سياسة مقالات

السودان: عندنا يفشل السياسيون في قراءة التاريخ

عبدالرحمن عبدالله يكتب عن مدى فشل السياسيين في قراءة التاريخ

“إذا أردت ان تَصْدُقَ تنبؤاتك بما سيحدث في المستقبل، فعليك أن تكون جزء ممن يصنعون ذلك المستقبل”. كانت تلك هي وصية البروفيسور بيتر دراكر عالم الادارة الأمريكي المشهور لمدراء الشركات الذين كانوا يستعينون به في وضع ومراجعة استراتيجياتهم التجارية والمالية. من نافلة القول ان دراكر لم يرد بمقولته تلك ان ثمة من بمقدوره العلم بالغيب، لكنه ربما أراد ان هناك عدد قليل من الشركات التي بوسعها تغيير مزاج المستهلك عبر منتجاتها الذكية؛ هذه الشركات هي التي تصنع السوق ومن ثم فإنها تملك ادوات التنبؤ بمستقبل التنافس التجاري (شركة أمازون نموذجا). كم أبدع دراكر في مقولته تلك؛ لكن هل تصمد فرضيته في عالم السياسة، وهل يتصور ان القوى العظمى والدول الكبرى التي تتحكم في المشهد السياسي العالمي يمكنها صناعة الأحداث والتنبؤ بمآلات المستقبل؟

دعونا نسلط الضوء على النموذج الأفغاني؛ والذي ظل يمثل ساحة للتنافس بين القوى الكبرى. ورد في الوثائق التي افرجت عنها وكالة الاستخبارات الروسية مؤخرا ان الخطأ الأكبر الذي اتخذته القيادة السوفيتية والذي سرع بسقوطها كان “التدخل في أفغانستان”. المفاجأة (وبحسب التقرير) ان التدخل السوفيتي في أفغانستان جاء في الأساس لقطع الطريق امام الأطماع الصينية في المنطقة وليس الأمريكية كما هو مشاع. لكن القيادة السوفيتية تفاجأت من ردت الفعل العنيفة التي ابداها الأمريكان من خلال اصدقائهم العرب. فقد نجحوا في استغلال الشعور الإسلامي المعادي للشيوعية ووظفوه لصالحهم، بل انهم استثمروا الهلع السعودي/الخليجي من الشيوعية في تمويل الحرب في أفغانستان. هنا وجدت القيادة السوفيتية ان خطوتهم تلك جلبت عليهم متاعب لم تكن في الحسبان. وان طبيعة الحرب الباردة والصراع السوفيتي/الأمريكي لم تكن لتسمح بالانسحاب من المواجهة.

جاء الانتصار الأفغاني على روسيا بمثابة ثأر للمؤسسة الأمريكية، فالغريم السوفيتي كان قد دعم الثوار في فيتنام وساهم في هزيمتهم. لكن امريكا نفسها دفعت ثمنًا باهظًا لانتصار المجاهدين الأفغان. ففي أعقاب سقوط كابول؛ ورثت القيادة الباكستانية المقربة جدا من واشنطن وضعا معقدا يصعب التعامل معه. امتد خطر أمراء الحرب الأفغان إلى الحدود الباكستانية وباتوا يشكلون خطرا على الأمن القومي الباكستاني. ولحسم الفوضى قررت القيادة الباكستانية (بعد الضوء الأخضر الأمريكي) القضاء على قادة الحرب من خلال دعم القائد الصاعد “الملا عمر” زعيم حركة طالبان. يقال ان عددا من ضباط الاستخبارات البريطانية حذروا ال CIA من خطورة دعم هذا الفصيل الأصولي؛ لكن واشنطن راهنت على مقدرتها في التحكم بمجريات الأمور ومستقبل الأحداث. وكما هو معلوم فإن “طالبان” تمردت بعد ذلك على إسلام آباد وواشنطن، بل وربما ثأرت لمن بقي حيا من قادة الاتحاد السوفيتي.

في ندوة عن مسارات الثورات العربية؛ ذكر د. ستيفن كوك، خبير دراسات الشرق الأوسط في ال Council on Foreign Relations (CFR)، انه قبل شهر من انطلاق الثورة التونسية شارك (ضمن كوكبة من الأكاديميين والأمنيين الأمريكيين) في جلسة مغلقة عن الأوضاع السياسية في الشرق الوسط. بعد مداولات مطولة، خلصت الندوة الى انه ليس ثمة خطر يهدد امن واستقرار المنطقة، وان دولها غالبا ما ستعيش حالة من الاستقرار السياسي في السنوات القادمات. لكن بعد اقل من شهر، جاءت احداث الثورة التونسية لتؤكد انه من الصعب جدا التنبؤ بمسارات الثورات؛ وان اجهزة المخابرات العالمية مازالت تفتقر إلى الأدوات الدقيقة لقياس اتجاهات الرأي العام. بحسب ما أورده د. ستيفن: “آخر ما كان يمكن تصوره في تلك الندوة ان يسقط النظام التونسي بتلك السهولة؛ ويتبعه النظام المصري العتيد”.

