أدب و تراث مقالات

البروفيسور الاسطة يكتب عن علاقته برؤساء جامعة النجاح

سلسلة أنا والجامعة 27
رئيس الجامعة وأنا

بقلم الأستاذ الدكتور عادل الاسطة

لا أتذكر بالضبط عدد رؤساء الجامعة الذين تعاقبوا على استلام المنصب منذ بداية عملي فيها. أتذكر منذر صلاح وبهجت صبري وشريف كناعنة وشوكت زيد الكيلاني ورامي الحمدالله، وعرفت أكثرهم معرفة لا تتعدى حدود علاقة الأستاذ الجامعي برئيس جامعته، وربما كانت العلاقة الأكثر ودية هي علاقتي بالدكتور رامي الحمدلله والدكتور شوكت زيد، علما بأن علاقتي مع الرؤساء الآخرين لم تكن سيئة، وإن ساءت لفترات قليلة عابرة فإنما كان الأمر يعود إلى خلاف غير لغوي. خلاف إداري.

منذ العام ١٩٨٢ حتى العام ١٩٩٨ رأس الجامعة أربعة ورأسها الدكتور رامي بعد العام المذكور حتى العام ٢٠١٩ – يعني واحدا وعشرين عاما، وهذه الفترة أطول من فترات رئاسة الرؤساء الأربعة السابقين معا، وهي تتجاوز القانون الذي يقصرها على أربع سنوات قابلة للتجديد مرة أخرى فقط.

عرفت الدكتور رامي وهو رئيس قسم اللغة الانجليزية وعميد كلية الآداب ونائبا لرئيس الجامعة الدكتور منذر صلاح، وغالبا ما كنا نتبادل التحيات والسلام العابر، وفي العام ١٩٩٣ حين كتبت نصي القصصي “ليل الضفة الطويل” وكدت أفصل من الجامعة بسببه تبنى الدكتور موقف عمه المرحوم وحيد الحمدلله الذي كان الوحيد من الأمناء الذي رفض فصلي.

كان المرحوم وحيد الحمدلله يحسب على فصيل الجبهة الديموقراطية وكنت اعتبرت، إلى حد ما، ممثلا لهذه الجبهة في نقابة العاملين في العامين ١٩٨٥ و١٩٨٦، حتى وإن لم اترشح باتفاق معها باسمها، ووقف المرحوم إلى جانبي لصداقتي مع ابنه عاكف المحسوب على الجبهة – آمل أن أكون دقيقا – وهكذا لم أفصل.

عندما استلم الدكتور رامي رئاسة الجامعة ذهبت لكي أبارك له – وهذا سلوك لم أقم به من قبل ولم أسلكه من بعد، فنادرا ما ذهبت في الأعياد، بخلاف زملائي وأكثر أعضاء هيئة التدريس لأهنئ الرئيس – قال لي بالحرف الواحد:

– أنا مثل أبو عمار، انتقدوا كما تريدون.

ولم يكمل عبارة أبو عمار “وأنا أفعل ما أريد”.

ولقد ظللت، خلال رئاسة الدكتور رامي انتقد الجامعة بحدة، وليس لمن يريد التأكد من هذا إلا مراجعة صفحاتي علي الفيس بوك. هل كان صمت الدكتور على ما أكتب يعود إلى تبنيه رأي أبو عمار أم أن هناك أسبابا أخرى جعلته يصمت؟

لا أريد أن اجتهد وأكتب عن أسباب أخمنها ولست متأكدا منها تماما، ولكنني بقيت انتقد، ومرة وجه إلي إنذارا باتخاذ اجراءات ضدي قد تصل إلى الفصل والحرمان من الحقوق المالية.

ليس خلافي مع رئاسة الجامعة خلافا شخصيا على الإطلاق، ففي كل ما كتبت تجنبت الكتابة عن أمور شخصية، وعندما فقد الدكتور رامي أفراد عائلته في حادث مروري ذهبت إلى بيت الأجر، وعندما توفي عمه المرحوم وحيد الحمدلله ذهبت إلى الجنازة. كان خلافي مع رئاسة الجامعة وإدارتها خلافا على قضايا علمية وإدارية وقانونية.

غالبا ما كنت أكتب خربشات عن تجاوز قانون الجامعة بخصوص التمديد للدكتور رامي، فلم تكن الآراء التي يرددها قسم من العاملين وأهمها أنه ليس هناك غيره من يشغل المنصب، لم تكن الآراء تروق لي، وحجتي في ذلك أن جامعة تخلو من عضو هيئة تدريس كفء لإدارتها تستحق أن تغلق، وكنت أتساءل: هل سيخلد الرئيس ليظل يشغل منصبا فلا يوجد من هو كفء للمنصب غيره.

