أدب و تراث

البشرية في عين عاصفة كورونا

كتب الروائي خلوصي عويضة

لا تزال البشرية جمعاء في عين عاصفة جائحة كورونا، ويصعب تجميع أجزاء المشهد ففصوله تتوالى لكن المؤكد أن التجربة غنية بالدروس والعظات…

لطالما كان دأب الدنيا وطبعها أن تعجّ بالجراح والمآسي دون أن تعبأ بالضعفاء الذين لا حيلة لهم غير تمجيد آلامهم على سبيل التسرية والمواساة، ها نحن اليوم؛ خلافا للمألوف “حاشا الشماتة إنما العبرة هي الغاية”؛ بصدد رصد مشهد تساقط الأقوياء، يبدو أن المأساة الإنسانية تعيد إنتاج ذاتها بسبب استمرار إخفاقها في ممارسة تحكما واعيا وضبطا أخلاقيا ذاتيا لتعديل مسار غرورها الكاسح، إن الغرور بذاته ولذاته؛ منذ نشأة الخلق وهو ينتج جهلا يصيب بصيرة الإنسان في مقتل.

كثيرة هي الظواهر السلوكية المفزعة، المؤلمة، الفارقة، التي ظهرت للعيان مع اجتياح الفيروس لتخوم الأرض، لم أقصد عقد مقارنة بين الشمال والجنوب، إنما جاءت ملاحظاتي ترجمة لما شاهدت وعايشت، بداية؛ عرّت الجائحة التشدّق الغربي بالقيم الإنسانية؛ فحادثة سطو التشيك على المعونة الطبية المرسلة لإيطاليا المنكوبة؛ تفرز سلسلة لا متناهية من علامات السؤال والتعجب حول حقيقة الحضارة الغربية سطحية المحتوى الأخلاقي؛ عميقة المضمون المادي، وفي السياق؛ هذا التسابق المحموم المعيب على إفراغ أرفف محلات المواد التموينية؛ ألقى بالانطباع الشرقي حول الرقي الغربي في مكب النفايات؛ فالهلع والجزع قارب هيئة نهب، لم نر إيثارا بل أثرة وأنانية مفرطة البشاعة، لقد هالني رؤية طبيبة بريطانية أمضت جلّ وقتها ترعى المرضى فلما أرادت شراء طعام لم تجد شيئا فانهارت باكية.

أيضا؛ كان لافتا عجز منظومة الرعاية الطبية فائقة التطور والتقدم العلمي عن مواجهة الجائحة، فالوفيات يوميا بالمئات والإصابات بالآلاف، ألا يثير الحيرة عجز علماء القارة العجوز؛ وأمريكا الكهل المتصابي ببقايا قوة؛ عن وقف سرعة انتشار الفيروس وتحوّل بلادهم إلى بؤرة ومرتع مرعب؟!، وتوجب أمانة الكلمة الاشارة إلى مفارقة الموقف الحكومي الرسمي للسلوك الشعبوي، أجل؛ ينبغي الاشادة بمدى شفافية نقل الحقيقة كما هي، على سبيل المثال لا الحصر، التصريحات الصادمة لرئيس وزراء بريطانيا، إعلان نبأ إصابة الأمير تشارلز، نائب رئيس وزراء إسبانيا، رئيس وزراء كندا وزوجته، السيدة الفاضلة ميركل، كلها مواقف تنمّ عن مصداقية عالية وصراحة متناهية جديرة بالتقدير، أما الشلل الذي ضرب نشاط البشر في مقتل فقاسم مشترك، إنه يقطع الشك باليقين أن الحرص على الحياة؛ سيظل يتسيّد سلّم أولويات الإنسان مهما شكى وبكى من عسفها وظلمها؛ وداهمته جيوش المخاوف من الكوارث الإقتصادية المتحقق وقوعها قبل وبعد انتهاء نكبة كورونا العالمية.

