فنون مقالات

فيلم Orphan Horse

قراءة في فيلم
Orphan Horse

بقلم أ. محمد عبد العاطي

ثمة أفلام بعد مشاهدتك لها تشعر أنك شُحنت بجرعة عالية من العطف والرحمة والشفقة بالإنسان والحيوان، وأن الخير كل الخير في أن يعيش المرء قبساً من نور ونبعاً من عطاء يفيض على من حوله، فتسعد حياتهم، ويستشعر هو ذاته لذة ومتعة وقيمة ومعنى للحياة، وهذا الفيلم البسيط للغاية هو من تلكم النوعية.

فتاة صغيرة اضطرتها ظروف اليتم لأن تلتحق بعائلة مكونة من مجموعة أطفال أيتام مثلها يشرف على تربيتهم رجل وزوجته يقومان بوظيفة الأب والأم مقابل أجر شهري يتقاضيانه من البلدية، ويُجدد بحسب تقييم إحدى المشرفات الاجتماعيات لحالة هؤلاء الأطفال النفسية والجسدية.

ثم نكتشف أن هذين الوالدين الموظفين من أشر خلق الله، وأنهما ساديان، يعذبان الأطفال لاتفه الأسباب، ومع ذلك فهما على درجة عجيبة من النفاق حينما تأيتهم المشرفة الاجتماعية، حيث يبتسمان في وجهها، ويأمران الأطفال مسبقاً بأن يخبروها أنهما سعداء وإلا كان العقاب جزاءً لهم، فكانوا يفعلون ذلك إلا طفلة تسمى شيلي هي بطلة الفيلم، فإنها لم تحتمل هذه المعيشة وقررت الهرب، ومن هنا تبدأ الأحداث الحقيقية للفيلم.

في بحثها عن مكان تلجأ إليه ذهبت خارج المدينة حيث يقع بيت على بعد ثلاث ساعات يمتلكه رجل عجوز يقارب الثمانين، يعيش بمفرده، وليس معه غير اسطبل به مهرة تسمى فريدم وابنتها الصغيرة وتسمى (نسيت اسمها)، ويبدو أن الرجل العجوز هذا كان شديد المراس وذو مزاج خاص جعل ابنته لا تطيق العيش معه فقررت بعد وفاة أمها تركه وحيداً والذهاب للعيش في المدينة.

المهم أن الطفلة شيلي وصلت إلى الاسطبل وباتت ليلتها فوق القش، وتصادف أن كان باب الاسطبل غير محكم الإغلاق فجاءت مجموعة من الذئاب وهاجمت المهرة الأم وجرحتها جرحا بليغاً، وعلى أثر أصوات الهرج والجلبة والصخب الذي أحدثه الهجوم جاء العجوز ببندقيته وأطلق على الذئاب بعض الرصاصات فولت هاربةً، وكاد يصيب الفتاة شيلي التي فوجيء بوجودها، ثم ذهب لتفقد المهرة الجريحة

فوجدها ملقاة على الأرض، وقرر على الفور، رغم حبه الشديد لها، ألا يجعلها تعاني الألم فأطلق على رأسها رصاصة أجهزت عليها، وكانت شيلي والحصان الصغير يشاهدان الموقف وهما في غاية الذعر والتأثر.

تذكرت شيلي يتمها، وتذكرت وفاة أمها، وشعرت بعظم المصيبة التي حلت بالمهرة الصغيرة التي أصبحت يتيمة مثلها، فذهبت إليها، تحنو عليها، وتكلمها، وتبثها شكواها ونجواها، وتصبرها بكلمات المواساة، والمهرة تسمع، وتشعر بقلب الفتاة فتتأسى، ويكاد الناظر إليهما يشعر أن كل واحد منهما إنما سيَّرته العناية الإلهية لمقابلة الآخر من أجل التخفيف عنه.

