فنون مقالات

فيلم الجوكر

قراءة في
فيلم الجوكر

يسلط هذا الفيلم، الذي بدأ عرضه في صالات السينما منذ أيام، الضوء على أثر البيئة على شخصية الفرد، وأهمية أن يعيش الفرد في مجتمع صحي آمن عادل لكي تكون الشخصية سوية والسلوك سويا فلا تحدث انحرافات وجرائم.

طفل يدعى آرثر يعيش مع أمه بالتبني المريضة نفسيا فتسيء معاملته، وتدعي تحت تأثير التهيؤات أنها حملت به من شخصية ثرية كانت تعمل خادمة في منزلها.

تُطرد الأم من عملها وتمر ثلاثون عاما ويكبر الطفل ويصبح رجلا نراه أمامنا مريضا نفسيا.

آرثر يعمل مهرجا في أحد المسارح، ويرسله صاحب العمل لبعض المستشفيات لإضحاك الأطفال كمحاولة لتخفيف الألم عنهم. ورغم هذا الضحك الذي يرسمه على وجوه من يشاهده إلا أنه في أعماقه يعيش ألماً لا يُحتمل. لدرجة أنه أصيب بأعراض مرض لا يستطيع من خلاله التمييز بين الضحك والبكاء، فتنتابه موجات ضحك لا يستطيع صرفها وهو يتمزق حزنا وتعاسة.

لم يتزوج آرثر بسبب الاضطراب النفسي والفقر الشديد وبسبب رعايته لأمه الكبيرة المسنة التي تعيش معه في بيت متواضع عيشة شديدة البؤس.

كلما خرج آرثر إلى الشارع بمكياج المهرج وجد استهزاءً وسخرية وتعرضت كرامته للامتهان من أناس لا يقدرون قيمة الإنسان لذاته، وتعرض لعنف غير الأسوياء سواء مجموعات المراهقين في الشوارع أو مجموعة من الرجال في محطة مترو أرادوا التحرش بفتاة أمامه فانتابته موجة الضحك المرضي سابقة الذكر؟ فظنوه يسخر منهم فتركوا الفتاة وذهبوا إليه يركلونه في بطنه ورأسه، فما كان منه إلا أن أخرج مسدسا، كان أحد زملائه في العمل قد أعطاه له ليدافع به عن نفسه من عنف المجتمع إن اقتضت الضرورة، وصوب رصاصاته إلى صدور هؤلاء الذين يوسعونه ضربا فأرداهم قتلى ولاذ هو بالفرار ولم تكتشف الجريمة بسبب مكياج المهرج الذي كان على وجهه.

ظن بعض التعساء في المجتمع من المهمشين والفقراء والغاضبين من سوء توزيع الثروة أن حركة سياسية واجتماعية بدأت في الظهور تتخذ من قناع المهرج شعارا لها، فانخرطوا في أعمال عنف بعد أن نظموا أنفسهم وهم يرتدون هذه الأقنعة، ما تسبب في فوضى في المدينة.

وتتطور الأحداث وتسوء حالة آرثر أكثر حتى يصل إلى حافة الجنون، ويسوء الوضع الصحي لأمه وتنقل إلى المستشفى، وكانت قد أوصته بإرسال رسالة تكتبها باستمرار ومنذ ثلاثين عاما لهذا الثري المشهور الذي تظن أنه زوجها وتطلب منه المساعدة، ولأول مرة يفتح آرثر الرسالة ويعلم منها أنه ابن ذلك الرجل، فيذهب إليه ويطلب منه الاعتراف به ابنا له وتقديم المساعدة، لكن الرجل يوضح له بعنف أن أمه مريضة نفسيا، وأن هذه تهيؤات، وأنه ليس ابنه ويلكمه في وجهه حينما تصاعد الحديث بينهما.

يذهب آرثر إلى المصحة التي كانت تتعالج فيها أمه ويحصل من أرشيفها على ملفها الطبي ويسرقه عنوة من الموظف المختص ويهرب، ويقرأ ما فيه فيعلم أنه ابن بالتبني وأن هذه ليست امه، وأنها كانت مصابة بمرض نفسي، وكانت كما هو مدون في ملفها تضربه وهو صغير ضربا مبرحا، فيعرف في النهاية من هو ولماذا هو مريض نفسيا هكذا، ومن أمه هذه التي تبنته والرجل الذي ادعت أنه زوجها، فيمسك المخدة وهي ملقاة على سرير المرض في غرفتها بالمستشفى ويكتم نفسها فيميتها.

