سياسة مختارات مقالات

هل نعيش أزمة فيروسية أم أزمة معرفية؟!

كتب الاستاذ/ شادي عمر الشربيني:

أزمنة كورونا الأخرى.. هل نعيش أزمة فيروسية أم أزمة معرفية؟!

أستطيع أن أقول بضمير مستريح، أن كل الأرقام المعلنة حول العالم بشأن عدد المصابين بفيروس «كوفيد – 19» أو «COVID-19» هي أبعد ما تكون عن الحقيقة وبالتأكيد هي تجافي أي تحديد أو دقة. والسبب بسيط، أنه لا يتعرض للكشف والتحليل لمعرفة هل الشخص مصاب بالفيروس أم لا سوى هؤلاء الذين تظهر عليهم أعراض معينة، ويذهبون أو يبلغوا هذه الاعراض لجهة تحلل وترصد وتحصي. في حين أن هناك إجماع في الاوساط العلمية أن أغلبية كبيرة من الذين يصابون بهذا الفيروس، لا تظهر عليهم أي أعراض، بل ويشفون منه بدون أن يشعروا أنهم أصيبوا بأي شيء!

  إذا وضعنا هذا المعلومة في سياقها الصحيح، بجانب ما نراه ونعايشه هذه الأيام من أنه لا يحدث تصاعد انفجاري لأعداد المصابين بهذا الفيروس في أي دولة إلا بعد أن تتوسع في إجراء التحليلات لمواطنيها، فاعتقد أننا نجد انفسنا في مواجهة سؤال وهو، ما هي النسبة الحقيقية لأعداد المتوفين بسبب الاصابة بهذا الفيروس؟!

  هل هي تتراوح بين 3 إلى 4% كما هو متداول أم أنها ستنخفض إلى أقل من ذلك بكثير إذا أخذنا في الاعتبار الاعداد الواسعة جدا من الذين أصيبوا بذلك الفيروس وشفوا منه بدون أن يشعروا؟

لماذا أثير هذه المسألة؟

لأنه حتى مع ما يعلن من رقم متصاعد لضحايا هذا الفيروس، فإن هذا الرقم يجب أن نضعه في مقارنة مع عدد ضحايا مرض الانفلونزا سنويا على سبيل المثال، والذي يقارب 700 ألف، مع العلم أن خبراء كثيرون يشيرون إلى أن عدد ضحاياها على الأرجح أكبر من ذلك بكثير، لأن كثير من حالات الوفاة التي يتم تسجيلها على أنها بسبب التهاب رئوي أو فشل في الجهاز التنفسي ويتم تجاهل أن السبب الرئيسي فيما حدث هو الاصابة بالأنفلونزا!! كما أن أمراض القلب تتسبب في وفاة في قتل أكثر من 8 ملايين في العام. ولن نتحدث عن أعداد المتوفين نتيجة السرطانات المختلفة سنويا.

أعتقد أن القصد واضح من إيراد ما سبق، والرد على هذا القصد هو أن أيا كان عدد من يموتون بالـ «كوفيد – 19»، وهو عدد يتزايد بشكل كبير مع أنتشار الفيروس، فإننا لا يجب أن نعدم وسيلة لإنقاذ ولو فرد واحد من الموت، فما بالك بالألوف، وربما مئات الألوف بل والملايين..!

ومثل هذا الرد له كل الوجاهة والاحترام، ولكن الدعوة لتقدير الحقيقي لعدد ضحايا الـ «كوفيد – 19»، هو دعوة لفهم طبيعة الخسائر الناجمة عن هذا الفيروس، لأنه إذا ثبت مثلا أن ضحايا الانفلونزا لا يزيدون عن ضحايا الـ «كوفيد – 19»، فلماذا لم ولا نتخذ ضد الانفلونزا تلك الاجراءات التي نتخذها في مواجهة «كوفيد – 19»؟

الرصد المباشر لضحايا «كوفيد – 19» يشير إلى أن نسبة الوفيات بهذا الفيروس هي أكبر بثلاث إلى أربع مرات نسبة وفيات المصابين بالأنفلونزا، وذلك مبرر كافي جدا لإجراءات نتخذها في مواجهة «كوفيد – 19» تختلف جذريا عن طريقة تعاملنا مع الانفلونزا. وهنا نكرر مرة أخرى أن تلك النسبة من الوفيات نتيجة «كوفيد – 19» هي في حاجة إلى مراجعة عميقة وطويلة نتيجة للجهل التام تقريبا بالأعداد التي أصيبت بالفعل بهذا الفيروس، وبالتالي وضع تقدير واقعي عن نسبة الوفيات الناتجة عن الإصابة به.

