فنون مقالات

فيلم Patch Adams

قراءة في فيلم
Patch Adams

بقلم الاستاذ محمد عبد العاطي

منذ مدة طويلة لم أشاهد فيلماً رائعاً ومؤثراً ومُغَيِّراً كهذا الفيلم، لدرجة أني لا أعرف بأيهما أبدأ عرضه، بالممثل روبين وليامز الذي أدى دورا لم يتركنا فيه لدقيقة إلا وحرّك مشاعرنا كيفما أراد؛ تارة نحو الضحك وتارة نحو البكاء، ومع هذا وذاك كان يضعنا أمام أفكارنا لنراجعها فإذا بها قد تسللت إلى عقولنا وصارت جزءًا من شخصياتنا دون أن نفحصها؛ دون أن نمنحها قدرا من المراجعة يكافيء ما ستصبح عليه لاحقا من أهمية؛ أهمية أن تصبح هي نحن ونحن هي.

أم تُراني أبدأ من قصة الفيلم التي على لُحمتها وسُداها نُسجت خيوط هذا العمل الرائع، فلنبدأ بها إذن.

رجل في منتصف العمر نشاهده يظهر أمامنا في مصحة للأمراض النفسية والعقلية، دخلها بإرادته ليتعالج من حالة اكتئاب حادة ألمّت به ودفعته للإقدام على الانتحار (سيُنهي حياته بنفسه فعلا وليس تمثيلا – وفق أرجح الخلاصات التي انتهى إليها التحقيق في مقتله/انتحاره عام ٢٠١٤).

يدخل المصحة مكتئبا متألما ويعيش وسط حالات مرضية استطاع أن يقترب إنسانيا منها، يفهما، يحنو عليها، يتعاطف معها، يأسى لحالها، يحاول مخلصا مساعدتها، ومن عجب أنه في اللحظة التي كان يساعد فيها مريضا بتلك المصحة كان ينسى ألمه الشخصي، فيشعر بعد هذه المساعدة بتعافٍ، بابتهاج، برضا عن الحياة، يشعر بالسعادة التي كان يبحث عنها؛ سعادة أخرجته من حالة الاكتئاب التي يعانيها، هنالك يقرر الخروج من المصحة، والالتحاق بكلية الطب ليساعد المرضى على طريقته الخاصة، مساعدة لا تركز فقط على علاج الجسد ولكن قبل ومعه وبعده علاج الروح؛ علاجها بالحب والاهتمام، بالتعاطف الصادق، بالمحبة الخالصة، وبإدخال البهجة إلى نفوسهم والسرور على قلوبهم، ومن عجب أن هذه الطريقة من العلاج التي كانت غريبة على كليات الطب والمستشفيات الجامعية الملحقة بها آتت أُكلها، فقد كانت أجساد المرضى تستجيب للعلاج، وكان يستمر في ذاك ويحرز أعلى الدرجات، رغم العقبات التي كانت تفرضها عليه الثقافة السائدة في كليات الطب والمستشفيات الحكومية.

ينجح باتش آدمز (روبين وليامز) في اقناع بعض زملائه بفلسفته في العلاج، وبضرورة تغيير القوانين واللوائح التي تهتم بالشكل قبل اهتمامها بجوهر الإنسان.

يفتتح في منزل قديم -بمساعدتهم- عيادة تستقبل من لا تأمين صحي لهم، يضمد جراحهم النفسية قبل الجسدية، يقوم كل مريض بمساعدة الآخر كجزء من العلاج، وبما يقدر عليه، حتى ولو بمجرد الاستماع لهمومه وشكواه.

يُقدّم فيه عميد الكلية شكوى لمجلس الجامعة والولاية، يصر فيها على أنه غير مؤهل للتخرج من كلية الطب رغم درجاته العالية، وذلك لعناده وإصراره على أن يخالف القواعد ويكسر النظام.

في الجلسة المشهودة، جلسة المحاكمة والاستماع إلى المرافعة، يترافع كأفصح ما تكون المرافعة عن أفكاره، يقنعهم ويقنع طلاب الطب الذين يشهدون المحاكمة بفلسفته.

يختلي المحكمون للتداول ثم يعودون والجميع على أعصابهم فينطقون بصوت العدل: إنك يا باتش آدمز لم تخطيء في رغبتك تحسين جودة حياة المرضى حتى ولو كان الموت هو خاتمتها، ولم تخطيء حينما وددت مساعدتهم وإدخال السرور عليهم، ولم تخطيء حينما أردت تغيير ما تعارفت عليها كليات الطب ومستشفياتها من تقاليد ثبت أن ثمة ما هو أجدر بالاتباع منها، لهذا فإننا نقرر استمرارك في الكلية حتى تتخرج طبيباً.

وهو ما كان، فأصبح الرجل طبيبا رغم جراحه، ورغم الألم الرهيب الذي كاد يودي بحياته حينما قتل أحد المرضى النفسانيين حبيبته التي آمنت به بعد لأيٍّ وأحبته بعد أن غيَّر بقلبه الطيب وجهة نظرها عن الرجال، وفك عقدة كانت تعانيها منذ الصغر. رغم مقتل حبيبته وزميلته واصل طريقه بعد أن ألهمته روحها من العالم الآخر إذ تمثلت له فراشةً رائعة الألوان كما كانت تحب أن تراها.

يختتم الفيلمُ -الذي عُرض عام ١٩٨٩- مشاهده بنص مكتوب يفيد أن باتش آدمز بعد تخرجه أسس عيادته الخاصة، وأصبح له تلاميذ من كليات الطب حول العالم ممن آمنوا بفكره وفكرته.

فيا له حقا من فيلم يستحق المشاهدة.

 

 

فيلم (Patch Adams)منذ مدة طويلة لم أشاهد فيلماً رائعاً ومؤثراً ومُغَيِّراً كهذا الفيلم، لدرجة أني لا أعرف بأيهما أبدأ…

Posted by ‎أفلام تستحق المشاهدة‎ on Saturday, July 20, 2019

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.