سياسة مقالات

الثورة وشبكات التواصل الاجتماعي

  الثورة ونظرية الشبكات

 

بقلم/ أ. عبد الرحمن عبد الله
البروفيسور نيل فيرغسون من جامعة ستانفورد، لديه مبحث مثير يتناول فيه التطور التاريخي لشبكات التواصل الاجتماعي، والقاطرة التقنية التي استخدمت، والأثر الثوري (الفكري والسياسي) الذي احدثته في مختلف الحقب التاريخية.

تطرق البحث للثورة الاجتماعية والصحوة الفكرية التي فجرها مارتن لوثر (١٥٢٠م) في ألمانيا والتي نتج عنها ولادة الكنيسة البروتستانتية، وكيف استفاد مارتن لوثر من الطابعة في نشر أفكاره. مثلت الطابعة آنذاك اختراعًا حديثًا، أسهم بصورة فعالة في نشر المطبوعات، وجعلها في متناول الجميع وليس حكرًا على الأثرياء فقط. هذه الوسيلة الحديثة أنهت احتكار الكنيسة للإعلام الرسمي، وأفسحت المجال لطرح الأفكار المخالفة والتي لم تكن الكنيسة لتسمح بتداولها.

نفس المتلازمة تكررت مع الثورة الفرنسية (١٧٩٠ م)، والتي استفادت من تطور الماكينة البخارية والقطارات في نشر افكارها والتواصل بين مختلف مكوناتها. اما الثورة الروسية (١٩١٧م) فلربما استفادت من الكهرباء والتلغراف في نشر افكارها والتنسيق بين قياداتها.

حاولت ان ادرس ثورة الخميني (١٩٧٩م) على ضوء نظرية بروفيسور نيل، فوجدت انها لم تخرج عن المألوف، بل ان اعتمادها على التكنلوجيا كان أعمق وأوكد. كيف لا وقد أطلق عليها “ثورة الكاسيت” في إشارة الى استراتيجية التواصل الجماهيري التي اعتمدها الإمام الخميني. كان للإمام خطبا ثورية يبعث بها من منفاه في باريس الى أنصاره في الداخل. وعلى الرغم من تفوق جهاز السافاك (والذي كان من أقوى الأجهزة الاستخبارية في المنطقة)، الا انه عجز عن التصدي لأشرطة الكاسيت والتي أغرقت الشارع الإيراني.

ثم جاءت ثورات الربيع العربي (٢٠١١-٢٠١٢م) والتي لم تكن لتأخذ زخمها ولم تكن لتنتقل عبر الحدود (بل وعبر القارات) لولا ثورة الإنترنت.

اما آخر المشاهد التي يمكن رصدها في هذا المبحث فهو تطور الفكري الاشتراكي الديمقراطي Democratic Socialism في امريكا (او ما يعبر عنه بال Progressives Movement) والذي ظل المرشح الديموقراطي بيرني ساندرز يبشر به. بدأت هذه الأفكار تتبلور منذ عقود، لكن “احتلال وول ستريت، وحملة we are the 99%” مثل اول ظهور علني لها. وعلى الرغم من ان هذه الثورة مازالت في طور التشكل، الا انه يمكن الزعم بأن القاطرة التي تعتمد عليها هي تطبيقات الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence وربما تقنيات الجيل الخامس G5.

الخلاصة التي يمكن الخروج بها بعد هذا التجوال بين مختلف الثورات: ان الفكرة هي العنصر الأول في توليد الثورة؛ لكن نجاح الثورة وخروجها من التصور النظري الى التطبيق العملي يعتمد بصورة أساسية على نظرية الشبكات، وان الأخيرة رهينة بوجود قاطرة (أو رافعة) تقنية فعالة، بوسعها نقل الأفكار بين مختلف المكونات.

 

المرونة والمواءمة في التعليم الالكتروني

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
عبدالرحمن عبدالله
كاتب وباحث سوداني مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، ومتخصص في قضايا السياسة والاقتصاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.