وترفض المهرة الصغيرة اليتيمة الأكل حزناً على أمها، ويخشى عليها الرجل العجوز من المرض والموت، فيقرر السماح للفتاة بالمبيت يوما بعد يوم، وهو في كل مرة يقول لها بنفور طبعٍ إن هذا آخر يوم لك.

حينما مرت بضعة أيام إإتنس بها، وبدأت طباعه الحادة تلين، وتتكشف شخصيته عن وجه آخر من وجوه الطيبة ظل في الأعماق دفين. وحكت له شيلي في لحظة صدق مؤثرة ما حاق بها وأرته ظهرها وعليه علامات ضرب مبرح للأب والأم الموظفين اللذين لا يعرفان الرحمة.

وتتطور الأحداث ونعلم أن المشرفة الاجتماعية التي تباشر مراقبة العائلات اليتيمة هي ابنته التي فارقته، وأنها تحب ضابط شرطة يقوم على حفظ الأمن في هذه المدينة الصغيرة البعيدة، وقد كان مثلها في أخلاقه الدمثة وامتلاء قلبه بالرحمة.

وحينما اجتهدا في البحث عن شيلي الهاربة وجداها في بيت العجوز، وجاء الأبوين الموظفين يمثلان عليه دور الباحثين بلهفة عن شيلي والحق أنهما كانا حريصين على عودتها ليصدر لهما شيك الراتب الشهري، وما إن رأى العجوز هذا الرجل القاسي الذي عذَّب شيلي فبدت على ظهرها آثار الضرب بحزامه حتى لكمه بقبضة يده، وطلب من ابنته المشرفة الاجتماعية أن تفحص ظهر شيلي، ولما فعلت علمت الحقيفة، ضمتها إلى حضنها بتأثر وحنا وهي اليتيمة أيضا مثلها. وألقى ضابط الشرطة القبض على الثلاثة؛ العجوز والوالدين الموظفين، وحكمت المحكمة بتبرئة الرجل العجوز من الاعتداء بقبضته على هذا الرجل، والحكم على الوالدين الموظفين بالسجن.

وكانت نهاية الفيلم الرائعة، إذ قررت المشرفة والضابط الزواج، كما قررا تبني مجموعة الأطفال الأيتام بعد عودة شيلي إليهم، وانتقلوا جميعا للعيش في بيت مجاور لبيت العجوز حيث المهرة اليتيمة التي ارتبطت بشيلي ارتباطا جميلا عحيبا مؤثرا.

وينتهي الفيلم باعتذار العجوز لابنته التي تركها ترحل صغيرة عن طباعه الحادة، وإظهاره الندم الصادق على ذلك، خاصة بعد أن تغير بفضل شيلي والمهرة اليتيمة، فتقبل الإبنة اعتذار أبيها بتأثر وحب.

ويخرج الجميع بمن فيهم المشاهد من ذلك كله بدفقة هائلة من مشاعر الشفقة والرحمة والإحساس بمعاني الفقد واليتم، وقيمة الود والعطف والحنان، الذي يقرب الإنسان من الحيوان والحيوان من الإنسان، كل ذلك بأداء بسيط لكنه صادق وعفوي وتلقائي من الجميع؛ الطفلة شيلي بطلة الفيلم، والعجوز الذي أدى دوره ببراعة، وابنته المشرفة الاجتماعية، وحتى المهرة الصغيرة اليتيمة التي شاركتنا بنظرات عجيبة حينما كانت متألمة حزينة وحينما كانت فرحة سعيدة.

لهذا فأنه حقاً من الأفلام التي تستحق المشاهدة ليس للكبار فقط وإنما، بالأخص، الصغار أيضا.

 

 

فيلم (Orphan Horse)ثمة أفلام بعد مشاهدتك لها تشعر أنك شُحنت بجرعة عالية من العطف والرحمة والشفقة بالإنسان والحيوان،…

Posted by ‎أفلام تستحق المشاهدة‎ on Friday, January 25, 2019

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.