تنمية فكر مختارات مقالات

المفكر برقاوي يتساءل: ماذا عساي ان اكون؟

ما عساي أن أكون” ؟

بقلم/ أحمد نسيم برقاوي

هل كل الكائنات البشرية، في لحظة تكون وعيها الذاتي، تطرح على نفسها هذا السؤال: ما عساي أن أكون؟

الأطفال غالباً ما يجيبون عن هذا السؤال بوصفه سؤالاً عن المهنة. وحين تتعين الذات في المهنة، وتصبح المهنة هي الوجود، فإن وجود الذات قد تحقق على نحو دائم، ولا يعود للسؤال: (ما عساي أن أكون) ؟ معنى.

فسؤال المرء عن المهنة وتحولاتها ومناصبها سؤال خالٍ من الهم الوجودي، إنه هم فردي لا يتعدى صاحبه.

هذا السؤال سؤال كل ذات تنتقل إلى وعي ذاتها بوصفها فاعلة، إنه سؤال كل ذات تبحث عن معنى وجودها في موقفها من العالم.

إذاً (ما عساي أن أكون) ليس سؤال كل كائن بشري، بل هو سؤال من يعيش الكينونة تجدداً في المعنى.

والمعنى للكينونة لا يتجدد إلا بتجدد الموقف من العالم.

ففعل الكينونة بكل أحواله ومشتقاته هو الفعل الذي يشير إلى أحوال الإنسان إنطلاقاً من إنه كون. وإلى حال الطبيعة بوصفها، هي الأخرى كوناً.

لنتأمل هذا الفعل “كان” وأحواله، يكون، أكون، تكوّن، يكون، التكوين، كن، كون، كينونة، كائن، كيان.

كان هي فعل يشير إلى الكينونة في الماضي سواء جاء الفعل ناقصاً أم تاماً، وقد تأتي للإشارة إلى الديمومة في حالات كثيرة. كان المأمون الخليفة العباسي معتزلياً. لم يعد المأمون حاضراً لكي يكون، إنه كينونة قديمة تسكن كتب التاريخ. لكن التوراة تقول: بأن الإله خلق النور فوجد أنه حسن ثم خلق الظلمة فكان صباح وكان مساء. كان هنا لا تشير إلى الماضي بل إلى الدائم. إنها بمعنى ان وجد على الدوام. واللاهوت الإسلامي يقول: كان الله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه. إن كان هنا تشير إلى حالة مشروطة لا زمانية. هذا الفعل العجيب في مشتقاته، هو فعل إنطولوجي بامتياز. أنا أفكر إذا أنا أكون، الكائن كون يفكر،

وأكون: أخلق كوناً، إصنع وجوداً، حتى عندما يقول المرء: انا كونت ذاتي معنى هذا إنه يقول: أن صنعت كينونتي وحدي على هذا النحو. وكلمة كينونة تشير إلى وجود في حال، وتكوّن صار كينونة، وكون بمعنى صنع، وحين نقول يتكون من فإنما نتحدث عن صفات الكينونة، والتكوين يقود إلى فعل إرادي، بمعنى الخلق. وكون وكينونة مصدر كان التامة . وكان تشير إلى الصيرورة والاستقرار والحال.

والحق إن فعل “وجد” الذي اشتُق منه مفهوم الوجود ومشتقاته لا يفي بالغرض، وله معاني متعددة أكثرها لا تشير إلى الكينونة. فوجد تعني لقي وتعني غني وأوجد أغنى، ولهذا سُمي الإله عند العرب الواجد بمعنى الغني. وفي الحديث: الحمد لله الذي أوجدني بعد فقر، والواجد هو المحب.

ولم أبحث في تاريخ استخدام كلمة وجود بمعنى الكينونة أو الكون بحثاً مستفيضاً، لكن الفلسفة العربية الوسيطة هي التي أدخلت هذا المفهوم إلى حقل التداول بمعنى الكينونة. وربما يكون الفارابي هو أول من استخدم هذا المفهوم. فالكندي استخدم كلمة “الأيس” بمعنى الكينونة أو الوجود، عندما عرف الله بتأييس الأيسات عن ليس. فالأيس والليس هما الوجود والعدم.