إن اجراءات مواجهة «كوفيد – 19» وصلت إلى وضع البلاد بأكملها تقريبا تحت الحجر الصحي، وهذا وضع مدمر بشكل كامل لاقتصاد أي بلد. فيما يبدوا أن الرهان أن هذا الوضع لن يستمر طويلا ولكن حتى مجيء الصيف، حيث أشارت دراسات وأبحاث علمية كثيرة في المدة الأخيرة إلى وجود إمكانية معززة بأدلة وقرائن، أن ارتفاع الحرارة والرطوبة يبطئ من درجة تفشي “كورونا” المستجد، ولكن لا دليل شافيا وافيا بأنه يقضي عليه نهائيا.

بناء على ذلك فإن التقديرات في الغرب، سواء أوروبا أو البنتاجون في الولايات المتحدة الأمريكية، أن تستمرّ الأزمة الناجمة عن فيروس «كورونا المستجد» «أشهراً عدة» قبل أن تبدأ عودة الحياة إلى طبيعتها، ونشدد هنا على كلمة تبدأ، بحلول حزيران/يونيو – تموز/ وليو. فهل تستطيع الاقتصادات تحمل تلك المدة، إن أقتصر الأمر عليها بالفعل، من الحجر والحظر الصحي الذي يشل عملية الانتاج ويصيب الأسواق بالسكتة؟!

لقد أشارت مديرة صندوق النقد الدولي كريستينا جيورجيفا، إنه «من الواضح أننا دخلنا ركوداً سيكون أسوأ ممّا حصل في عام 2009 إثر الأزمة المالية العالمية». وطبقا للسيناريو المطبق عالميا الان لاحتواء فيروس “كورونا” المستجد («كوفيد – 19»)، فإنه يجرى إغلاق جميع المطاعم والفنادق وشركات الطيران والسلاسل العملاقة والمحلات التجارية الصغيرة، حيث أمرت مدن وولايات ودول بأكملها، بإغلاق الشركات غير الضرورية وأوعزت الناس بالبقاء في منازلهم. وقدرت الأمم المتحدة أنه يمكن فقدان ما يصل إلى 25 مليون وظيفة في الاضطرابات الاقتصادية، وهو ما يفوق بكثير ما حدث خلال الانهيار المالي العالمي عام 2008.

فنجد على سبيل المثال أن الهند أصبحت تكافح لإطعام مواطنيها، حيث صدرت أوامر لنحو 1.3 مليار شخص في البلاد بالبقاء في منازلهم، تم طرد الكثيرين من عملهم، مما ترك العديد من العائلات تكافح من أجل العثور على شيء يسد رمقهم. ويشكّل سائقو مركبات الركاب الهوائية، والباعة المتجولون، والخادمات، و”عمال اليومية”، وغيرهم من العمال ذوي الأجور المتدنية، العمود الفقري للاقتصاد الهندي.

إيطاليا أيضا أغلقت معظم صناعتها، حيث قدر لوبي “كونفيندوستريا ” الصناعي تكلفة الأزمة على الاقتصاد الوطني، بما يتراوح ما بين 70 مليار إلى 100 مليار يورو (77 مليار دولار – 110 مليار دولار) شهريا، إذا تم إغلاق 70 بالمائة من الشركات، كما هو متوقع.

في أوروبا، تسرح الشركات العمال بأسرع وتيرة منذ عام 2009، وفقا لاستطلاعات مديري الأعمال.

أما الحكومة البريطانية فكشفت النقاب عن جهود إغاثة تستهدف هذه المرة الاقتصاد الضخم، حيث يواجه العديد من العاملين أزمة مالية. وستقدم الحكومة منح للعاملين لحسابهم الخاص بما يعادل 80 بالمئة من متوسط أرباحهم الشهرية، حتى 2500 جنيه إسترليني (2975 دولارا) شهريا. كما توجهت جنوب إفريقيا، إلى إغلاق لمدة ثلاثة أسابيع بدءا من الجمعة، بالرغم من أن البلد في حالة ركود بالفعل، بمعدل بطالة يبلغ 29 في المائة.

