكت طريقا خطأ فاستوقفتها حامية روسية وما إن رآها أربعة جنود يتناوبون الحراسة حتى هاجت غرائزهم الحيوانية وهاجموها كالذئاب محاولين بكل وحشية انتزاع ملابسها واغتصابها وهي تصرخ بين أيديهم وقبل أن يتمكنوا منها تمام التمكن ظهر فجأة على إثر هذا الصراخ قائد الحامية فنهرهم وخلصها من بين أيديهم ووجه إليهم الشتائم وتركها تستقل سيارة المستشفى التي كانت تقودها وتعود من حيث أتت فعادت وباتت ليلتها في الدير وهي في حالة من الرعب والشعور بالإهانة لا توصف، وعلمت مقدار ما ألمَّ بالراهبات المغتصبات اللواتي مررن بهذه التجربة من قبل.

ويبدو أن المشكلات حينما تحل تأتي تترا، فما إن أشرق الصباح حتى جاء جنود روس إلى الدير ليفتشوا عما قالوا إنهم أجانب يختبئون فيه. وقد حل الذعر بالراهبات وتذكرن هجوما مماثلا لرفقاء هؤلاء الجنود وما خلفه من تلك المأساة التي تحدثنا عنها، ورغم أن رئيسة الدير وقفت ضدهم بصلابة لكنهم أزاحوها بأيديهم وواصلوا التفتيش في كل مكان، وهنا ظهرت لهم الطبيبة بملابسها التي تبين عملها لدى الصليب الأحمر، وسألواها عن سبب وجودها وهي تعلم أن ذلك ممنوع، فأخبرتهم بسرعة بديهة أن مرض التيفوئيد المعدي قد انتشر بين راهبات الدير وإنها جاءت لعلاجهن بدلاً من أن يأتين للمستشفى فيعدين المرضى، وهنا خاف الجنود الروس من انتقال العدوى إليهم فقرروا على عجل مغادرة الدير، وبعد ذهابهم أقبلت الراهبات على الطبيبة يشكرنها ويقبلنها بحرارة لأنها أنقذت أعراضهن مجددا من الجنود، ومنذ تلك اللحظة أصبحن يثقن فيها ويسمحن لها بعلاجهن، وهي تواصل توليد من يحن موعد ولادتها في ظروف غاية في الصعوبة.

وحينما جاء أول مولود ادعت رئيسة الدير أنها ستأخذه إلى بيت في قرية مجاورة لتطلب من إحدى قريباتها هناك أن تربيه مع أولادها، وانتزعته بالفعل بصعوبة وسط مشاعر جياشة من الأم وذهبت به وهو الرضيع الصغير، واتضح أن قصة القريبة وتربية المولود مع أولادها هذه من نسج خيالها، فقد كانت تضعه بكل قسوة في عمق الغابة المتجمدة وتتركه للموت وتقفل راجعة.

وحاولت فعل الشئ ذاته مع المولود الثاني الذي ولدته راهبة أخرى، لكن والدة الطفل الأول كانت تتبعها سراً وتراقبها في سيرها داخل الغابة لتعرف عنوان البيت الذي يعيش فيه مولودها فإذا بها تفاجأة بأن رئيسة الدير تأخذ الأطفال وتتركهم بجوار قبر قديم في الطريق ليموتوا من البرد، فلما عرفت ذلك أخبرت بقية الراهبات وألقت بنفسها من فوق سطح الدير وانتحرت.

هنالك قررت نائبة الدير، وقد كانت أكثر حكمة ورحمة ومرونة من الرئيسة، أن تتولى زمام القيادة بعد أن أصبح من العسير على الراهبات تقبل تلك السيدة التي وصفتها إحداهن بقاتلة الأطفال.

وتظهر الطبيبة الفرنسية الشابة مرة أخرى في المشهد فتقدم حلاً لهذا كله؛ اتفقت مع نائبة الدير على تجميع الأطفال اليتامى الذين فقدوا عوائلهم في الحرب، وقد ناهزوا العشرة، والمجئ بهم للدير لتربيتهم، وبهذا تربي الراهبات الأطفال المولودين وسط هذا الجمع فلا يعرف أحد من الناس سرهن ولا تنكشف فضيحتهن وفي الوقت نفسه يحافظن على حياة الرضع عوضاً عن قتلهم بهذه الطريقة البشعة التي كانت تنوي رئيسة الدير الاستمرار فيها لولا انكشاف أمرها.

وينتهي الفيلم بهذه النهاية الجميلة التي قلت في المقدمة أنه لولا أن الخاتمة جاءت بهذا الشكل المريح لما نوَّهت عنه.

الفيلم لا يحكي فقط هذه القصة الحقيقية وإنما يقدم للمشاهد إشكالية التزمت الذي يصادم الفطرة، وكيف يمكن للنص الديني الذي يُساء تأويله أن يجعل أكثر الناس تعبداً أشدهم قسوة، وأن يجعل البعيدين عن الدين (الطبيبة الفرنسية الشابة) أقربهم إنسانيةً ورحمة.

لقد نجح الفيلم ببراعة في تعريفنا بماهية الدين الذي نريده والدين الذي لا نريد. لقد أوصل رسالة بعمق متناه مفادها أن السبت جُعل للإنسان، أي أن الدين غايته الإنسان وليس العكس.

قدم هذه الرسالة وعرض ذلك المفهوم في إطار درامي متصاعد لا يجعل المشاهد يترك مقعده حتى النهاية، وساعد على ذلك الأداء الصادق المؤثر للممثلين وبخاصة الرائعة Lou de Laâge التي قامت بدور الطبيبة الشابة، فضلا عن المخرجة Anne Fontaine التي لم تجعلنا نشعر للحظة أن هذا الفيلم الذي تدور أحداثه عام ١٩٤٥ قد أنتج عام ٢٠١٦. حقاً إنه يستحق المشاهدة.

 

فيلم الابرياء

 

فيلم (The Innocents)لو لم تكن نهاية هذا الفيلم على ما سيأتي في ختام هذا المنشور لربما ما نوَّهت عنه، ذلك لأن خاتمة قصته…

Posted by ‎أفلام تستحق المشاهدة‎ on Thursday, January 17, 2019

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.