الذات حين تطرح على نفسها سؤال الكينونة في صيغة ما عساي أن أكون فإنما تتساءل عن وجودها بنوع من الأمل والرجاء في أن تكون كما ترغب أن تكون. فعسى فعل ماضٍ ناقص يفيد التمني. السؤال يعود إلى مستقبل الذات، إنه يشير إلى أمرين: الأول إن ذاتي في حالها الآن ذات مؤقتة، لأنها ماهية متجددة، إنها تتجاوز الذات الكُنْتية. فقد اشتقت العرب من فعل كان صفة هي الكنتي، والشخص الذي يكثر من استخدام فعل كان مع تاء الفاعل المتحركة بالكنتي. والذات الكنتية ماهية حولت كينونة الذات إلى كينونة في ذاتها، أشبه بكينونة الأشياء. سؤال ما عساي أن أكون سؤال الكينونة لذاتها. إنه سؤال الذات المتقدة بالحرية.

الأمر الثاني، هو أن الذات في حالة من اللا-إدرية. فأنا لا أعرف ما سأكون قبل أن تتعين كينونتي على نحو من الإنحاء. لو كنت أعرف ما الذي سأكونه لما تساءلت: ما عساي أن أكون. إنه سؤال الحيرة. وما كانت الحيرة لتكون لو لم تكن هناك إمكانيات أمام الذات لاختيار ما تكون. فلو كانت أمام الذات إمكانية واحدة فقط لتكونها لما طرحت على نفسها سؤال: ما عساي أن أكون. ولو لم تكن حرّة في الإختيار لما حارت بالممكنات.

وهنا يجب أن نميز بين ممكنات الذات وممكنات الواقع.

أن تختار الذات أن تكون نكوصية، وتفعل كل ما من شأنه أن تحول الماضي إلى حاضر، فإنها لا تختار ممكناً واقعياً، لأن الواقع، ببساطة، لا ينطوي على إمكانية كهذه. إن الذات هنا قد اختارت ممكناً متصوراً، أو ممكنها المتصور. هذا لا يعني بأنها لا تقف أمام ما يختزنه الواقع من ممكنات وتتخذ موقفاً منها.

حين تصل الذات إلى جواب عن سؤال ما عساي أن أكون، تنتقل إلى السؤال الذي يولد من رحم السؤال السابق: ما عساي أن أفعل. في انتقال كهذا يتخلص من اللا-أدرية، لأن يدري الآن ما عساه أن يكون، وانتقل إلى سؤال ما عساي أن أفعل. فما أن تخلصت الذات من قلقها الذي ولده سؤال ما عساي أن أكون، حتى وقعت في قلق أشد، قلق السؤال ما عساي أن أفعل.

وما عساي أن أكون سؤال يفضي إلى ما عساي أن افعل لكي أكون. إن سؤال الكينونة ومعنى الكينونة يفترض بالضرورة سؤال الفعل. فوعي الذات بذاتها عبر وعي معناها وممارسة معناها يملؤها بكل أشكال الوجود المتعين. ويجعلها دائماً تقف أمام ذاتها معجبة، غاضبة، متسائلة، محبطة، ناجحة، مخطئة، حزينة، سعيدة، قلقة، راضية، نافرة، مستسلمة، متمردة، متطلعة، أنها تعرف لماذا هي هي على هذا النحو وليس على نحو آخر. بمعزل عن صحة معرفتها بذاتها، تلك الصحة التي يطرحها المحلل النفسي غائصاً فيما لا تعرفه الذات عن نفسها.

ها هي الذات، وقد عرفت ما عساها أن تكون، تخوض غمار تحقيق الكينونة، بالوسائل التي تراها مناسبة.