اوردت الأمثلة السابقة للتدليل على ان التاريخ السياسي ذاخر بالأخطاء الاستراتيجية والتي هي نتيجة حتمية للنزوح نحو تضخيم الذات، وعدم الدقة في قراءة الأحداث وربطها بسنن التاريخ. ومن المدهش ان هذه الأخطاء تختلف في سياقاتها لكنها تتفق في نتائجها، لقد اثبتت مراكز البحوث والدراسات والمؤسسات البحثية في الغرب ان مقولة بيتر دراكر ليست صالحة للتطبيق في عالم السياسة، ليس لضعفها في صناعة الأحداث؛ ولكن لعجزها عن قراءة الحاضر والاستفادة من دروس الماضي.

وهنا تبرز القيمة الفكرية للعلامة ابن خلدون عندما يحلل فن التأريخ فيقول “هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال واتسع للدول فيها النطاق والمجال وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال وحان منهم الزوال. وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير بأن يعد في علومها وخليق”.

جاءت الموجة الأحدث من الربيع العربي لتطيح بالأنظمة التي لم تع الدرس (السودان، الجزائر وربما لبنان). كرر الرئيس السابق عمر البشير نفس الأخطاء التي وقع فيها القذافي، فيما حاول رئيس جهاز أمنه “الفريق صلاح قوش” اعادة انتاج النموذج المصري من خلال التضحية بالبشير. لكنه أيضا (وبقية قادة الجيش) لم يحسنوا قراءة الواقع ولم يستفيدوا من تجارب الماضي. فنفس الخطوة كان قد اتبعها وزير الدفاع السوفيتي بالتعاون مع مدير ال KGB عندما قررا الانقلاب على الرئيس غورباتشوف (بداية التسعينيات من القرن الماضي) في محاولة منهم للحفاظ على وحدة الاتحاد السوفيتي، وذلك في أعقاب سماح غورباتشوف باستقلال الجمهوريات السوفيتية. لكن خطوة الجنرالات جاءت متأخرة؛ فقد سبقتهم الشعوب السوفيتية بالانحياز إلى خيار الاستقلال، محررة بذلك شهادة الوفاة لما كان يعرف سابقًا ب”الاتحاد السوفيتي”.

لكن القصور في قراءة الأحداث وفقا لمعطيات الماضي ليس متلازمة تصيب الحكام؛ بل انها تشمل الثوار ايضا. ففي السودان، أظهرت قوى الحرية والتغيير (قحت، وهي احدى الفصائل التي تبنت الثورة على نظام الرئيس البشير) ميلا نحو الانفراد بالسلطة، وذلك من خلال عمليات الإقصاء الممنهج لبقية القوى التي شاركت في الثورة. لم تكتف “قحت” بذلك، بل شرعت في استفزاز الوجدان المحافظ للشعب السوداني من خلال تصريحات خرقاء. فتصريح وزير العدل بأن (الخمر جزء من الثقافة السودانية) ثم تصريح وكيل وزارة الثقافة (بأن العنصرية بدأت بسيدنا بلال) ثم تصريح وكيل المناهج (ان النظام السابق كان يظلم الأطفال بمقررات القرآن الكريم). من المؤسف ان العناصر السودانية التي تم استدعاؤها من الخارج لتفكيك نظام البشير لا تعي جيدًا ثقافة المجتمع السوداني، وهذا ما سيعجل بالثورة المضادة على “قحت”.

ان الافتراض “الشارع السوداني الذي ثار على البشير لابد وأنه قد سئم امر الدين” هو افتراض خاطئ. لقد ظن اتاتورك ان بوسعه تغيير هوية المجتمع التركي، وراهن شاه إيران ان التوجه الحداثوي الذي صبغ به المجتمع الإيراني طوال عقود من الزمان سيحول دون تقبل الأفكار الرجعية التي يبعث بها الخميني من منفاه في باريس. لكن التجارب اثبتت ان جذوة الدين المتأصلة في المجتمعات المسلمة تخبو، لكنها لا تموت.

تابعت باهتمام مجريات الأحداث في إنجلترا منذ تصويت الخروج من الاتحاد الأوروبي وحتى نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة. لقد اثبت الشارع الإنجليزي ان التغطية الإعلامية للأحداث، والنبرة العالية في وسائل التواصل الاجتماعي والحشود الضخمة التي تجوب الشارع، كل ذلك لا يعبر بالضرورة عن رأي الجمهور. فهنالك أغلبية صامتة؛ لا تتحدث كثيرا في المنابر ولا تجيد التظاهرات وتزهد في استخدام التكنلوجيا. هذه الأغلبية تعبر عن نفسها فقط عبر “الصندوق”. فهل تجرؤ قوى الحرية والتغيير “قحت” على المنازلة الشريفة، ام انها ستراوغ لتأخير الاستحقاق الانتخابي في السودان؟

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
عبدالرحمن عبدالله
كاتب وباحث سوداني مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، ومتخصص في قضايا السياسة والاقتصاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.