أدب و تراث عروض كتب مقالات

عرض كتاب مارتن لوثر للكاتب حنَّا الخضري

سلسلة كتب تقرؤنا:
كتاب “مارتن لوثر: حياته وتعاليمه” ل “حنَّا الخضري”

 

بقلم / الأستاذ محمد عبد العاطي

يتحدث هذا الكتاب، لمؤلفه الدكتور القس حنَّا الخضري، عن مارتن لوثر، المصلح الديني الذي وُلد في ألمانيا منتصف القرن الخامس عشر، ودرس في مدارسها وجامعاتها، وترهبن لبضع سنين ثم خرج من الدير واشتغل أستاذًا للاهوت، وعكف على الكتاب المقدس ترجمة وشرحًا وتفسيرًا.

كان العصر الذي عاش فيه مارتن لوثر يحمل في أحشائه أجنَّة تغييرات كبرى على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وحينما ظهر مارتن لوثر أضاف إلى تلك التغييرات تغييرًا دينيًّا كبيرًا تجلى فيما بات يُعرف بحركة الإصلاح الديني وما تمخض عنها من بروز المذهب البروتستانتي، ثم دوران عجلة النهضة التي أخرجت أوروبا من ظلام عصورها الوسطى.

كان الشاب الراهب، مارتن لوثر، دؤوبًا على العبادة خوفًا ورهبًا من يوم الدينونة وشدة الحساب. كان الإله في مدركه إله عدل وعقاب أكثر منه إله محبة ورحمة. وكانت حيرته شديدة وتساؤله لا ينقطع: ماذا أفعل لو لم يؤهلني عملي (الصالح) لنيل الخلاص؟ كيف سيكون مصيري؟

وشاءت الأقدار أن تسوق إليه معلمًا ومربيًا كبيرًا هو رئيس الأديرة الأوغسطينية في ألمانيا، يوهان ستوبيتز. يبدو أن هذا الرجل كان له تأثير روحي عميق، كما كانت له نظرات ثاقبة في هذه الموضوعات التي تشغل بال شاب مجتهد كمارتن لوثر.

ربَّت ستوبيتز على كتفيه وحاوره بحب وعمق حتى أقنعه أن الخلاص يكون بالإيمان أولًا ثم بالأعمال الصالحة التي تكون ثمرة من ثمراته ثانيًا. تنزلت هذه الكلمات بردًا وسلامًا على قلب مارتن لوثر وغيَّرت مجرى حياته، وكانت أساسًا بنى عليه موقفه من انحرافات الكنيسة الكاثوليكية وبالأخص فيما يتعلق بصكوك الغفران واعتراضاته الـ95 عليها.

وقبل أن تصاب أيها القارئ العزيز بالملل نتيجة هذا الاستطراد دعني أعطيك فكرة سريعة عن صكوك الغفران هذه لأن بها معلومة كانت غائبة عني قبل مطالعتي لهذا الكتاب، ثم أنتقل إلى ربط ذلك بالواقع الذي نعيشه وأختم ببعض الإسقاطات التي أحسب أنها ستكون مفيدة لمن ينظرون لما يحدث لنا نحن العرب حاليًّا من منظور حضاري.

فما قصة صكوك الغفران؟

قبل الإجابة على هذا السؤال لابد من معرفة مصطلح كاثوليكي مهم اسمه “المطهر”، وهو مكان تذهب إليه أرواح الموتى الذين قصرت بهم أعمالهم الصالحة ولم تؤهلهم لدخول ملكوت السماء حيث النعيم المقيم. في هذا المكان يعاقبون على الذنوب الصغيرة (اللمم) ويقضون فترة العقوبة المستحقة ثم بعد ذلك ينتقلون إلى السماء بعد أن يكونوا قد تطهروا من ذنوبهم وتخففوا من آثامهم.

هنا، يسارع أهل الميت المؤمنون بمسألة المطهر هذه إلى اختصار فترة العقوبة على متوفاهم فيقدمون الصدقات والذبائح والقرابين على روحه كي يناله ثوابها ولا يطول بقاؤه في المطهر يعاني العذاب ويكابد العقاب.

هذا هو المدخل الذي دخلت منه الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى وابتدعت فكرة بيع صكوك غفران تختصر على مشتريها زمن البقاء في المطهر، وكلما اشترى الشخص صكوكًا كثيرة مَرَّ سريعًا من المطهر وربما لا يحتاج إلى المرور به ابتداءً.

لكن السؤال: من أين تحصل الكنيسة على شرعية صَكِّ صكوك للغفران؟

وجد الباباوات لذلك مخرجًا؛ فقالوا: إن من أبناء الكنيسة من هم قديسون زادت أعمالهم الصالحة عما يحتاجون إليه لدخول السماء والتمتع بنعيمها الأبدي. فلنتصرف في هذه الزيادة ونبيعها لمن يدفع ثمنها! وفي عهد مارتن لوثر، أعلن البابا ليون العاشر أن بحوزته صكوكا تكفي لاختصار 127 ألف سنة في المطهر! كما أورد ذلك الدكتور القس حنا جرجس في كتابه المشار إليه آنفًا.

