فنون مقالات

فيلم Marriage Story

قراءة في فيلم Marriage Story

بقلم الاستاذ/ محمد عبد العاطي

في أوائل العشرينات من عمري عشت عامين في قرية تقع فوق جبل يزيد ارتفاعه عن ثلاثة آلاف متر، وكانت نافذة غرفتي تطل على وادي سحيق للغاية، كانت السيارات تظهر على طريقه وكأنها نمل يمشي، ومن خلال هذه النافذة اعتدت أن أرى الطريق الموصل للقرية من أوله لآخره بنظرة واحدة، كنت أرى ما في بعض أجزائه من حفر وصخور ثم أراه في أجزاء أخرى خاليا منها، وكان إذا تصادف ورأيت بعض المارة يعانون في سيرهم وهم في الجزء غير المعبّد أقول لهم – وهم بالطبع لا يسمعونني – صبرا فسرعان ما ستجتازون هذه المرحلة ويعود الطريق أمامكم إلى استوائه.

لقد تعلمت في هذين العامين درسا مهما في الحياة مفاده أن لكل بداية نهاية ولكل نهاية بداية جديدة، وأن بعد العسر يسرا وبعد اليسر عسرا متوقعا، وأن الحصيف من لا تستغرقه اللحظة ويظن أنها أبدية سواء أكانت لحظة هناء أم لحظة شقاء، لكن أهم ما تعملته حقيقة هو منهج النظر لمشكلات الحياة وضرورة أن ينزع المرء نفسه منها ولو بعين الخيال وينظر إلى المشكلة التي تعترضه نظرة طائر من أعلى، نظرتي من النافذة لسفح الوادي وطرقه من بدايتها لنهايتها، وقناعته وهو لا يزال في معمعة المشكلة أنها ستمر، وستصبح ذكرى، ولن تتوقف الحياة عندها، وقد ساعدتني هذه النظرة في التحلي بشئ من رباطة الجأش في الملمات، مما كان له أثر لا بأس به في التمسك بصفاء الذهن أثناء البحث عن حل رغم ما في ذلك من صعوبة.

أسوق هذه المقدمة بين ثنايا عرضي لفيلم مفيد شاهدته الليلة وأنصح كل زوجين بمشاهدته.

مخرج مسرحي شاب بدأ خطوات جادة نحو الشهرة المبنية على موهبته واتقانه، أحب ممثلة في الفرقة وتزوجها وأنجب منها، وقد أحبته هي أيضا لما وجدت عنده من صفات دونتها بنفسها: عطوف، يحب مساعدة الآخرين، عصامي، يعتمد على نفسه في كل شئ حتى في رتق جواربه، يحب القيام بدوره كأب ولا يتأفف إن أيقظه ابنه الصغير من النوم ليلبي له طلبا… وسارت بهما الحياة، هو مشغول في مسرحياته وهي مجدة في تمثيلها وفي القيام بدورها كزوجة وأم، إلى أن شعرت ذات يوم أن السنوات تمر وهي لا تزال ممثلة صغيرة ولم تحقق ذاتها، وبدأت تبحث عن السبب فوجدت أن شخصية زوجها الطاغية هي السبب، فقد كانت تحب ما يحب دون أن تتأكد إن كانت هي نفسها تحب هذا الشئ حقا أم لا، وكانت تستمع لنصائحه وتعمل على تطبيقها دون أن تفحصها فحصا كافيا لتعرف إن كانت تناسبها أم لا …

وهكذا، وجدت هذه الزوجة نفسها تنظر إلى حياتها بمنظار مختلف، وبدأت تستشعر الناقص منها، فأنساها تركيزها على هذه الأشياء الناقصة ما عندها من أشياء أخرى تعوضها ولو من باب أن الدنيا لا تعطي للإنسان كل شئ … بدأت تضخم ما تعتقد أنه سلبيات في شخصية زوجها وبدأت هذه السلبيات تضغط على أعصابها ولم تعد ترى في الحياة الزوجية غيرها … لقد سيطر عليها نصف الكوب الفارغ فنست تماما نصفه الآخر الملآن … وبدلا من أن تصارح زوجها بمشاعرها وتتحدث معه أولا بأول عن أفكارها وهواجسها وظنونها تركتها تستفحل حتى وجدت أن الحل يكمن في الطلاق وليكن بعده ما يكون.