فالآثار كما يرى الخبراء ربما تتوارثها أجيال إن كان في عمر الحياة بقية، وها هنا؛ قفز إلى عقلي سؤال: هل ستوّلد الجائحة وتبعاتها حالة عصف فكري ومراجعة لدى شباب وشابات بلاد الشرق المشمس؛ الحالمون والحالمات ليل نهار بالهجرة إلى الغرب؟، أظن بات متاحا لهم ولهن الآن رؤية الأمر من زاوية أرحب ومنظور مختلف، بل أبعد من ذلك؛ هل تتبدل الأدوار لنرى موجات نزوح ولجوء وهجرة من الغرب إلى الشرق؟. أما عن الغول الصيني ذائع الصيت سابقا؛ أظنّ أن سمعته أصيبت في الصميم، قلّمت الجائحة مخالبه وحجّمت تمدده، وأرجح تراجع نشاطه التجاري الخارجي على المدى القريب والمتوسط، وغير خافٍ المغزى السياسي لمزاعم المسئولين حول انتصارهم، ليست تصريحاتهم سوى محاولة لوقف ترهل وتدهور وربما انهيار العملاق الإقتصادي، إن الآثار النفسية السلبية صعب أن تمحى بسهولة.

وكان للفكاهة نصيب في المشهد ، فرؤية وزير هندي وحوله حاشيته يحدقون نحو الأرض؛يستعطفون الفيروس أن يرحل “Go Korona please go out of Indea ، وفي أوج الزلزال ولج المنجمون؛ الأحياء منهم والأموات دائرة الضوء، أدلى مريدوهم بعد نبش بطون كتبهم؛ ما يوحي بسابق علم شيوخهم وقوع المأساة، واقتران الرقمين 2020 ببدء إرهاصات نهاية الحياة، تلى ذلك دخول الدجل على خط المنفعة إذ اقتنص العرافون الفرصة فروجوا للجهلة المغفلين إمكانية تطعيمهم بمصل واق ضد كورونا من انتاج أطباء الجنّ المتقدمة علومهم على الإنس بمراحل، فكيف لا نضحك من هكذا تهريج.

بدا عالمنا العربي أكثر تكاتفا وتضامنا في الجانب الروحي، تجلّى ذلك في الدعاء برفع بلاء الوباء وحملات التوعية البناءة، لكن في المقابل؛ افتقر الجانب الرسمي للشفافية، ويشي المشهد المبتور بأن محاولة استغلال عاصفة الفناء وتطويع مخرجاتها لخدمة وديمومة الاستبداد السياسي تجري على قدم وساق، كأن كورونا ساهم بحرف الأنظار عن اخفاقات الأنظمة؛ وانصب همّ عامة الناس لصالح معركة البقاء أحياء، وهو أمر غريزي ينسجم مع فطرة الآدمي، من وجهة اجتماعية ثمة مثالب مثل تسخير بعض التجار الحالة لإشباع شهيتهم الشرهة فشابهوا تجار حروب وقطاع طرق، أما الأسوأ فما سمعت وقرأت عن السلوك المشين لبعض الجهلة المغرورين الذين لم يتورعوا عن معايرة المصابين بالمرض؛ والتندر على القابعين في الحجر الصحي، فهؤلاء مرضى بداء عضال؛ غرّهم أنهم أصحاء؛ غير مدركين ولا مصدقين أنهم عرضة كغيرهم لذات المصاب، إنهم في شقاء لا شفاء منه إلا بأوبة نصوح قبل أن يهرّ أو يخرّ أحدهم صريعا ولات حين مندم.

عن انطباعي بشأن التعاطي الإعلامي مع عاصفة الجائحة؛ لست قادرا على الجزم أكان محقا أم خاطئا أم مبالغا فيه، شعرتُ أنه أربك متابعيه وشكّل كابوسا إضافيا؛ إذ تزاحمت القنوات الفضائية وتدافعت بالمناكب أيها يزيد الناس قلقا وتخبطا حتى مسّنا هوس النظافة، وتضاعفت الخشية من لمس أي شيء، مرّت بالكثيرين حالات حرج نتيجة الحرص على عدم المصافحة، أما التقبيل فولى زمانه.

ختاما، إن هشاشة الإنسان في كل مكان تجلّت لنا جميعا بأوضح صورها، فوجب على من بلغ الفطام العقلي أن يلقي حمولة قلبه من حبّ الدنيا، مرّة وللأبد يفرغه من آفة الغرور، والفرصة متاحة للتغيير، ولا ريب أن التغيير الجاد الناجح يحتاج إلى تطهير وتعقيم المحتوى الفكري للإنسان.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
خلوصي عويضة
الكاتب الروائي خلوصي عويضة من فلسطين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.