عروض كتب مقالات

عرض وقراءة كتاب كل رجال الباشا

سلسلة كتب تقرؤنا:
“كل رجال الباشا: محمد علي وجيشه وبناء مصر الحديثة” ل “خالد فهمي”

بقلم: الاستاذ محمد عبد العاطي – مصر

يستعرض هذا الكتاب بالوصف والتحليل الجيش الذي أنشأه محمد علي باشا (1805- 1848) باعتباره رمزًا للسلطة التي أثرت على الفرد والمجتمع في مصر وطبعتهما بطابعها. فهو كتاب لا يستهدف التأريخ لمحمد علي وفترة حكمه من أجل التأريخ وحسب وإنما بحثًا عن هذه السلطة التي نشأت وأنشأت الدولة المصرية وتأثيراتها الفكرية والنفسية والسلوكية والإدارية على البلاد. وقد استفاد المؤلف، الدكتور خالد فهمي، أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية في القاهرة، من بعض أفكار الفيلسوفين، الفرنسي ميشيل فوكو والأمريكي تيموثي ميتشل، عن السلطة وطوَّرها وحاول تطبيقها على الجيش الذي أنشأه محمد كدراسة حالة.

أراد المؤلف القول:

إنَّ محمد علي عاش ومات واليًا عثمانيًّا، ولا يمكن قراءة تاريخه قراءة صحيحة ودقيقة بعيدًا عن هذا السياق، فلم يكن “حاكمًا مصريًّا” وإنما وال من ولاة الدولة العثمانية أراد إدخال إصلاحات والقيام بعمليات تحديث لولايته حتى تكون من أقوى وأهم وأغنى ولايات الدولة العثمانية، ومن ثمَّ يصبح هو واحدًا من أهم وأقوى ولاتها وأكثرهم نفوذًا وثراءً. ولكي يحقق محمد علي هذا الهدف تخلص من خصومه السياسيين ممثلين في المماليك عن طريق مذبحة القلعة وتعقب الفارين منهم في طول البلاد وعرضها حتى قضى عليهم. وتخلص من الجنود الألبان الذين كانوا ينظرون إليه نظرة الندِّ للند، وكان من الصعب إخضاعهم وترويضهم، وذلك بإشراكهم في حملاته على الحجاز ضد الحركة الوهابية حتى قضت عليهم مشقة الطريق والمواجهات العسكرية هناك. وحينما ثبَّت دعائم حكمه في الداخل وجَّه كل جهده لإنشاء جيش يكون ذراعه القوية في فرض سلطته في الداخل وبسط نفوذه وتوسعة مملكته في الخارج. وحول هذا الجيش نشأت مؤسسات الدولة المصرية الحديثة، التعليمية والصحية والهندسية إلى آخره. كما نشأت البيروقراطية وطبعت عمل دولاب الدولة بطابعها، وتكوَّن بالتدريج الشعور الوطني المصري والإحساس بالهوية المصرية كنتيجة غير مباشرة لهذا كله.

تتحدث فصول الكتاب عن مراحل بناء الجيش وتوفير الموارد المادية والبشرية اللازمة لذلك، كما تتحدث عن علاقته بسلاطين الباب العالي وما تميزت به من شد وجذب وصلت في ذروتها إلى الاصطدام العسكري المباشر. ويستعرض المؤلف التحديات التي واجهت محمد علي في بنائه لجيشه وكان أهمها التصنيع العسكري والتجنيد والتدريب. ولكي يحل معضلة التصنيع العسكري أنشأ ترسانة الإسكندرية لصناعة السفن التي كانت عماد أسطوله البحري، وخاض حروبًا للاستيلاء على سوريا والأناضول بغية الحصول على الأخشاب اللازمة لذلك، كما استعان ببقايا ضباط الحملة الفرنسية الذين فضلوا البقاء في مصر، وتعاقد مع بعض الضباط أصحاب الخبرة من فرنسا وإنجلترا وإيطاليا.