استعانت الزوجة بمحامية رشحتها لها صديقة في لحظة ضعف رغم أنهما اتفقا على الابتعاد قليلا ريثما تهدأ النفوس وإلى أن تنتهي من مسلسل تلفزيوني كانت تقوم ببطولته ويتطلب معيشتها في ولاية أخرى ، ما اضطره هو أيضا للاستعانة بمحام ، فكبر موضوع الخلاف وعظم الشقاق وتعمق الجفاء ، وبدأ الفيلم يستعرض سلسلة لا حصر لها من الصعوبات والتداعيات الناجمة عن هذا العناد ، صعوبات مالية على الطرفين نتجت عن إهمالهما لعملهما بسبب الحالة النفسية التي يعيشانها ، وصعوبات سيكولوجية على الطفل المشتت بينهما ، ووضعتنا المشاهد في تلك البيئة فرأينا رأي العين ماذا يعني الانفصال وماذا يعني التحول من زوجين إلى خصمين متقاضيين …

وتتصاعد الأحداث حتى تجبرهما الحياة على أن يلين كل طرف سواء استجابة لبذرة الحب التي زُرعت في يوم ما بينهما أو لمصلحة الطفل أو تقليلا للخسائر التي يتضرر منها الجميع ، وينتهي الفيلم نهاية مفتوحة نستشف منها أن الزوجة حققت ذاتها في التمثيل بعيدا عنه لكنها لم تحصل على السعادة بسبب حياتها الزوجية المدمرة وابنها المعذب بينهما ، وهو كذلك لم يستطع أن يواصل تقدمه رغم ما يبذله من جهد لانطفاء جذوة الإبداع داخله بسبب الحالة النفسية التي يعانيها ، فقررا التقارب من بعضهما أكثر فأكثر ، وانتهى الفيلم بنهاية يغلب على ظننا أن الأرجح سيكون رجوعهما لبعض في يوم من الأيام.

هذا إذاً هو الفيلم الموجود على شبكة نتفليكس وتلك هي قصته، فما علاقته بمعيشتي في القرية الجبلية سابقة الذكر؟

الحق أن الفيلم وضع أمام المشاهد نتيجة تجربة حياتية لزوجين شاهدناهما على مدى ساعتي العرض من بداية المشكلة حتى نهايتها لكنهما لم يشاهدا ما هم فيه ، كانا منغمسين في مشكلتهما ، لم يرتفعا ارتفاعة الطائر، لم ينظرا تلك النظرة التي اعتدتها من نافذة غرفتي لبداية الطريق ومنتهاه، ولو فعلا لعلما أن لكل مشكلة حل ، وأن الطريق الوعر اليوم سينبسط غدا، وبالتالي كان بإمكانهما ألا يُصعِّدا المشكلة ويُعقِّداها، ولكان الزوج اهتم بزوجته أكثر ، ولكانت هي بدورها لم تسمح لنظرتها إلى نواقصه أن تتضخم فتنسها ما فيه من خير.

حقاً، إنه فيلم ليس ممتعا في تمثيله وتصويره وقصته وأحداثه فحسب بل إنه مفيد غاية الإفادة أيضا، لهذا لا غرو أن يفوز ببعض الجوائز ذات السمعة العالمية.

 

 

فيلم (Marriage Story)في أوائل العشرينات من عمري عشت عامين في قرية تقع فوق جبل يزيد ارتفاعه عن ثلاثة آلاف متر، وكانت…

Posted by ‎أفلام تستحق المشاهدة‎ on Saturday, December 7, 2019

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.