وفي الولايات المتحدة بدأ “نزيف الوظائف”، إذ بلغ عدد الأميركيين الذين تقدموا بطلبات للحصول على إعانات من البطالة 3.3 مليون أميركي في الأسبوع الثالث من شهر مارس، وذلك العدد يمثل نحو خمسة أضعاف الرقم القياسي القديم، الذي تم تسجيله عام 1982. في مواجهة ذلك قامت الحكومة الفيدرالية بتقديم حزمة إنقاذ اقتصادية غير مسبوقة بقيمة 2.2 تريليون دولار لمساعدة الشركات والمستشفيات والأميركيين العاديين على الخروج من الأزمة، والتي وافق عليها مجلس الشيوخ. هذه الرقم الترليوني (المهول) يشير كثير من الخبراء الاقتصاديين أنه مجرد رقم مبدأي ومرشح بشدة أن يتم مضاعفته خلال الأيام القادمة. فإذا كان أكبر وأضخم اقتصاد على الكوكب يعاني بهذا الشكل الفادح، ويقدم حزم دولار تريلونية من أجل تفادي الانهيار الكامل، فماذا عن اقتصاداتنا نحن في الدول العربية؟!

نحن جميعا نعرف مدى ضعف وهشاشة الاقتصادات العربية، خصوصا تلك الغير نفطية، وزاد على ذلك في السنوات العشر الأخيرة موجات الربيع العربي، التي جعلت تلك الاقتصادات إما في حالة انهيار تام أو ترنح على حافة الهاوية في أفضل الأحوال. لذلك فالإغلاق القسري الناجم عن تفشي فيروس «كورونا» يأتي بعد سنوات وأشهر من أزمات مالية واقتصادية حادة، وكان من نتيجته ارتفاع في أعداد المصروفين من العمل وتخفيضات على مداخيل من بقوا في وظائفهم. وإلزام الناس بالحجر المنزلي له تبعات كارثية على المياومين واصحاب الأعمال الحرة والأجراء، وكل من ليس لديه مدخول ثابت.

يخال لكثيرين أن الحديث عن الانهيار الاقتصادي هو فقط حديث عن انهيار مداخيل وفقدان وظائف وانكماش في الاعمال، لكن ما سبق يتم ترجمته إلى تداعي شامل في النظام الاجتماعي والسياسي، نتيجة تفشي الجريمة، بعد سداد أبواب الدخل المشروع، وذلك يتلوه بالضرورة اضطرابات وفوران اجتماعي منفلت يؤدي إلى خسائر في الأرواح أشد فتكا بكثير من أي فيروس!

نعم.. هذا المقال يريد أن يقول بمنتهى الصراحة والوضوح، أن ما نشهده الأن من اجراءات مكافحة فيروس “كورونا” المستجد، يحمل تبعات أشد فتكا بكثير من انتشار الفيروس نفسه. فهو دعوة للتعقل في مواجهة هيستريا تجتاح العالم وتلزم الجميع تقريبا باتباع نفس الروشتات، فإذا كانت اقتصادات كبرى ومتقدمة جدا تستطيع دفع أثمان فادحة مقابل ذلك، وهو أمر مشكوك فيه من قبل الكثير من الاقتصاديين الغربيين أنفسهم، فهل نحن بالفعل قادرين على دفع تلك الأثمان؟؟!!! أم ان الثمن الحقيقي هو بقاءنا ذاته؟!

يبدوا أن وجهة النظر التي نقدمها هنا، هي سباحة يائسة ضد تيار هادر وكاسح، وصرخة جنون هزيلة وسط سيادة كاملة لصوت العقلاء من المنظمات العالمية والحكومات والدوائر التي تقود عالمنا الأن وتشكله. لكن بالرغم من كل ذلك فإن قناعة متزايدة ترسخا لدي، أن السردية المتقدمة في هذا المقال تستحق أن تطرح وتأخذ مجالها في النقاش الدائر حول تلك الجائحة، وردود الفعل عليها.