هو كنز ثمين إذًا! أموال مجمدة في صورة صكوك هو والإمبراطور في حاجة ماسَّة إليها. الإمبراطور للإنفاق على توسعة إمبراطوريته، والبابا للإنفاق على توسعة كنيسته. لكن لا الإمبراطور ولا البابا بارعان في فنون البيع ومهارات التسويق، فلابد من الاستعانة هنا بطرف ثالث يتعهد ببيعها نظير نسبة له.

وبالفعل، لم يكن العثور على هذا الشخص عسيرًا؛ إذ وجدوا بغيتهم في الكاهن الدومينيكاني، يوحنا تتزل، الذي جمع بين موهبتي الخطابة والتجارة في آن واحد، كما أنه اندفع إلى ذلك لتسديد ديون له كانت لأحد المصارف. كان الاتفاق أن يأخذ الإمبراطور نصف الأرباح ويُقسَّم النصف الثاني بنسبة ٣٠٪ للبابا و٢٠٪ لتتزل. وبدأت العجلة تدور. كل الأطراف راضون. المورِّد ممثَّلًا في البابا والإمبراطور والوكيل ممثلًا في الكاهن والمشتري هم عموم الشعب، فما دخلك أنت يا لوثر؟ لماذا تغضب وتثور فيما الكل راض؟

رفضت نفْس مارتن لوثر التي آمنت بأن الخلاص مرهون بالإيمان والعمل الصالح هذه المسألة، ووجد أن الناس تمادت في ارتكاب الموبقات وإذا وعظهم واعظ سخروا منه، وقالوا: وفِّر على نفسك نصائحك فصكوك الغفران في جيوبنا.

وكانت الدعاية لهذه الصكوك كبيرة، كان الكاهن يقول: مع أول رنَّة لدراهمكم في الصندوق ستُغفر لكم خطاياكم.

انبرى لوثر للاعتراض على صكوك الغفران وكتب باللاتينية 95 سببًا يبرر به اعتراضه هذا، وسرعان ما ترجم تلامذته هذه الأسباب إلى الألمانية فازدادت انتشارًا.

ويصل الأمر إلى البابا، فيغضب على لوثر ويأمر باستتابته عن آرائه وإلا أُحرق بالنار هو وكتبه.

وتستمر الأحداث وتتصاعد وتيرتها، ويحبس القارئ أنفاسه وهو يتابع وقائعها، وتصل الإثارة والتشويق إلى الذروة حينما يُختطف مارتن وهو عائد من إحدى هذه المحاكمات التي عُقدت له ويتم إخفاؤه في إحدى القلاع بمعرفة صديقه وحاميه، الملك فريدريك، ثم قراره بعد عدة أشهر العودة إلى مدينته، فيتمبرج، والتي كانت الأمور قد وصلت فيها إلى درجة الغليان، وسرعان ما انفجر الوضع إلى ثورات عارمة قام بها الفلاحون ضد الأمراء المستغلين، وما رافق ذلك من قتل ونهب ودمار وقطع للرؤوس وحرق للأحياء…إلخ، وقد وسقط خلال تلك المواجهات أكثر من ١٠٠ ألف قتيل، وكان لوثر خلالها يقف، وعلى غير المتوقع، مع الأمراء ضد همجية الثوار الذين أسماهم “الكلاب المسعورة”، ربما لبشاعة عمليات الانتقام التي قاموا بها.

وتنتهي الثورة، وتمر السنون، وتزداد على لوثر الضغوط، ويستمر هو في التأليف والوعظ وتكوين التلاميذ والأتباع الذين سيحملون عبء الإصلاح من بعده وينشرونه عبر العالم. والبابا من جانبه لا يتوقف عن محاربة لوثر وإصدار قرار بحرمانه والضغط على الملك فريدريك لتسليمه، ثم يجئ ما لم يكن في الحسبان: انتصارات للعثمانيين تغيِّر موازين القوة وتهدد أوروبا بأكملها، وتجعل من قضية لوثر مسألة هامشية؛ فتهدأ قليلًا وتيرة الحروب الدينية ومعها تهدأ روح مارتن وتغادر جسده بعد صراع قصير مع المرض وتصعد إلى السماء.

هذا إذن هو كتاب مارتن لوثر، فما الانطباعات التي ربما تبقى عالقة بالذهن بعد نسيان التفاصيل؟ ربما سيتذكر القارئ ما حاول المؤلف التأكيد عليه وهو أن العلمانية التي تبنتها أوروبا هي حل لمشكلة سياسية اجتماعية واجهتها بأكثر من كونها أيديولوجية أو نظرة للكون وفلسفة للحياة. والفكرة الثانية هي أنه ليس ثمَّة شعب تسير في شرايينه جينات التحضر وتتناقلها أجياله بالوراثة، فكل الأمم مرَّت بفترات من ضعف الفكر الديني والاستبداد السياسي، انعكست عليها تدنِّيًا في الأخلاق وتخلُّفًا في القيم وهمجية في السلوك، كما تجلَّت في ثورات وثورات مضادة، وحروب وصراعات ودماء وقتل وخراب، قبل أن تجد في النهاية حلولًا تاريخية لمشكلات الحكم وإدارة الشأن العام وفق نماذج عقد اجتماعي استخلصوها بالدمع وعمَّدوها بالدم.

 

 

 

 

https://www.facebook.com/mabdualati/posts/10163292616070711

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.