فنون مقالات

قراءة في فيلم THE TWO POPES

فيلم (THE TWO POPES)

بقلم الاستاذ محمد عبد العاطي

تركت هذا الفيلم بضعة أيام ولم أجد في نفسي الدافع لرؤيته، ظنًّا مني أنه سيكون فيلما دعائيا أكثر منه فنيا؛ يقف الفاتيكان خلفه، وذلك لتلميع صورة باباواته وإظهار أن هذه المؤسسة قائمة على الشفافية، لكني قررت عدم الحكم على الجواب من عنوانه، ولمَّا شاهدته أعجبني كثيراً.

يعالج الفيلم هذه الانعطافة المهمة في تاريخ الفاتيكان حينما قرر البابا الألماني بينديكت السادس، في سابقة نادرة تاريخيا، الاستقالة واختيار الكرادلة البابا فرنشيسكو الأرجنتيني، لأن لديه رؤية مغايرة للتغيير والتطوير.

فأمسك الفيلم بتلك اللحظة واستعرض شخصية الإثنين، المغادر والقادم؛ رؤية كل واحد منهما لدور الكنيسة وكيفية إدارتها، وفي طيّات ذلك يسلط الفيلم الضوء على الجوانب الإنسانية التي لا يعرفها الناس عن الرجلين، وبذلك خرج الفيلم بهذه الخلطة الجميلة بين العام والخاص، الفكرة المجردة والواقع العملي.

قرر البابا بينديكت الاستقالة لأنه رأى، في لحظة صدق، أن طاقته الروحية أولا والجسدية ثانيا لم تعد قادرة على الوفاء بمتطلبات المنصب، وأن الضرورة والأمانة تحتمان عليه اتخاذ القرار مهما كانت درجة مفاجأته للوسط الكاثوليكي حول العالم.

وهنا استعرض ملفات عشرات الكرادلة، واطلع على أدق تفاصيل تاريخهم، وفي الوقت الذي قرر فيه استدعاء الكاردينال جروج ماريو برجيجوليو (فرانشيسكو) لإخباره بقرار الاستقالة وبرغبته في أن يرشح نفسه خلفاً له، كان الأخير قد وصل إلى قناعة بضرورة اعتزال مهنته رسميا للتخفف من أعبائها الإدارية والتفرغ للعبادة، وكان بالفعل قد حجز تذكرة طيران للمجئ بنفسه إلى الفاتيكان وتقديم خطاب اعتزاله والاستئذان في الانصراف.

وحينما تقابل الرجلان، في المقر الصيفي للبابا، دارت بينهما حوارات غاية في العمق والصدق، حيث اعترف كل واحد منهما للآخر بأخطائه التي لم تدوَّن في الملفات ولا يعرفها إلا صاحبها وعلاَّم الغيوب، وهنا رأينا الجانب الإنساني فيهما؛ رأينا الواحد منهما وما تشتهيه نفسه وما يجول بعقله، رأيناه في لحظات قوته وضعفه.

البابا بنديكت يقول إنه حاول المحافظة على تقاليد الكنيسة وأخفى المخالفات التي تسئ لسمعتها، بينما الكاردينال (البابا فيما بعد) برجيجوليو يؤكد أن الكنيسة انعزلت عن محيطها بتركيزها على قضايا لاهوتية بعيدة عن هموم الناس، وأن المحافظة على السمعة لا تأتي عن طريق التستّر على الخطاة من رجالها المتورطين في قضايا أخلاقية مهما كانت درجتهم الكنسية، وأنَّ حق الفرد المُضار لا يقل عن حق الكنيسة التي تسعى للمحافظة على هيبتها.

وقال الكاردينال برجيجوليو أيضا: إنَّ الكنيسة يجب أن يكون لها دور فعّال وأن تناضل وتكافح من أجل الضعفاء والفقراء والمهمشين، وأن يعلو صوتها ضد سياسات الأنظمة الديكتاتورية، والاحتلال، والعنصرية، وتهميش الأقليات، وجشع الشركات، وشتى أنواع الاستغلال.

وهكذا، من قضية لأخرى، يتحاور الرجلان بجدية وبصلابة، ويتناقشان بعمق وحرارة، وفي الأخير يعلن البابا بينديكت استقالته، ويجتمع الكرادلة ويختارون بأغلبية الأصوات برجيجوليو بابا، وينتقل المنصب لرجل من الأمريكيتين لأول مرة، ولشخصية غير أوروبية منذ القرن الثامن.

كل هذا، مع أداء تمثيلي صادق ومقنع ومؤثر، وسيناريو وصل إلى عمق القضايا الخلافية والجدلية حتى أقنع المشاهد أنه أمام عمل فني محترم وليس أمام دعاية سطحية مبتذلة، مع تصوير تميز بالجمال، فخرج الفيلم على هذه الشاكلة المتقنة؛ المفيدة للمشاهد وللكنيسة في آن.

فيلم (THE TWO POPES)تركت هذا الفيلم بضعة أيام ولم أجد في نفسي الدافع لرؤيته، ظنًّا مني أنه سيكون فيلما دعائيا أكثر منه…

Posted by ‎أفلام تستحق المشاهدة‎ on Tuesday, December 24, 2019

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.