أدب و تراث ثقافة سياسة مختارات مقالات

السيناريو الأسوأ في عالم ما بعد كورونا

“جاء كورونا ووضع السكين على رقاب الجميع بلا استثناء”

بقلم/ سمية أبو عيطة

في الأدبيات، كتبت الحياة لماوكلي في مجتمع الذئاب، ولطرزان في مجتمع القرود، لكن الإنسان لم تكتب له حياة كريمة بعد في المجتمع الإنساني، ظل اللاجئون والمساجين والفقراء والضعفاء والمساكين يذبحون على الشاشات وكان العالم كله يتفرج، كان يتفرج على الاقل!

جاء كورونا ووضع السكين على رقاب الجميع بلا استثناء، وصرنا جميعا في الهوا سوا، أبناء العم الذين ينبغي أن تتوحد يدهم على الغريب، ولكن هل سيبقى هذا حالنا بعد انقشاع غمامة كورونا (إن انقشعت).

قرأت خبرًا لا أظنه صحيحًا، يصرح فيه ألفارو مورتي الممثل الإسباني الذي لعب دور البروفسور في المسلسل الأيقونة (le casa de papel) بأن خطة البروفسور في الجزء الرابع من المسلسل ستكون سرقة لقاح كورونا لتقديمه لعامة الناس!

ذعر حقيقي أصابني حين تخيلت السيناريو الأسوأ في عالم ما بعد كورونا!

كساد اقتصادي حتمي وخارطة صراع سياسي جديدة على اللقاح وغيره ومجاعات وارتفاع معدلات السرقة والجريمة، كلها كفيلة بأن تخرج الوحوش المختبئة تحت جلود البشر! الوحوش التي لم يتورع ذات يوم بعضها عن أكل لحوم بعض حقيقة، ولا يتورعون عن أكلها كل يوم مجازًا، صراع لأجل البقاء أحيانًا ولأجل الجشع كثيرًا.

كآبة وسوداوي!

أدري.. ولكنها لم تعد كذلك في رأسي بعد أن شاهدت أمس فيلم Platform، الذي كثر مؤخرًا ربطه بفوضى كورونا وما بعد كورورنا، فيلم المنصة Platform (حسب الترجمة الإنجليزية)، والحفرة el hoyo (بالإسبانية) يحكي قصة نزلاء حفرة/سجن عمودي وصراعهم الطبقي اليومي على الطعام، الفيلم موغل في الرمزية والديستوبيا معًا، يتواجه فيه منطقان؛ منطق الإصلاح المثالي الساذج، الذي يرى في الحوار والإقناع فقط سبيلًا أوحد للخروج من الحفرة، يتمثل بشخصية الفادي؛ وهي امرأة تؤمن بالتضامن العفوي (spontaneous solidarity)، انتحرت لتقدم جسدها قوتًا لمن تؤمن بأنه يمكن أن يلعب دور المسيح المخلص وآمنت أنها تحيا إن التُهِمَت على طريق (الإصلاح)، أما المنطق الآخر فكان الطبقية بكل قرفها وبشاعتها، تمثلت بشخصية رجل مسن يدعى تريماجاسي عاش ليأكل قبل أن يؤكل وتعايش مع قناعته بأن الناس ثلاث: “من هم بالأعلى، ومن هم بالأسفل، ومن يسقطون”.

هذا باختصار ودون حرق للأحداث، لم أستطع ألا أربط بين هذا الفيلم ورواية 1984!

الفيلم مؤذٍ في مثل هذه الظروف ولكنه عميق جدًا ويستحق المشاهدة رغم قسوته الشديدة. وكحال رواية جورج أورويل، فالرموز المستخدمة في هذا الفيلم تستحق بجدارة دخول معاجم الألفاظ الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

والحقيقة أن تقسيم تريماجاسي الناس إلى ثلاثة أقسام وقتَ الظروف القاسية ليس صحيحًا، فالذين في الأعلى قد يصيرون في الأسفل، والذين في الأسفل قد يصعدون، والأيام دول، فإما أن ينجوا جميعًا لا فرادى أو أن يهلكوا جميعًا لا فرادى.

الفيلم أضاف لي فهمًا جديدًا لحديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم: “مَثَلُ القَائِمِ في حُدودِ اللَّه، والْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا (اقترعوا) عَلَى سفينةٍ، فصارَ بعضُهم أعلاهَا، وبعضُهم أسفلَها، وكانَ الذينَ في أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا في نَصيبِنا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرادُوا هَلكُوا جَمِيعًا، وإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِم نَجَوْا ونَجَوْا جَمِيعًا” رواهُ البخاري.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.