إنها ليست دعوة للتمرد الاني والفوري ضد إجراءات الحجر والعزل الصحي التي يتم نشرها وتطبيقها حاليا، والتي ستسفر عن عالم أكثر جفاءنا وانطواءنا بين أفراده وهو الذي كان من قبلها يعني من برودة زاحفة إلى أوصاله وقلبه ذاته. ولكنها دعوة إلى أن لا نستسلم بشكل كامل لتلك الاجراءات، فيجب أن يكون لها مدى منظور. فإذا كان أكثر من ثلاث أرباع العالم بدأ يعاني بالفعل من تصاعد صاروخي في معدلات التوتر والقلق والاكتئاب وتراكم شحنات متفجرة ناتجة عن الاحتجاز المنزلي واحتكاكات أفراد الأسر خلف الجدران، فإنه في الوقت ذاته تصرح وتصر منظمة الصحّة العالميّة على أن لا أحد في هذا الكوكب، يستطيع أن يُحدّد متى ينتهي هذا الفيروس !!!

فإذا ما هو المدى المطلوب لاستمرار تلك الإجراءات القاهرة؟!

إن الاوضاع، في بلادنا ومنطقتنا المنهكة والمأزومة على الأقل، لا يمكن أن تعيش مع هذه الإجراءات، لأكثر من أسبوع أو أسبوعين أخرين بحد أقصى ، وبعدها سيكون المواصلة على هذا المنوال أمر انتحاري. أي أنه على منتصف أبريل القادم على أقصى تقدير، يجب البدء في إرخاء تلك الاجراءات وتقليصها، وربما يساعد على ذلك أن قدوم الصيف في منطقتنا وصعود درجات الحرارة يكون فيها قبل أوروبا بوقت ليس بقليل، مما يساهم في تقليص المدة التي يعلن الغرب أن من المفترض أتباع تلك الاجراءات في بلاده. أما إذا تم الإصرار على أن ذلك ليس كافي من أجل احتواء ذلك الوباء، فإن الأمر يقتضي في وجهة نظري مقاربة لتلك المسألة مختلفة بشكل جذري.

فعلى سبيل المثال، لا يمكن أن يشمل العزل الصحي وقتها الجميع، بل يكون انتقاءي وفئوي، أي يخضع له فقط هؤلاء الذين فوق الستين أو يعانون من أمور تجعل من السهل أن ينال منهم الفيروس، ويكون ذلك باستغلال جميع الاماكن التي أصبحت فارغة نتيجة التوقف التام لحركة السفر والسياحة، مع توفير أخرى بالتأكيد، لعزل تلك الفئات بعناية ورفق وكرامة، في الوقت الذي يتم فيه إطلاق سراح الغالبية، مع تطبيق بروتكولات معتدلة وعملية للتطهير والنظافة، للسعي والدفع بدولاب العمل وعملية الانتاج لتوفير مختلف المواد الغذائية والدوائية والخدامات والبضائع اللازمة لاستمرار الحياة وبقاء المجتمع وانعاش الاقتصاد.

إن النقطة الرئيسية التي انطلقت منها هذه القراءة لأزمة فيروس “كورونا” المستجد، هي أن زمن تلك الأزمة ليس احادي البعد، بل هو متعدد في أبعاده، وكأنها أزمنة متوازية نعيشها كلها معا في آن واحد، لذلك فمن العبث أن يستغرق كل تفكيرنا زمننا واحد منها، لاهين عن أزمنتها الأخرى التي تجتذبنا بقوة ثقب أسود يلقي بنا إلى العدم. لذلك فإن المعرفة الصحيحة الواعية تقتضي النظر إلى كل أزمنتها وأبعادها، وإلا ستكون معرفة مبتسرة ضيقة، وبالتالي قاتلة..!!! تمنعنا من رؤية الجانب السياسي لها، والذي في تقديري التي يتم طمسه وتجاهله عن قصد وعمد في أحيان كثيرة.

هي دعوة أن لا تخضع دولنا ومجتمعاتنا بشكل آلي وآني لطرائق وأساليب تملى علينا من الخارج، بدون إدراك العواقب الكاملة لتطبيقها. فإذا كانت المشاركة في مواجهة تلك الجائحة فرض عين على كل من يسكن هذا الكوكب، فإن تلك المشاركة يجب أن تكون عن وعي وبأعين مفتوحة ومن موقع المستقل. إنها دعوة أكتبها بشعور كامل بمسئولية الكلمة، وواجب الضمير اليقظ والعقل النقدي الجسور الحر.

  ولتكن الصحة والسلامة والعافية والأمل للجميع.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.