اجتماع ثقافة مقالات

فضفضة عن نرجسية المتدينين وإبداعاتهم منذ بدأت جائحة كورونا

المقصود بالمتدينين في المنشور هم “المخبصون”
من معتنقي الأديان عموما

بقلم/ سمية أبو عيطة

منذ أن بدأت أزمة فيروس كورونا ونحن نقرأ ما شرَّق وغرَّب من تحليلات وتأويلات دينية، بدءًا بالشماتة بما أصاب الصين لما تفعله بالإيغور، مرورًا بالتحليلات العبقرية بأن هذا الفيروس جاء ليؤكد حكمة تشريع النقاب والوضوء وحرمة الاختلاط (وكأن انتقاب النساء دون الرجال وعدم الاختلاط بين الجنسين كان سيمنع هذه الجائحة أو أن الوضوء بلا صابون كان يمكنه أن يقضي على الفيروس)، وليس انتهاءً بمعتنقي دين “نظرية المؤامرة” وتفسيرات مخططات إخلاء الحرم المكي والمساجد من أصحابها.

والحق يقال بأن الحماقات الدينية لم تكن يومًا حكرًا على المسلمين، لكن أن تكون الحماقات في مرحلة الأفكار أمر وأن يصبح المتدينون قتلة وتصير حماقاتهم واقعًا وعدّادًا يجري بأرقام الهالكين والمصابين أمر آخر تمامًا!
في كوريا الجنوبية، وبعد أن تجاوز عدد المصابين ال4000 شخص، جثا رئيس أحد الطوائف المسيحية على ركبتيه في مؤتمر صحفي ليعتذر للشعب عن مشاركة كنيسته في نشر الفيروس، بعد أن بلغ عدد المصابين من أعضاء الكنيسة في حينه نصف أعداد المصابين في البلاد (بحسب BBC)، رفضت الكنيسة وقتها مساعدة الحكومة وتحفظت على أسماء منتسبيها وبياناتهم ثم وافقت بعد مدة، لذا تطالب حكومة مدينة سول باستجواب رئيس الكنيسة بتهمة القتل لعدم تعاونه مع السلطات!
في كوريا أيضًا، قام مسؤولو أحد الكنائس برش المياه المالحة في أفواه رواد الكنيسة ظنًا بأن إجراء كهذا قد يقضي على الفيروس ويمنع انتشار العدوى، والمضحك المبكي أنهم وضعوا فوهة زجاجة الرش في أفواه رواد الكنيسة دون تعقيم البخاخ، فنقلوا العدوى بذلك إلى العشرات ومن بينهم قس الكنيسة وزوجته.

حسنًا، فرض الحظر المنزلي وتوقفت المدارس والجامعات ومصالح العالمين، فهل توقفت التجمعات الدينية؟!
بعض اليهود المتشددين في (إسرائيل) والأقباط في مصر رفضوا إيقاف صلواتهم وتعاليمهم زاعمين أن دعواتهم تلك ستحميهم! لكن المسلمين كانت لهم بصمتهم الخاصة!

في ماليزيا مثلًا كانت الأمور على ما يرام، نجاح نسبي في السيطرة على انتشار الفيروس، أعداد مصابين قليلة جدا نسبياً بالنظر إلى أنها من أوائل الدول التي أصابها الفيروس، وأقربها إلى الصين، حتى جاء ذلك اليوم المشؤوم حين احتشد 16000 شخص في تجمع لجماعة التبليغ الدعوية بأحد أكبر مساجد كوالالمبور بعد أن رفضوا طلب السلطات تأجيل الفعالية، ثم تبين إصابة بعضهم بالفيروس، لتبدأ السلطات سباقاً مع الزمن في تتبع الحالات، إذ تمكنت من تتبع ما يزيد على 10,600 شخص، تبين إصابة أكثر من 500 منهم وقتل منهم شاب يبلغ من عمره 34 عامًا فقط! والمصيبة أنهم نقلوا الفيروس إلى أكثر من خمس عشرة ولاية جلُّها لم تسجَّل فيه حالة واحدة قبل الحادثة!
ليصدر أمر بإغلاق البلاد وإغلاق كل ولاية على نفسها، ولاحق إذا بتلاحق! ثم يتبين أن بعض الحاضرين في التجمع قد أصيب ونقل الفيروس معه إلى بروناي وكمبوديا والفلبين وسنغافورة وتايلاند وفيتنام!
فهل تعلَّم هؤلاء الدرس بعد أن تجاوزوا ثلثي حالات الإصابة في ماليزيا وأنهكوا الطواقم الطبية وأفزعوا الناس وعطلوا مصالح البلاد والعباد؟ فالج لا تعالج! بعدها بأيام فقط يقام تجمع مماثل لجماعة أخرى من جماعات التبليغ في إندونيسيا، إندونيسيا إحدى أكبر دول العالم تعدادًا سكانيًّا، حضر التجمع ما يزيد على 8000 من الزوار المسلمين من دول عدة، ثم يصرِّح أحد المنظمين لرويترز بأنهم يخافون الله أكثر من كورونا وأن أرواحهم أهم من أجسادهم!!

