عروض كتب مقالات

عرض كتاب أيام العمر الماضي للنفيسي

سلسلة كتب تقرؤنا:
كتاب “من أيام العمر الماضي” ل “عبد الله النفيسي”

بقلم ا. محمد عبد العاطي – مصر

كتاب شائق ومفيد يسرد فيه بأسلوبه الممتع الدكتور عبد الله بن فهد النفيسي (1945-….) أستاذ العلوم السياسية الكويتي المشهور بعض ذكرياته بعدما جاوز العقد السابع من عمره. يروي المواقف التي لا تزال عالقة بذهنه منذ أيام دراسته بكلية فيكتوريا بالمعادي في مصر، نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات، وكلية فيكتوريا بالمعادي هي المدرسة الإنجليزية التي درس فيها هو وأقرانه من أبناء الأسر والعائلات الثرية في مصر والعالم العربي حينما كانت القاهرة سويسرا الشرق يقصدها القاصدون للتعلم والتطبُّب والترفيه والتثقيف.

ومن طريف ما يرويه عن فترة دراسته في المرحلة الابتدائية والثانوية تكتله هو وبعض أقرانه من أبناء الخليج الدراسين بالمدرسة لتلقين أحد الطلاب المشاغبين درسًا لأنه كان يتطاول عليهم ويسخر منهم ويتعرض لهم بالأذى في غدوهم ورواحهم، فضربه النفيسي علقة ساخنة تركت أثرها في أنفه، وكانت سببًا في طرد النفيسي من المدرسة فظل خارجها يدرس من المنزل بضعة أشهر إلى أن استعطف المدير البريطاني وسمح له بالعودة.

وبعد ثورة يوليو 1952، أممت الثورة المدرسة وغيرت طاقمها التدريسي والإداري فأصبح مصريًّا بعد أن كان بريطانيًّا، ويقول النفيسي مقارنًا بين المستوى العلمي للمدرسين المصريين والإنجليز: إن المصريين كانوا أكفأ من البريطانيين، لأنهم كانوا من خيرة أساتذة البلاد في ذلك الوقت، أما البريطانيون فلم يكونوا متخصصين مباشرة في التدريس، وكان أغلبهم من العسكريين القدامى، وغرضهم الأساسي كان تربية هذه الطبقة من أبناء العائلات الحاكمة والمتنفذة على الثقافة ونمط العيش البريطاني أكثر من الاهتمام بالتحصيل العلمي، وذلك عكس المصريين الذين كانوا تربويين ومعلمين أكفاء. وهي إشارة مبكرة إلى غرض المدارس والجامعات الأجنبية منذ ذلك الوقت.

وينتقل عبد الله النفيسي في كتابه وذكرياته من القاهرة التي أتم فيها تعليمه ما قبل الجامعي إلى مانشستر ببريطانيا التي التحق بجامعتها طالبًا في كلية الطب، ويذكر كيف كان أمر الابتعاث إلى الخارج من قبل الحكومة الكويتية سهلًا ولا يستغرق بضعة أيام إذ كانت البلاد بحاجة إلى تكوين كوادر وطنية تدير شأنها، وكيف كانت موارد الكويت الضخمة تعود بالنفع على أبنائها فترصد لهم إدارة الابتعاث الرواتب الشهرية المجزية، وتعين لهم المندوبين الذين يرعونهم معيشيًّا وإداريًّا في مقار ابتعاثهم بالبلدان الأوروبية، ويحكي أنه هو وزميله الكويتي اللذين سيدرسان الطب في مانشستر ذهبا في اليوم التالي لوصولهما مع مندوب البعثة في لندن إلى أرقى محلات الملابس لشراء القمصان والسراويل والبزَّات وأربطة العنق على حساب الدولة الكويتية.

غير أن المهم والمثير في هذه الأسابيع أو الأشهر الأولى له في مانشستر هو وصفه لهذه الصدمة الشعورية والفكرية التي انتابته فجعلته يتخذ قرارًا سريعًا غيَّر مسار حياته وندم عليه بعد ذلك؛ ذلك أنه بعد أيام من وصوله مانشستر وانتظامه في الدراسة دون صعوبة تذكر مُرجِعًا الفضل لمدرسة فيكتوريا التي أسسته تأسيسًا علميًّا ولغويًّا ممتازًا لفت إليه أنظار أساتذته بالكلية، بدأ يشعر بالحنين إلى الكويت ومصر والشوق إلى الأجواء الروحانية التي افتقدها في مقره الجديد.