أما مشكلة التجنيد، فقد حاول في البداية الاعتماد على السودانيين كمصدر بشري لكن المحاولة باءت بالفشل ونجم عنها كوارث إنسانية مروعة. ووثَّق الكتاب حملات محمد علي في السودان من أجل “اصطياد العبيد” واقتيادهم إلى مصر عنوة وقسرًا في ظروف إنسانية بالغة السوء؛ مما تسبب في موت أكثر من نصف أعداد من تم جلبهم، وفي النهاية قرر أن يبحث عن مصدر آخر للتزود بالمجندين، فاتجه نحو تجنيد المصريين.

تجنيد المصريين، لم يكن أمرًا سهلًا؛ إذ رفض معظم المصريين الانخراط في صفوف جيش محمد علي، وبذلوا غاية وسعهم للهروب من التجنيد الذين رأوا فيه نوعًا من السُّخْرة، وخسارةً لا تعود عليهم بنفع، خاصة وأن الواحد منهم سوف يترك أرضه بورًا لا تجد من يزرعها، وعياله عالةً لا يجدون من ينفق عليهم، فكان يتحايل على الإفلات من حملات التجنيد التي تنزل إلى القرى، حتى إن الأمر وصل بالكثير منهم إلى إحداث عاهات جسدية تجعلهم غير لائقين طبيًّا.

وقد حاول محمد علي بشتى الطرق إقناعهم، فرغَّبهم بالمميزات ومنها الرواتب المنتظمة والخدمات الصحية والكساء والغذاء، واستعان بـ”العلماء” التابعين لإقناعهم بأن تجنيدهم في جيشه هو خدمة للإسلام ودفاع عن العقيدة، لكن كل هذه المحاولات لم تكن مقنعة، واستغرق الأمر سنوات طويلة وجهدًا كبيرًا حتى ينخرطوا في صفوف الجيش جنودًا ملتزمين مطواعين لقادتهم، ومذاك أثبتوا كفاءة وانضباطًا لفتت أنظار الباشا، خاصة بعد الانتصارات التي حققوها في الدرعية واليونان فتوسع في تجنيدهم حتى وصلت أعداد المجندين منهم إلى قرابة 130 ألفًا.

ويخلص المؤلف من سرده المفصَّل لتمنُّع المصريين عن التجنيد وهروبهم منه وشعورهم بالظلم الواقع عليهم وهم داخل معسكرات جيش محمد علي نتيجة التفرقة والتمييز بينهم وبين نظرائهم الأتراك، سواء في الترقيات أو في الرواتب، إلى القول: إن الجيش المصري كان سببًا في تنامي شعور المصريين بهويتهم وقوميتهم هو قول لا أساس له، والوقائع التي استخلصها من الوثائق واللوائح والقوانين والمحاكمات تثبت عكس ما ذهب إليه المؤرخون ذوو الحس القومي كعبد الرحمن الرافعي ومحمد تيمور ولطيفة الزيات على سبيل المثال.

لكن المؤلف في الوقت نفسه يؤكد أن هذا الحس القومي للمصريين وشعورهم بهويتهم المصرية الذي نتحدث عنه قد تولَّد بشكل غير مباشر نتيجة وجودهم معًا داخل معسكرات الجيش كمجموعة عرقية واحدة، تتحدث لغة واحدة، ولها هموم مشتركة، أبرزها عدم المساواة بينهم وبين رفقائهم الأتراك. كذلك نما الشعور الوطني المصري نتيجة التحديث الذي شهده قطاع التعليم ونتاجًا لعمل البعثات وتكوُّن هذه النخبة المصرية من “الأفندية” الذين استطاعوا البروز فبرزت معهم “مصريتهم”.

وقد خصَّ الكاتب موضوع بنية السلطة، بشيء من التفصيل في كتابه، فتتبع تكونها وأثرها على الفرد والمجتمع، وبدأ بأصغر وحدات هذه البنية وهي مشايخ القرى الذين كانت مهمتهم المساعدة في تجنيد المصريين والإبلاغ عن المتهربين منهم، وذكر المؤلف بعضًا من الحوادث المتعلقة بمعاقبة الباشا لهؤلاء المشايخ الذين رفض بعضهم التعاون وأصرُّوا على مساعدة أبناء جلدتهم في التخفي والهرب.

