عروض كتب مقالات

عرض وقراءة في كتاب ذكريات عن غانياتي الحزينات

سلسلة كتب تقرؤنا:
كتاب “ذكريات عن غانياتي الحزينات” ل “جابرييل جارسيا ماركيز”

بقلم الاستاذ محمد عبد العاطي

من الصفحات الأولى تستغرقك روايات جابرييل جارسيا ماركيز وهذا ما فعلته بي هذه الرواية “ذكريات عن غانياتي الحزينات” فلم أقرأ خلال عامي هذا كتابًا أشد صراحة وصدقًا من هذا الكتاب سوى رواية باولو كويلو “إحدى عشرة دقيقة”. لم أتخيل قطُّ أن كاتبًا يمكن أن يتحدث عن نفسه فيعرِّيها بهذا القدر، مستعرضًا أمامنا كيفية تعامله مع غرائزه الجسدية واحتياجاته النفسية بهذه الصراحة. والحق أن هذا الصدق الذي يفاجئك به الكاتب يجعلك تتوقف عن قراءة العمل بعين القاضي وتستمر معه بروح الإنسان الذي يسمع هاتفًا يناديه من الأعماق: “هذا هو أنت حتى ولو لم تفعل مثله”.

الرواية تحكي قصة صحفي بلغ من العمر تسعين عامًا يعيش في إحدى مدن البحر الكاريبي، متوسط الموهبة، ليس عنده دخل سوى راتب بسيط يتقاضاه من الصحيفة نظير مقال أسبوعي لم يتخلف عن كتابته طيلة سبعين عامًا. يعيش في بيت بمفرده بعد أن كبرت سنه ولم يتزوج. البيت ورثه عن أبيه ويطل على الميناء ولا يصدق أحد أن ساكن هذا البيت الجميل واحد من الفقراء. وتحكي الرواية أن خادمة عجوز تأتي إليه أسبوعيًّا لتنظف البيت نظير بيزيتات قليلة. ولم يكن الصحفي هذا يفعل شيئًا سوى كتابة المقالة الأسبوعية وحضور بعض الحفلات الموسيقية وتغطيتها للجريدة التي يعمل بها.

فحياته إذًا على هذا الشكل؛ وحدة حيث لا زوجة ولا أبناء ولا عمل يستغرقه ولا أصدقاء يقضي معهم وقته ولا موهبة يستفرغ فيها طاقته الإبداعية. فكيف تعامل مع جسده وروحه حتى بلغ التسعين؟

هنا تبدأ الرواية ويبرز خيطها الدرامي ومعه تتصاعد الأحداث. وهنا تأتي الصراحة العارية التي يدهشك بها الكاتب، والتي من خلالها تطَّلع على جوانب من شخصية هذا التسعيني لم نكن لنعرفها بهذا العمق لولا ماركيز.

يتذكر الصحفي صباه ويحكي أول حادثة وقعت له حينما ساقته قدماه إلى بيت للعاهرات وكيف أنه ارتبك رغم تأجُّجه بالشهوة وغادر دون أن يفعل شيئًا ثم ندم وعاد في اليوم التالي ونجح فيما أخفق فيه من قبل، ومذاك وهو يتردد عليهن حتى إنهن أنسينه الزواج وقلَّلن الدافع إليه. ولا يحكي عن حياته السرية مع العاهرات فقط بل أيضًا مع بعض أولاد الشوارع في تجربة لم تدم طويلًا.

وفي الليلة التي سيحتفل فيها بعيد ميلاده التسعين حرَّكه الشوق لاستعادة ذكرى ليلة من لياليه مع تلك العاهرات اللواتي كن يمارسن الجنس معه. فاتصل بصاحبة دار يرتادها الباحثون عن المتعة، وكان على علاقة صداقة قديمة بها وقت أن كان زبونًا دائمًا عندها قبل عقود، فرحبت به واستمعت إلى مطلبه الذي حدده في المبيت ليلة مع فتاة عذراء.

أحضرت صاحبة الدار تلك الفتاة وجهزتها لليلة الحمراء ودخل عليها الصحفي العجوز فوجدها مستغرقة في النوم من أثر مخدر تناولته، فجلس بجوارها يتأمل جسدها العاري، واستغرقه التأمل حتى أنساه تأمله الشهوة التي جاء لإشباعها. وراح ماركيز يصف ببراعة هذا المشهد الذي يجمع رجلًا مسنًّا هرمًا بفتاة في شرخ الشباب، وصف شبيه بما كتبه الروائي الياباني، كواباتا، في روايته المشهورة “بيت الجميلات النائمات”. لقد جرَّد ماركيز الحدث وطفق يتكلم عن الجسد حينما يستكين للنوم فيما تستيقظ الروح وتبدو كما لو كانت كائنًا متجسدًا يفكر ويتكلم، وهنا، ينقلب المعنى في ذهن القارئ الذي يقارن بين متعة النظر إلى جسد عارٍ لإحدى الجميلات النائمات والنظر إلى الروح الإنساني الساكن هذا الجسد وما ينطوي عليه من جمال نوراني يأخذ بالألباب.

تستمر أحداث الرواية ويُغيِّر وجود الفتاة الصغيرة في حياة الصحفي العجوز فكره ونظرته وفلسفته في الحياة بعد أن تغيَّر نظره للجسد بإدخال عنصر الروح إلى تلك النظرة فأحدث ذلك تحولًا كبيرًا في حياته، انعكس على كتابته التي وجد القراء فيها لونًا جديدًا ومذاقًا مختلفًا عما اعتادوه منه على مدى سبعين عامًا.

وماركيز في هذه الرواية هو ماركيز، وأنت في منتصف قراءته يهرب منك الخيط الفارق بين الواقع والمتخيل، ويأسرك أسلوبه، وتهزك حكمته التي ينثرها في ثنايا العمل على هيئة خلاصات مغايرة لما اعتاد عليه تفكيرك، وقبل ذلك وبعده يحفر في وجدانك بصدقه الفني أخاديد تستعصي على النسيان، وتدفعك لأن تكون أمام نفسك أكثر شجاعةً وأعمق إيمانًا، مرددًا بعد فراغك من القراءة: حان الوقت لأن أتطهر كي أتغيَّر.

 

(16) #كتب_تقرؤنا – ذكريات عن غانياتي الحزينات – جابرييل جارسيا ماركيزمن الصفحات الأولى تستغرقك روايات جابرييل جارسيا…

Posted by ‎محمد عبد العاطي‎ on Monday, March 30, 2020

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.