يقول النفيسي إنه بحث عن مسجد يصلي فيه فعرف بوجود واحد ليس بعيدًا، وهو في طريقه إليه عرَّج على مكتبةٍ تبيع الكتب ووقع بصره على كتاب الفيلسوف البريطاني الشهير، برتراند راسل، “لماذا لستُ مسيحيًّا؟”، فاشتراه وراح يقرأ، فأثَّر فيه هذا الكتاب بشدة، إذ استفزته أفكاره مما جعله يطرح على نفسه هذا السؤال الذي غيَّر مسار حياته: “لماذا أنا مسلم؟” يقول النفيسي إنه حينما فتش في عقله عن إجابة لهذا السؤال وجد حصيلة معارفه التي تمكنه من الجواب صفرًا أو ما هو قريب منه، وأخذته الرعدة إذ تخيل راسل يقف له عند باب المسجد ويسأله: لماذا أنت مسلم؟ والنفيسي لا يستطيع أن يجيب، فقرر إنهاء دراسته والعودة إلى الكويت للتخصص في الدراسات الإسلامية، ويعلِّق على هذا القرار بقوله: إنني ندمت عليه؛ إذ كان بإمكانه الصبر على دراسة الطب وفي ذات الوقت تثقيف نفسه دينيًّا.

وقد كان، فبعد سنة قضاها في بيته دارسًا للإسلام اختار تخصصًا آخر، وهو العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية في بيروت، وذلك في منتصف الستينيات حيث المد الناصري والبعثي والشيوعي في أوجه. وينقل لنا النفيسي أجواء بيروت خلال تلك الفترة والتي تميزت بالحرية الفكرية والتعددية السياسية بعكس القاهرة التي حكمها عبد الناصر ومجموعة الضباط بالحديد والنار فأحالوا البلاد إلى الحزب الواحد والرأي الواحد وملؤوا السجون بأصحاب الرأي المخالف وأوجدوا تربة مناسبة -على حد قوله- للنفاق والتملق خوفًا من البطش والتنكيل، ويقرر النفيسي هنا رأيًا سلبيًّا عن حكم عبد الناصر والضباط ويعيد مرارًا التأكيد عليه في كتابه.

ويستمر في وصف ذكرياته ببيروت وأهم ما فيها تعرفه على التيار الإسلامي، وسبب ميله إليه، وهو -كما يقول- سبب نفسي بحت؛ إذ وجد في صحبتهم راحة نفسية ودعمًا روحيًّا وليس أكثر. وهنا ينتقد النفيسي كعادته في الانتقاد الصريح، هذا التيار بعدما خبره في انتخابات الطلبة بالجامعة وبعد أن يقارنه بغيره من التيارات السياسية والفكرية الأخرى كاليساريين والقوميين والبعثيين، فيقول: إن الإسلاميين يركزون على التربية الوجدانية ويهملون التربية الفكرية، ولذا فقد كثر فيهم الوعاظ وقلَّ المنظِّرون أصحاب الرأي والفكر.

ومن المواقف الطريفة التي يحرص على تطعيم كتابه بها لإضفاء الجاذبية والمتعة على قراءته ما رواه حينما غيَّر حياة شاعر عَزَب كان يلوم زمانه في أشعاره لأنه حرمه الزوجة والولد، فساعده النفيسي بإيجاد فرصة عمل له وأقنعه بأن يتزوج وينجب ويكتب عن حياته السعيدة بعد أن يتخلص من العذاب الذي كان فيه، وقد نجح في ذلك. كما يسرد تفاصيل لقائه المثير مع اللواء الهارب من بطش عبد الناصر، عبد المنعم عبد الرؤوف، الذي كان يبيع رَبْطات العنق (الكرافتات) في حقيبة (سامسونايت) مقلدة (غير أصلية) بمساجد بيروت.