أما عن جروبات الواتساب فحدِّث ولا حرج، انتشرت مثلًا فتوى بتحريم ترك الجمعة ونسبت كذبا للقرضاوي، فمن هذا الحريص على الجمعة الذي يكذب على لسان القرضاوي!
وماذا يريد! وأية أديان هذه التي تترك معتنقيها للتهلكة، وتكفر بالرحمن الرحيم، و”إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر”، يعمُرها! يعمرها! ومن عمارة المساجد وعمارة الأرض ألا تتحول المساجد إلى بؤر لبث الأمراض وإهلاك العباد! إن الحزن لإغلاق المساجد من قلوب تعلقت بالمساجد هو دليل حياة القلب وصدق الإيمان، لكن مصالح الناس والعبادات ليست وفق مشاعرنا بل وفق منطق كف الأذى ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح!
في غزة اليوم احتشد الناس في المساجد لصلاة الجمعة، قلَّلوا الوقت وخطب بعض الأطباء ولكن الناس احتشدوا وافتخروا بأنهم متفردون واستثنائيون! بأنهم البقعة الوحيدة على الأرض التي صلت الجمعة! بأن غزة المكان الأكثر أمنًا.. كان سيكون أمرًا رائعًا يكتب بعبارات أدبية في كتب التاريخ بأن العالم كله كان محاصرًا إلا غزة التي حوصرت من قبل! لكن ماذا لو لم يسر الأمر على ما يرام –لا سمح الله- وهل هذا هو وقت حماسات أبي تمام والدراما ومفارقات البلاغات اللغوية! ثم أليس هذا تشفيًا مبطَّنًا بالعالمين!!
أنت يا غزة أحب بقاع الأرض إلى قلبي ورافعة رؤوسنا ورأس حربتنا وأجمل أبطالنا ولكنّا ما تعودنا أن تكون بطولاتك هكذا! إن الأخذ بالأحوط ليس جبنًا ولا قلة دين، غزة اليوم بالفعل من أكثر بقاع العالم أمنًا من الفيروس ولكن إن وصلتها العدوى (ومصر القريبة موزِّع رئيسي لها) لا سمح الله فستكون كارثة حقيقية في واحدة من أعلى الكثافات السكانية في العالم وفي ظل شح الإمكانيات.

قصص وقصص.. كلها تحيلنا إلى مساءلة هذه النفسيات ومحاولة فهم “نرجسية المتدين” الأفقه والأتقى من علماء الكوكب ومن دور الفتاوى في العالم الإسلامي.

صلوا في بيوتكم
صلوا في رحالكم 
ابقوا في بيوتكم بعيدا عن تجمعات المساجد والأسواق والأعراس وغيرها
واتقوا الله في أنفسكم فإن غرتكم قوتكم وشبابكم فاتقوا الله في كباركم وضعافكم

تعديل: من نافلة القول، وكما يتضح من السياق، فإن المقصود بالمتدينين في المنشور هم “المخبصون” من معتنقي الأديان عموما، وقد ذكرت المسيحي واليهودي، ووضعت الكلمة بين قوسين في أول سطر؛ ليقيني بأن التدين السليم لا يكون كما يزعمون.. فوجب التنويه.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.