في الشعر العربي قال شاعر يمدح خليفة عباسيا تولى الخلافة:

“أتته الخلافة منقادة

إليه تجرر أذيالها

فلم تك تصلح إلا له

ولم يك يصلح إلا لها”

وقد جاءت الرئاسة إليه منقادة، علما بأنه لم يكن برتبة أستاذ دكتور، وكانت هناك أسماء ثلاثة برتبة أستاذ دكتور مرشحة للمنصب هي الدكتور علي زيدان والدكتور عبد الفتاح أبو الشكر والدكتور محمد حنون.

في أثناء رئاسة الدكتور رامي شغلت منصب رئيس قسم اللغة العربية ولم أواصل ولهذا قصة قد آتي عليها لاحقا، واستمرت العلاقة الودية بيننا وكان أحيانا يأخذ بآرائي، فقد اقترحت عليه مرة، حين دعا أعضاء هيئة التدريس في القسم ليأخذ رأيهم في فتح برنامج دكتوراه، اقترحت عليه أن يعيد النظر في برنامج الماجستير لضعف الرسائل وضعف الإشراف، وهو ما عمل به في حينه.

عندما قررت إدارة الجامعة رفع العبء التدريسي لمن هم برتبة أستاذ دكتور من تسع ساعات أسبوعية إلى اثنتي عشرة ساعة أسبوعية حدث الاختلاف مع رئاسة الجامعة، وقد لجأت أنا والدكتور عبد الفتاح أبو الشكر والدكتور جمال جودة والدكتور عبد الستار قاسم والدكتورة أفنان دروزة إلى المحكمة لتعيد لنا حقوقنا، وقد خسرنا الدعوى، فقد كان غريمنا صار رئيس وزراء.

في أثناء حضور جلسات المحاكمة التقيت بزميل برتبة أستاذ دكتور شهد ضدنا، والزميل صديق لي، وقد سألته في المحكمة السؤال الآتي:

– كيف تشهد ضدنا؟ أنت تشهد ضد جدارتك باللقب الذي تحمله.

ابتسم الزميل وأجابني:

– لا استطيع إلا أن أشهد.

ويومها وجب علي أن أعيد قراءة روايات أمريكا اللاتينية.

خلال السنوات الست التي قضاها الدكتور رامي في منصب رئاسة الوزراء كتبت باستمرار احتج على جمعه منصبين بيد واحدة، وحجتي أن هذا يسيء للشعب الفلسطيني قبل أن يسيء للدكتور نفسه، وما زلت عند رأيي عموما. لقد حجز المنصب لست سنوات وكانت المفارقة أن الدكتور رامي لم يعد ليشغله، بغض النظر عن شغله منصبا آخر قد يكون أرفع، ولا أريد أن أخوض في تفاصيل عودته.

وأنا أراجع بشأن حقوقي المالية التقيت في مبنى رئاسة الجامعة بالدكتور وحوله مجموعة من الموظفين أو الحراس وتصافحنا وقال لي:

– وأخيرا عدنا إلى مكاننا.

وقد أجبت:

– والعود أحمد.

وواصلت طريقي، وأخمن أن لعبارته دلالتها.

عندما عين الدكتور في منصب رئاسة الجامعة وخاض الخائضون في الأمر قلت لبعض معارفي إن المنصب لا يدوم وإن الدكتور رامي، طال به العهد في الرئاسة أم قصر، سيعود إلى مكتبه وإلى عمله مدرسا، وأغلب الظن أن العبارة وصلت إليه، وقد ألمح لي بها وهو رئيس جامعة، وأرجح أن تلفظه بها في اللقاء الأخير كان أيضا تذكيرا مع غمز هو إنني عدت ولكن أقوى وأعلى وأما أنت فقد انتهى عملك.

شخصيا لم ألتفت أبدا لمغازي العبارة ودلالاتها ان كان لها مغزى أو قصد، فأنا دائما ما أتذكر كلام صديق لي مفاده أن لا أحد اليوم يعرف من هو رئيس الجامعة المصرية أيام كان طه حسين عضو هيئة تدريس فيها، ولكن أكثر المتعلمين والمثقفين يعرفون من هو طه حسين.

هل أنا ند لطه حسين لأكتب هذا؟

رحم الله طه حسين ورحم الله امرءاً عرف قدر نفسه!!

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

One Reply to “البروفيسور الاسطة يكتب عن علاقته برؤساء جامعة النجاح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.