ويروي أيضًا موقفًا طريفًا مع أستاذه المشهور، فايز الصايغ، الذي دعاه لمكتبه في مركز الدراسات الفلسطينية وهو لم يزل في عامه الدراسي الأول وسأله عن مشروبه وكان قد قرر قبل أيام التوقف عن شرب الشاي والقهوة لأنهما يسببان له أرقًا فاختار بوظة بالمكسرات فضحك الصايغ قائلًا: إيه يا عبد الله أنت مفكر حالك على المقهى؟! فشعر بالإحراج لسذاجته وتعلم أن الحياة تحتاج إلى تخلصه من إهاب البراءة رويدًا رويدًا.

كما يروي حادثة تدخل فيها للإفراج عن بعض قادة العمل الإسلامي الذين ألقت سلطات الأمن اللبنانية بإيعاز من عبد الناصر القبض عليهم فذهب بتكليف من الإخوان في لبنان إلى الكويت في رحلة ليوم واحد طالبًا -عبر وسيط- من أمير البلاد التوسط لإطلاق سراحهم ففعل ونجحت الوساطة وأُفرج عنهم بعد أقل من ثمان وأربعين ساعة.

ويُنهي النفيسي دراسته الجامعية ويعود من بيروت إلى الكويت ويراسل أشهر الجامعات العالمية فيأتيه قبول من كامبريدج فيذهب إليها لنيل الدكتوراه، عن “الدور السياسي للشيعة في العراق الحديث”، ويروي عن رحلته العلمية البحثية الميدانية التي أوفدته فيها الجامعة للعراق لإعداد الشق العملي في بحثه، ومقابلاته هناك لرموز الشيعة في النجف والحلة وكربلاء والبصرة والكوفة وبغداد، موضحًا في هذا الجزء من ذكرياته الكثير من أجواء تلك الفترة التي لا تعرف تفاصيلها بهذه الشفافية التي نقرأها عند النفيسي ونكتشف فيها كيف كان الإنجليز يتحكمون في اختيار الكثير من حكام العالم العربي.

وفي ثنايا السرد تطالعنا جوانب من شخصية النفيسي التي تتميز بالتصميم والإصرار على تحقيق الهدف وعدم الخوف من التهديدات والانصياع لمن يضخمون العواقب. ومن العراق إلى بريطانيا واستكمال الدكتوراه والعودة إلى الكويت مدرسًا في قسم العلوم السياسية حديث النشأة وبداية فصل جديد في حياته.

في هذا الجزء من الكتاب نتعرف على طبيعة المجتمع الكويتي وملامح الشخصية الكويتية ونشأة الحياة النيابية في هذا البلد الخليجي المحاط بنمط من أنظمة الحكم لا تعرف هذا الشكل من أشكال الحياة السياسية، ويُرجع النفيسي ذلك إلى المصالح البريطانية التي أرادت بمثل هذه الانفراجة النيابية سحب البساط من تحت أقدام المد الناصري الذي وجد صدى له في الخليج آنذاك، وأن الأمر راجع للضغوط البريطانية وليس لقناعة الحكام بأهمية الديمقراطية وجدوى الحياة النيابية، وهذا -كما يرى- هو السبب في أن التجربة في الكويت ومنذ النشأة ظلت متأرجحة وغير مستقرة.

لا أريد أن أطيل في استعراض الكتاب، لكن فصوله التي لم أشر إليها مليئة بالدروس والعبر، خاصة وهو يتحدث عن كتاب ه”الكويت والرأي الآخر”، وهروبه للسعودية وسجنه هناك، والإفراج عنه وعودته للكويت، واسترجاعه جواز السفر وذهابه للعمل أستاذًا في بريطانيا، ثم عودته للخليج أستاذًا في جامعة العين وذكرياته الجميلة لمدة ثلاثة أو أربعة أعوام هناك، وعودته للكويت نائبًا في البرلمان، وحل البرلمان وتأثيره على جودة القرار السياسي، ومؤشرات غزو العراق للكويت وسوء تقدير الساسة الكويتيين لهذه المؤشرات، ثم هروب المسؤولين الكويتيين عقب الغزو وانتقاده ذلك ومطالبته بالتحقيق والمساءلة.

هو حقًّا، كما جاء في المقدمة، كتاب جمع بين متعة القراءة وحفز الذهن على التأمل، كل ذلك في بساطة أسلوب ورشاقة عبارة.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.