دين عروض كتب مقالات

كتاب الوجه الآخر للمسيح ل فراس السواح

سلسلة كتب تقرؤنا:

كتاب “الوجه الآخر للمسيح” ل “فراس السواح”

هذا كتاب مهم، قرأته بشغف، لأنه يقدم لك تصورًا جديدًا ومغايرًا عما كنت تتصوره، ومن شأن هذا النوع من الكتب أن يثير الذهن، ويستجيش المشاعر في آن.

الكاتب هو الدكتور فراس السواح، المفكر السوري المختص في الأديان (1941-….)، وله عديد المؤلفات ذات السمعة العلمية الحسنة. يريد القول في هذا الكتاب: إننا لا يمكننا فهم العهد الجديد دون إجراء عملية جراحية كبيرة نفصله فيها عن العديد من مقولات العهد القديم التي لا تنسجم معه. وقد استشهد الكاتب بعشرات الأمثلة على تناقض الدعوة التي جاء بها يسوع الناصري مع اليهودية السائدة في عصره والتي تَعَرَّفنا على ملامحها الأساسية من أسفار العهد القديم. فشريعة يسوع الروحية تختلف عن شريعة الحرف اليهودية، والآب السماوي الذي بشَّر به يسوع يختلف عن إله العهد القديم في صفاته وأفعاله. والمسيح لم يأت ليواصل خط اليهودية الذي انحرف عن مساره، وإنما لينقضها ويؤسس دينًا جديدًا بتصور جديد عن الإله والكون والعالم.

ولكي يكشف الكاتب عن الوجه الآخر للمسيح الذي علاه غبار الزمن فأخفاه عنَّا على حد قوله، كان لزامًا عليه، أي على الكاتب، أن يفتش عن البيئة التي أثَّرت في التكوين العقلي والنفسي للمسيح، وهنا سلَّط الضوء على الجليل التي عاش فيها، وقدَّم للقارئ حياتها السياسية والفكرية ونظام القيم الاجتماعية الذي كان سائدًا فيها آنذاك، وخلص إلى أنها مدينة كانت بطبيعتها منفتحة، متعددة، تكره التعصب اليهودي، وقد تأثر يسوع بهذه البيئة أيما تأثر، وكانت أحد أسباب ثورته على جمود اليهودية وتزمت الفريسيين والكَتَبة. ومن الإشارات المهمة في هذا الفصل أنه نفى صلة المسيح ببيت لحم، أو على الأقل أضعفها، في مقابل الناصرة والجليل اللتين عاش فيهما وبهما عُرف، وبأهلهما تكوَّن مجتمعه الذي انتمى إليه.

بعد ذلك، واصل الكاتب رحلة بحثه عن المؤثرات التي شكّلت شخصية المسيح فخصَّ رحلته لمصر ببعض الإضاءات، والجديد الذي ذكره هنا هو حديثه عن تعرُّف المسيح على طائفة تمارس طقوسًا شبيهة بطقوس المتصوفة، وقد أعجبته هذه الطقوس واحتفظ بها في ذاكرته حتى عاد إلى الجليل فكانت إحدى منابعه الفكرية والتربوية التي اغترف منها وهو يُعلِّم أتباعه ومريديه.

وهنا، أمسك الكاتب بخيط غاية في الأهمية والإثارة والجدل، وهو أن ما أسميته قبل قليل تلطفًا “صوفية” أطلق عليه الكاتب ذلك الوصف المعروف والمشهور في تاريخ المسيحية وهو “الغنوصية”، وراح يشرح هذا المذهب الكشفي السري العرفاني الروحاني، ليصل في النهاية إلى أن المسيح كان غنوصيًّا، والمسيحية الحقة هي أحد المذاهب الغنوصية، وهنا استعرض الكاتب بالتفصيل ما يعد أيضا بابًا جديدًا في الدراسات العربية المتعلقة بهذا الأمر، فعرض للمخطوطات المكتشفة أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات في نجع حمادي بمصر، والتي تضم ثلاثة عشر مجلدًا تحوي خلاصة الفكر الغنوصي، جمعها أحد كبار الغنوصيين وخبأها في جرَّة فخارية ودفنها بجوار جبل بأحد الحقول خوفًا من بطش السلطات الرومانية التي أقرَّت المسيحية بشكلها المعروف حاليًّا، وحاربت بكل عنف كل فكر يخالفها وفي مقدمته الفكر الغنوصي، ومن بين هذه المخطوطات الأناجيل التي كانت متداولة قبل اعتماد السلطات الرومانية للأناجيل الرسمية الأربعة المعروفة حاليًّا، وخصَّ الكاتب إنجيل “توما يهوذا التوأم” بشيء من التفصيل، وراح يستعرض آياته ويقارنها بأناجيل مرقس وحنَّا ومتَّى.

والجديد الذي أضافه الكاتب هنا هو تفسير بعض مستغلقات الأناجيل الثلاثة سابقة الذكر بالإيضاح الذي أورده إنجيل توما. لكن أهم من ذلك هو الأدلة التي استشهد بها الكاتب من إنجيل توما والتي تؤكد وجهة نظره الرامية إلى تأثر المسيح بالغنوصية كما بدا في أقواله التي لا يمكن فهمها حق الفهم إلا بوضعها في السياق الغنوصي العرفاني كما يقول الكاتب.

هذا إذًا هو كتاب الدكتور فراس السواح “الوجه الآخر للمسيح: موقف يسوع من اليهود واليهودية وإله العهد القديم ومقدمة في الغنوصية”، وهو -كما قلت- كتاب مفيد ومثير لأنه يقدم للقارئ العربي شيئًا ربما لم يألفه من قبل. وكما قيل بحق: إنَّ أفضل الكتب هو الذي يجعلك بعد قراءته نهمًا لمزيد من البحث، وليس شاعرًا بالاكتفاء.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.