فنون مقالات

فيلم The mule

قراءة وعرض فيلم
The mule

من جمال الفن السينمائي أن ما تخاله بدهياً ولا يحتاج جهداً في استيعابه تفاجأ أنه ليس كذلك بعد مشاهدتك لفيلم أدى الممثلون فيه أدوارهم بصدق، فأوصلوا رسالة الفيلم ليس إلى عقلك – لأنك تعرفها – ولكن إلى قلبك لأنك لم تشعر بها من قبل بهذا العمق الذي شعرت به بعد الفيلم.

رجل تسعيني نحيل، عاش حياته سائقاً لشاحنة صغيرة ينقل بها أشياء بسيطة من ولاية أمريكية لأخرى نظير أجر زهيد، ويمضي وقت فراغه في زراعة نباته المفضل؛ الزنابق، والاشتراك في مسابقات المزراعين والفوز بعديد جوائزها الرمزية.

إيرل، هذا هو اسمه. اضطرته طبيعة عمله والتزامه بتوصيل شحانته في مواعيدها إلى التغيب عن بيته كثيراً، وفاته الكثير من المناسبات المهمة المفترض تواجده فيها، كتعميد ابنته، وكالمناسبات السنوية لزواجه، حتى حضور حفل قرانها قد فاته لأسباب خارجة عن إرادته، الأمر الذي خلق بينه وبين زوجته وابنته جفاءً مريراً.

في لحظة ضعف، وتحت وطأة الرغبة في تعويض العائلة عن غيابه ببعض المال قبل من عصابة تتاجر في المخدرات طلبها. كانت تريد منه توصيل شحنات هيروين وكوكايين بواقع رحلة كل شهر من ولاية لأخرى، وكان الدافع لاختياره هو صعوبة تعرف أجهزة مكافحة تجارة المخدرات عليه، لكبر سنه ولقدم شاحنته ولعدم ارتكابه أية مخالفات قانونية طوال أعوامه التسعين. وقد وافق، وبدأ يعمل معهم، وبدأ يجني مالاً.

بالتوازي، انتقل ضابط سري يعمل في مكافحة تهريب المخدرات إلى تلك الولاية التي يعيش فيها إيرل، وكان يريد إثبات كفاءته سريعاً ليوافق الجهاز الذي يعمل له على نقله لولاية أخرى كان يريد العيش فيها، وبدأ في مطاردة هذا المهرب الخطير الذي بلغ عدد الشحنات التي هربها ١٢ شحنة ويحمل اسماً كودياً يسمى تاتا.

يلتقي الضابط بإيرل في أحد الفنادق على الطريق السريع وهو لا يعرف أنه تاتا، ويتبادلان حديثاً ودياً يعرف منه إيرل أن الضابط فوَّت موعد الاحتفال بعيد زواجه لانشغاله بالعمل، وما العمل الذي شغله سوى البحث عن تاتا الذي يحدثه، فينصحه العجوز بخلاصة الرسالة التي أراد الفيلم إيصالها: لا تجعل العمل يشغلك عن العائلة. لتكن العائلة أولاً مهما كانت الطروف ثم بعد ذلك يأتي أي شيء آخر. فكل ما عدا الزوجة والأولاد وهناءة الأسرة ودفء مشاعرها هراء في هراء. ويحكي له إيرل عن الجفاء بينه وبينه زوجته ابنته التي لم تحدثه منذ ١٢ عاماً. فيتأثر الضابط ويشكره على النصيحة.

وتتطور الأحداث، وتمضي في خط تصاعدي مثير ومؤثر في نفس الوقت، حيث تمرض زوجته فيمضي معها كل الوقت متحاهلاً شحنة المخدرات في سيارته والمطلوب منه إيصالها، ثم تموت الزوجة ويدفنها وتُجرى لها مراسم التأبين وهو مع ابنته وحفيدته ومعارفهم في الكنيسة. كل ذلك والعصابة تتبحث عنه في كل مكان ووتوعده بالقتل إن عثرت عليه لمخالفته التعليمات.

وينتهي الفيلم بنجاح الضابط في القبض عليه في لحظة مؤثرة، لأنه يكتشف أن المهرب الخطير الذي يبحث عنه الجميع طيلة هذا الوقت هو هذا العجوز الذي قابله في الفندق وتحدث إليه بود عن ضرورة الاهتمام بالعائلة ومنحها الأرلوية في الوقت.

وفي المحاكمة، اعترف إيرل بذنبه، وحكم عليه بالسجن، ونظرا لسنه الكبير فقد عهدت إليه إدارة السجن بممارسة هوايته المفضلة طول حياته وهو زراعة الزنبق، فراح يزرعه باجتهاد وحب في حديقة السجن.

والفيلم، كما سبق القول، يريد إرسال رسالة بسيطة وكلنا نعرفها: “اهتم بعائلتك فإنهم يريدونك أنت قبل أن يريدوا مالك”. ومع ذلك فبعد مشاهدة هذا الفيلم وهذا الأداء الصادق والمؤثر نجلس بعده لحظة صمت نسمع فيها همس ضميرنا يقول: يا لها من نصيحة لم نكن ندرك أهميتها بكل هذا العمق.

وهذا حقاً ما يفعله الفن الصادق؛ يغوص بنا إلى ما هو أبعد من السطح فنكتشف هناك القيمة ونمسك بالمعنى.

 

فيلم (The mule)من جمال الفن السينمائي أن ما تخاله بدهياً ولا يحتاج جهداً في استيعابه تفاجأ أنه ليس كذلك بعد مشاهدتك…

Posted by ‎أفلام تستحق المشاهدة‎ on Thursday, April 25, 2019

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.