تلقي الشرطة القبض عليه بعد أن تجمع خيوط الجريمة وتتعرف عليه وتنسب له جريمة قتل الثلاثة في المترو، وهو في عربة الترحيلات يأتي بحركة يختل على إثرها مقود القيادة في يد السائق وتنقلب العربة، ويموت الشرطي ويصاب هو إصابات بليغة، يفقد الوعي فيها لبرهة ثم يصحو وسط حشد المحتجين الغاضبين من المهمشين والفقراء والعاطلين عن العمل والشاعرين بالظلم الاجتماعي من حركة المقنعين المرتدين أقنعة المهرج، وينتهي الفيلم، نهاية عبثية تراجيدية على هذه الشاكلة من الجنون الفردي والاجتماعي.

هذه إذن هي الحدوته التي يحكيها فيلم الجوكر.

والحق أن الممثل خواكين فينيكس قد أدى دور المريض نفسيا ببراعة ، حيث استعمل لغة الجسد استعمالا مقنعا، تعبيرات الوجه وحركات الجسم وتنويعات الصوت ومزج الضحك بالبكاء في نفس الوقت ونظرات العيون.. فكان في كل ذلك معبرا بصورة مدهشة عن المريض الذي يتمزق ألماً ويثور من الداخل ويشعر بالاكتئاب والتعاسة والبؤس والشعور بظلم الحياة.

كذلك كانت زوايا التصوير وتصميم المشاهد والموسيقى.. كل ذلك خدم الفكرة المتعلقة بالمرض والانحراف النفسي.

لكن الفيلم في تقديري ضعيف لعدة أسباب:

لم يكن مقنعا في هذه النقلة بين ما هو انحراف فردي وما هو انحراف اجتماعي. أو بتعبير آخر.. حينما كان الفيلم يعبر عن شخصية منحرفة لأسباب متعلقة بنوع التربية التي تلقاها في الطفولة كان مقنعا، لكنه فقد القدرة على الإقناع وشعرنا بالافتعال حينما تحول الفيلم من الحالة الفردية إلى الظاهرة المجتمعية، وتبيان أن كثيرا من المهمشين والبائسين ربما يكون غضبهم نوعا من المرض النفسي نتيجة الظلم الاجتماعي الذي يتعرضون له كما تعرض آرثر لذلك، ومن ثم أراد المؤلف والمخرج التحذير من هذه الحالة.

الفكرة جيدة، فكرة الانتقال من الفردي إلى الاجتماعي، من التحذير ودق ناقوس الخطر، لكن المعالجة الفنية والدرامية والسيناريو المصاحب لهذا الأمر لم يكن مقنعا، وإنما جاء سطحيا، وهذه من نقاط الضعف المهمة في الفيلم.

أما نقطة الضعف الأخرى فهي كل هذا الكم من الهم والغم والبؤس المحتشد في الفيلم والذي يجعل من ساعتي عرضه قطعة من العذاب والألم. كان بإمكان المخرج أن يقدم ما يريد تقديمه لكن ليس في هذا القالب السوداوي الذي لم يترك للمشاهد فرصة لالتقاط الأنفاس برؤية أي شخصية طبيعية أو مؤسسة طبيعية أو أناس طبيعيين.. مما أصابنا ونحن نشاهد العمل بالانقباض وتمنينا أن ينتهي الفيلم سريعا وكل نصف ساعة ننظر في ساعتنا لنرى متى ينقشع هذا الظلام الذي انغمسنا فيه.

على أية حال.. هذا هو الفيلم، فيلم الجوكر، الذي يحظى حاليا فيما يبدو بدعاية مبالغ فيها، وهذه هي فكرته ومعالجته وما له وما عليه، والحكم في الأخير للمشاهد، وصدق المثل: لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع في الأسواق.

 

 

فيلم الجوكريسلط هذا الفيلم، الذي بدأ عرضه في صالات السينما منذ أيام، الضوء على أثر البيئة على شخصية الفرد، وأهمية أن…

Posted by ‎أفلام تستحق المشاهدة‎ on Friday, October 11, 2019

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.