ادارة و اقتصاد مقالات

الدوافع الإستعمارية من منظور اقتصادي

كتب الاستاذ عبد الرحمن عبد الله

بغض النظر عن موقفنا الفكري (وربما العقدي) من كارل ماركس، الا انه تفوق على علماء الإقتصاد الإسلامي (والباحثين في مجال علم الاجتماع الحديث) في فهمه للنظرية الرأسماليه و التكهن بمستقبلها.

من الأشياء التي قدم فيها ماركس تفسيرا مخالفا، قضية الإستعمار الأوروبي لدول العالم الثالث. أقر ماركس في بعض أعماله ان الدوافع الرئيسية للإستعمار هي دوافع إقتصاديه، وليست عقدية. فتكدس رؤوس الأموال لدى القوى الاستعماريه دفعها تارة للبحث عن أسواق جديدة وتارة للبحث عن بدائل أرخص لمدخلات الإنتاج.

دعونا نتناول مستعمرتين بريطانيتين: الهند و السودان. قامت بريطانيا ببناء شبكة ضخمة للسكة حديد في كلا المستعمرتين، كما انشأت العديد من المشاريع الزراعيه والتي كانت تنتج اجود أنواع القطن.

وهنا يمكن القول بأن الإمبراطورية العظمى استخدمت المستعمرتين لتوفير المواد الخام لتحريك صناعة النسيج الإنجليزية. لكن المفارقة ان المنسوجات البريطانية كانت تأتي الى المستعمرتين في شكل أقمشة فاخرة، قاطعة آلاف الاميال. لم تتمكن صناعة النسيج المحلي في كل من السودان والهند من منافسة المنتج الإنجليزي الجيد، كما ان المستعمر عمد الى عدم تطوير الصناعة المحليه لئلا تنافس المنتج الإنجليزي القادم من وراء البحار. فكانت النتيجة انهيار شبه تام لصناعة النسيج المحلي (نجحت الهند في تطوير صناعتها المحليه بعد الاستقلال، الا ان حظ السودان كان عاثرا).

الغريب انه وبعد قرابة قرن من الزمان، قامت الصين بتطبيق نفس النظرية الاستعماريه في السودان. مولت الحكومة الصينية عمليات استخراج النفط السوداني، لكنها في المقابل جعلت من السودان سوقا مغلقة للبضائع و التكنولوجيا الصينيه. الشيء الذي افقد الصناعة المحلية القدرة على المنافسة. مما اضطر أصحابها الى الإفلاس.

فإذا افترضنا ان ماقامت به الصين هو امر طبيعي يتماشى مع السلوك الجشع للرأسمالية (كما وصفها ماركس)، أليس من العار الا تستوعب الحكومة السودانية الدرس الصيني، رغم انها خاضت من قبل التجربة الإنجليزية؟

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
عبدالرحمن عبدالله
كاتب وباحث سوداني مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، ومتخصص في قضايا السياسة والاقتصاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.