فنون مقالات

فيلم Amour

قراءة في فيلم
Amour

عجيب أمر هذا الفيلم. في اليوم السابق على مشاهدته زرت مريضا في المستشفى يتعالج من مرض عضال فعدت من زيارته وأنا في حال غير الحال الذي ذهبت به، ذلك أنني حينما شاهدته وهو في شيخوخته ممدا على السرير وجهازي التنفس والتغذية موصلان بفمه وأنفه، وأنفاسه تعلو وتهبط بصعوبة بالغة، وقفصه الصدري بارز مع نحول شديد في الجسد وضمور في العضلات وغياب عن الوعي هنالك علمت -أو بمعنى أدق- تذكرت كم هي تافهة هذه الدنيا، وكم لا تستحق، ولمست كم أيامها سريعة، كساعة من نهار سرعان ما تمر ولا ندري بها إلا ومحطة النهاية تدق علينا الباب.

المهم .. في مساء اليوم التالي اخترت فيلما جذبني عنوانه “الحب”. قلت في نفسي: ومن لا يريد أن يشاهد فيلما عن الحب؟ وقرأت السطر التعريفي بالفيلم فعلمت أنه يدور عن حياة زوجين محالين للتقاعد بعد حياة حافلة كانا يعملان فيها عملا له علاقة بتأليف وعزف الموسيقي الكلاسيكية وتدريب النشء عليها.

يبدأ الفيلم ويستمر فنتعرف على قصته وفكرته.. ثم تفجأنا خاتمته.

في شقة بعمارة قديمة وسط باريس يعيش هذان العجوزان، وفي مدينة أخرى تعيش إبنتهما بمفردها، حيث بلغ ابنها منتصف العشرينات واستقل بحياته، وأخوه الأصغر بإحدى المدارس الداخلية، ويبدو أنها مطلقة حيث لم يظهر زوجها ولم ندر عنه شيئا، أو ربما وردت عنه إشارة سريعة فاتني التقاطها.

وداخل هذه الشقة، التي على قدمها ترى فيها الذوق الفرنسي، كما بدا ذلك في ترتيب الصالون والاهتمام بالكتب وقراءة آخر اصداراتها والموسيقى واللوحات المعلقة على جدران الصالة وغرفتي النوم والمعيشة، كما يشعر المشاهد مع الذوق الفرنسي بالروح الأوروبية في البيوت أيضا والتي فيما يبدو يغلب عليها الوحدة، والتشتت الأسري، وسيران الحياة سيرا آليا قد يوحي للوهلة الأولى بالنظام لكنه مع ذلك نظام جاف بارد ممل تشعر فيه بالخواء والوحشة والضياع.

داخل هذه الشقة تدور أحداث الفيلم، لم تخرج الكاميرا منها، ولم نشاهد مشهدا في الشارع أو في المدينة، كله داخل سقف البيت ومع ذلك لم نشعر كمشاهدين للحظة بالملل لأن جدية ما رأيناه من علاقات ومشاعر وأفكار أنستنا أي شيء آخر، أو إن شئت الدقة فقل إن ما رأيناه في الحقيقة هو أنفسنا؛ هو ما يمكن أن يحدث لنا حينما نكبر ونشيخ ونمرض ونصبح مثل هذه السيدة التي يدور الفيلم حولها، لا ليسلط الضوء على حالة مرضية خاصة والسلام، ولكن ليغوص بنا في معنى الحياة وقيمتها وجدواها، وليطرح -أو بتعبير أفضل- ليفجر في داخلنا الأسئلة التي نعرفها ونتحاشى سؤالها،؛ نعرف أجوبتها وننساها، أسئلة الشيخوخة والمرض والعجز عن قيام الجسد بوظائفه الحيوية واحتياج المرء لمن يطعمه ويغيِّر له “الحفّاظة” ويحممه كالأطفال وما إن كان من الكرامة والإنصاف والرحمة إنهاء مثل هذه الحياة أم الإبقاء عليها رغم ما فيها حتى آخر رمق.. وهذا ما حدث بالفعل مع المسكينة بطلة الفيلم التي كانت قبل إصابتها بالجلطة، ورغم تقدمها في العمر تعيش حياتها العادية.. تحضّر لنفسها ولزوجها الغذاء والعشاء، ويخرجان للاستماع إلى الحفلات الموسيقية، ويشتريان مرادهما من السوق، ويعودان إلى منزلهما يتعكز كل منهما على الآخر.