هب أن الذات قررت أن تكون سعيدة، وكل ذات تسعى نحو السعادة، ولا تحتاج السعادة إلى من يشرحها لمن قرر أن يكون سعيداً. ولكن معنى السعادة ليس واحداً عند جميع الناس. من معنى السعادة بوصفها استقراراً خالياً من المشاكل، والحذر من أي سلوك ينتج تعكيراً لمستنقع السعادة، إلى معنى السعادة بوصفها مغامرة كبرى في هذا الوجود مع حضور الخطر، وإلى ما بين هذين المعنيين من معاني لا حصر لها للسعادة.

غير إن الانتقال إلى أن تكون الذات سعيدة عبر الممارسة، تحدد معنى سؤال ما عساي أن أكون. فسؤال ما عساي أن أفعل كي أكون ثاوٍ في السؤال الأساسي الذي طرحته الذات على نفسها.

ها هو يطيح بكل القيم المرتبطة بالكرامة الشخصية لتحقيق سعادته، سعادته بوصفها سعادة متعة يحققها الثراء وحياة الدعة. ها هو ذات في خدمة ذاتها عبر خدمة آخر. ولهذا قرر أن يكون خانعاً كاذباً مرائياً عدوانياً حقوداً. إن أحداً لم يحمله على كينونة كهذه. فهو يعيش عبوديتن تحققان له السعادة: عبودية للمتعة المادية، وعبودية لآخر لا تتحقق عبوديته الأولى إلا بعبودية له. لقد تحقق له ما يكونه، ودفع ثمن ذلك سقوطاً أخلاقياً في الوعي العام، السقوط الذي لا يكترث بنتائجه اللاحقة إنه الآن كان، في هذه اللحظة من الكينونة لم يعد لديه سؤال الكينونة، لأن كينونته تمت على النحو الذي ارتآه.

في وعي الصعلوك بالسعادة، والبحث عن كينونته في الصعلكة أجاب عن السؤال العملي عبر متعة المجون.

إن اعتياد السعادة عبر متعة الثروة وما تحققه من حياة الدعة، لا تمنع الذي اختار السلوك المنحط وسيلة لتحقيق كينونته، مرة أخرى من طرح السؤال على نفسه مرة أخر ى: ما عساي أن أكون، بل إن السؤال قد نشأ بفعل الاعتياد الذي أضعف الشعور بالمتعة. وقد يمضي العمر كله دون أن يخطر على باله طرح السؤال.

فلقد تحولت الكينونة هنا إلى كينونة العادة الثابتة. إنها تكرار حالة، وموت الكينونة -السيرورة.

ما ينطبق على الكائن -الثروة ينطبق على الماجن. فالماجن قد يتحول إلى الكينونة العادية، أو يعود لطرح السؤال على نفسه، لينتقل إلى كينونة أخرى.

إن حضور السؤال دائماً أمام كينونة ما، يعني أن الكينونة لا تعرف الثبات، إنها متحولة، لأنها دائمة الخلق للمعنى. وهكذا نكون أمام كينونتين: الكينونة الجامدة والكينونة المتحولة. لقد خاض كاسترو وغيفارا غمار الثورة في كوبا. كاسترو صار رئيس البلاد، وجيفارا صار وزير صناعة. لقد انتهى كاسترو من سؤال ما عساي أن أكون، وصار ديكتاتوراً مدى الحياة، فيما جيفارا عاد طرح السؤال على نفسه. فكتب رسالة استقالة ووداع لكاسترو، وراح إلى معناه الذي عاد واختاره. عمّر كاسترو وعاش حتى التسعين عاماً، وقتل جيفارا وهو في الأربعين.

إن سؤال ما عساي أن أكون وكيف السبيل لأكون كما ينبغي لي أن أكون، غالباً، ما ينسينا سؤال الفلسفة والشعر: ما جدوى أن أكون، وما معنى أن أكون إذا كان العدم يعشعش في كينونتي ويلتهمها؟

إن سؤال ما جدوى ان أكون يجعل سؤال ما عساي ان أكون بلا معنى. فهذه المصادفة التي لا تمتلك إلا مخزوناً محدوداً من الحياة اسمه العمر حين تتأمل ذاتها ومصيرها دون هروب إلى الأساطير، تجعلها حاضرة في قلب العدم، ويخلع عن وجهها كل قناع.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.