كما تحدث عن مسألة “الهوية/وثيقة السفر” التي استحدثها محمد علي مستفيدًا من تجربة مماثلة في إسطنبول، والهدف من هذه الوثيقة المدون فيها اسم الفرد وقريته وموقفه من التجنيد هو حصر من يصلح للتجنيد ومعرفة من منهم أدى هذه الخدمة ومن تخلف عن أدائها؛ إذ كان الفرد مطالَبًا باصطحاب هذه الهوية معه أينما تنقل وإلا قُبض عليه وتم التحقيق معه، ومن هنا نشأت “السلطة الإدارية”. ومن طريف ما لفت نظر المؤلف كلمة “قيد” المستعملة في تدوين الأسماء بالسجلات الحكومية وإشارته إلى منبعها وسياقها وهو “تقييد” حرية الفرد، وكيف أنه -بمثل هذه الوسيلة الأقل وحشية عن سابقاتها الخاصة بمعاقبة الجسد- بدأ مفهوم الطاعة والانقياد والخوف من السلطة يتسرب تدريجيًّا إلى قلوب وعقول المصريين.

وفي حديث مسهب خصَّ الكاتب يوميات الجنود المصريين في معسكراتهم، فاستعرض ماذا كانوا يأكلون ويلبسون، وكيف كانوا يتدربون، وما اللوائح التفصيلية التي وُضِعت لحركاتهم وسكناتهم، والعقوبات على كل خطأ يرتكبونه صغيرًا كان أم كبيرًا، وكان الهدف من وراء هذا الإسهاب هو نقل صوت الجندي وجعله يتحدث عن نفسه، اعتقادًا من المؤلف أن التاريخ الحقيقي ليس هو الرواية الرسمية التي تروجها السلطة (سلطة محمد علي) وإنما ما يقوله الجنود أنفسهم، وقد حاول استنطاق الوثائق ومحاضر المحاكمات، ونجح -كما يقول- أحيانًا وأخفق في أحيان أخرى.

عمومًا، يخلص الكتاب إلى جملة من النتائج، قد يتفق القارئ أو يختلف معها، من أبرزها أن تاريخ مصر الحديث له سردية مغايرة عن تلك التي حاولت السلطة ومؤرخوها تقديمها، ومنها فترة حكم محمد علي وتأسيس جيشه وبناء الدولة المصرية الحديثة؛ إذ كان هذا الجيش معنيًّا بتحقيق طموح “الوالي العثماني” وبسط نفوذه وتعظيم ثروته وتوريث مملكته لأبنائه من بعده، وهو ما نجح فيه في سنواته الأخيرة بعدما اعترفت له إسطنبول، وباركت هذه الاعتراف بريطانيا، بمصر والسودان له ولأبنائه من بعده. وأن الجيش -نموذج السلطة وعنوانها- ترك بصماته على مجمل الحياة المصرية، سياسيًّا وفكريًّا وإداريًّا، وأن هذا التأثير لا يزال مستمرًّا حتى يومنا.

من حسنات الكتاب، هذه الجدة في القراءة والجرأة في الاستنتاج، والجسارة في تقديم رؤية مغايرة عن السياق المتعارف عليه، وهذه الغزارة المعلوماتية، والمنهجية العلمية التي جمعت بين الإطار الفلسفي (عن السلطة والدولة والمجتمع) وبين التوثيق والاعتماد على المصادر والوثائق ووضعها في سياق يستنبط منها ما بين السطور.

وقد يؤخذ عليه ندرة اشتباكه مع الكتابات المصرية والعربية التي تناولت فترة حكم محمد علي والاكتفاء بالاعتراض على سرديتها التي تصوِّر محمد علي بطلًا “قوميًّا مصريًّا”. صحيح أنه تناول بعض كتابات الرافعي وتيمور ولطيفة الزيات وغيرهم لكنه كان قليلًا وسريعًا، رغم أن كتابه هو محاولة لتقديم قراءة مغايرة لمسار أغلب مؤرخي هذه الفترة من تاريخ مصر الحديث.

 

(15) #كتب_تقرؤنا – كل رجال الباشا – محمد علي وجيشه وبناء مصر الحديثة – خالد فهمييستعرض هذا الكتاب بالوصف والتحليل…

Posted by ‎محمد عبد العاطي‎ on Sunday, March 29, 2020

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.