لكن بعد الجلطة بدأت صحتها تتدهور، ثم بمرور الأيام وبعد الجلطة الثانية تدهورت أكثر، وزوجها يفي بوعده لها أنه لن يدعها تذهب للمستشفى ثانية طالما كان بالإمكان تمريضها بالبيت، وأنه لن يودعها -أو بعبارة أخرى- لن يرميها في دار رعاية مسنين، فكان هذا الزوج الوفي يُطعمها ويسقيها ويدرِّبها على نطق الكلمات التي بدأ لسانها يتثاقل عن نطقها، ويقوم على أداء أدق تفاصيل احتياجات جسدها مما يشعر به المريض عادة في مثل هذه الظروف أن الموت أهون عليه من البقاء على هذه الحالة.

ويستمر الزوج المحب في أداء ذلك بشكل نشفق نحن المشاهدين عليه وعليها معا لكبر سِنه ولضعفه.

وترفض المسكينة الاستمرار في هذه الحياة فتغلق فمها ذات مرة رافضةً شربة الماء، فينهار الزوج لثوان وينفجر غاضبا في صمت ويلطهما، ثم يعتذر لها اعتذارا رغم أنه لم يتعد القول: أنا آسف، سامحيني.. إلا أنه كان شديدا ومؤثرا عليه وعلينا.

وابنته تأتيه، عارضةً عليه التفكير في حل آخر، فيخبرها أنه تعاقد مع ممرضة ثلاث مرات في الأسبوع، ومع طبيب مرتين في الشهر، وأنه قادر على تقديم ما ستقدمه لها موظفة مستأجرة في دار للمسنين تشعر فيه أمها بأن من حولها تخلى عنها.

وتستمر المشاهد على هذا المنوال، حتى أن المرء يتمنى لو يُعجِّل الله باسترداد وديعته.

لكن الزوج فاجأنا بخاتمة على طريقته. لقد قرر -من فرط حبه ورحمته بها- أن يضع بنفسه حدا لهذه الأيام المؤلمة المهينة فكتم أنفاسها بالمخدة حتى أسلمت الروح، ثم خرج واشترى زهورا، وعاد وألبسها فستانا كانت تحب ارتداءه أو يحب هو رؤيته عليها، وأغلق الأبواب وأحكم إغلاقها بشريط لاصق حتى لا تنفذ منها الرائحة، وجلس بهدوء يكتب لابنته رسالة طويلة كان أهم ما فيها أنه “حرر” روحها من سجن جسدها بعد أن أصابه البِلى وأصبح عذابا بالنسبة لها، ثم قام وارتدى ملابسه وتخيل أنها ارتدت معه ملابسها وخرجا الاثنان هي إلى السماء وهو فيما يبدو إلى الانتحار ليلحق بها ويواصلان العيش معا دون أمراض أو أوجاع.

والحق أنه رغم نفور البعض من مثل هذه النوعية من الأفلام، ظنًّا منهم أنها تزيدهم اكتئابا، لكن فيما يبدو لي أن العكس هو الصحيح.. إنها شديدة الواقعية، صادقة في كل حركة وكلمة وخلجة نفس، وهي بهذا تهزنا من الأعماق هزًّا نحن في احتياج إليه، تقول، وربما تصرخ فينا بصوت الحكمة: هذه هي الحياة، وهذا هو المسار، شئنا أم أبينا.. سنكبر ونشيخ ونضعف وربما نمرض ونحتاج إلى الآخرين، لهذا فلا داع لأن نعطيها أكبر من حجمها، إنها زائلة، وإنَّ شيئا فيها لا يستحق، خاسرٌ من يُفرِّط في لحظة يمكن أن تُشعره بالرضا والسعادة فلا يسعد ولا يرضى، في موقف يمكن أن يُكسبه ثوابا ينفعه في آخرته فلا يُقدِم عليه، ذلك لأن الآخرة هي حقا “الحياة” الباقية.

 

 

فيلم (Amour)عجيب أمر هذا الفيلم. في اليوم السابق على مشاهدته زرت مريضا في المستشفى يتعالج من مرض عضال فعدت من زيارته…

Posted by ‎أفلام تستحق المشاهدة‎ on Saturday, February 16, 2019

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.