عروض كتب مقالات

عرض وقراءة كتاب قصة عقل

سلسلة كتب تقرؤنا:
كتاب “قصة عقل” ل “زكي نجيب محمود”

بقلم الأستاذ محمد عبد العاطي

للمفكر الراحل زكي نجيب محمود (1905- 1993) أربعة كتب تتحدث عن شيء من حياته وبخاصة الفكرية منها: كتاب عن ذكريات عام قضاه أستاذًا زائرًا بإحدى الجامعات الأمريكية أوائل الخمسينات عنونه بأيام في أمريكا، يسرد فيه انطباعاته عن هذا البلد نظامًا سياسيًّا وقيمًا اجتماعية وفكرًا وتاريخًا وحضارة. وثلاثة كتب أخرى في مراحل عمرية تمتد من الكهولة حتى الشيخوخة، أحدها يسرد فيه تكوينه النفسي والمؤثرات التي صاغت قلبه ووجدانه وقد أسماه قصة نفس، ثم كتاب آخر يسرد فيه تكوينه العقلي وكيف نشأت أفكاره وتطورت ونضجت واستوت وأصبحت رؤية متكاملة المعالم في الدين والفلسفة والعلم والتراث وعوامل النهوض ومستلزمات التقدم، وقد عنون هذا الكتب بقصة عقل، ثم الكتاب الأخير في سلسلة مذكراته والأخير في حياته قاطبة وقد ألفه وهو في الخامسة والثمانين من عمره ومات بعدها بثلاث سنوات، وفيه لخص رؤيته في كل ما كان يشغله من قضايا وبخاصة كيفية تحقيق المواءمة بين تمسك الإنسان العربي بأصالته وفي الوقت نفسه يعيش عصره مع ما تحتاجه هذه المعايشة من علوم ومعارف عصرية، وأطلق على هذا الكتاب حصاد السنين، وشبَّهه بصوت البجعة الذي تطلقه في آخر أيامها كأجمل ما تكون الأصوات.

فماذا عن كتاب قصة عقل تحديدًا من بين هذه الكتب الأربعة، وهو الكتاب الذي فرغت من قراءته للتوِّ؟

من أراد أن يعرف من هو زكي نحيب محمود فليس من كتاب يسهِّل عليه هذه المهمة من هذا الكتاب. ذلك لأن الرجل نفسه حلل تكوينه العقلي وأوضح أفكاره ورؤاه وأطروحاته التي اشتهر بها، من أين أتته الفكرة وكيف نمت وتأصلت، أو كيف تغيرت بعد أن اتضح له ما هو أعمق منها وأرسخ.

وهو في ذلك يستشهد من كتبه الكثيرة بفقرات توضح ما يريد قوله ثم يحيل القارئ إلى الكتاب ورقم الصفحة. أي إنه كتب عن نفسه سيرة ذاتية فكرية ولم يترك ذلك لغيره، وكان تبريره أنه أدرى الناس بها لأنها ببساطة نفسه وعقله وفكره.

تحدث عن فكرة الميتافيزيقا قائلًا: إن الدين مرتبط بالغيبيات التي نطلق عليها “العقائد”، وهي أمور لا ينفع معها غير التصديق بصدق الوحي تصديقًا محله القلب، لأن ما تتحدث عنه تلك الغيبيات (الماورائيات، الميتافيزيقا) لا يمكن إثباته بالعقل والحواس. وهو بهذا لا ينكر الغيبيات، كما ذهب إلى ذلك البعض، وإنما رسم ملامح حدودها حتى يكون للفن والدين مجاله القلبي الحدسي وللعلم مجاله المادي العيني.

وتحدث عن المنطق الوضعي الذي هو مزيد من التفصيل والتضاد بشأن الفكرة السابقة المتعلقة بالميتافيزيقا؛ ذلك أنه أراد القول: إن القضايا التي نتحدث عنها لابد أن يتم تحديدها حتى تأتي النتائج مستخلصة من مقدمات صحيحة، وهذا النهج لا ينفع معه غير التحديد اللغوي ابتداءً لنعرف اللغة التي نتحدث بها ومفرداتها ومفاهيمها ومصطلحاتها حتى لا يتشتت بنا الحديث ويتفرع وتتبدد الطاقة دون أن يصل النقاش إلى شيء، فإذا حددنا لغةَ ما نتحدث عنه عرفنا موضوعه وما إن كان يندرج ضمن الدين والفن ومنهجهما الذوقي الحدسي الإيماني، أم يندرج ضمن العلم فنستعمل في إثباته أو نفيه القياس والكم والحواس والعقل استعمالًا منطقيًّا ماديًّا موضوعيًّا ملموسًا، ومن هنا جاء حديثه عن المنطق الوضعي.

ثم تكلم زكي نجيب محمود في قصة عقل عن علاقته بالتراث العربي وكيف كان في بواكير شبابه بعيدًا عنه، يقرأ عنه ولا يقرأ فيه، ثم حينما نضج وبدأ يطالع عيون هذا التراث راعه جمال الكثير مما أُلِّف فيه، وبدأ يفكر: كيف يستفيد العربي المعاصر من هذا التراث دون أن يعبد الماضي أو يأخذ حلول مشكلاته ليحل بها مشكلات عصره؟ ومن هنا، بدأ يبحث عن “منهج” للتعامل مع هذا التراث، غربلةً وانتقاءً وتمحيصًا ونقدًا وقراءة وفهمًا واستيعابًا، فاهتدى إلى ثنائية (الأصالة والمعاصرة) التي كتب فيها كثيرًا، كما نقد ثقافة العربي وثقافة العصر وحدد معالم الثقافة الجديدة التي يجب أن يتحلى بها وإلا حلَّت به كارثة الخروج من التاريخ والإزاحة عن العصر.

وهكذا كتاب قصة عقل، يأخذك في سياحة فكرية عميقة ورائعة بأسلوب أديب وعقل فيلسوف وإحساس مؤمن وعاطفة محب، فكان كتابًا حقيقًا بالقراءة والمدارسة.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.