أدب و تراث عروض كتب مقالات

عرض وقراءة في رواية “ملحمة الحرافيش” ل “نجيب محفوظ”

سلسلة كتب تقرؤنا:
رواية “ملحمة الحرافيش” ل “نجيب محفوظ”

بقلم الأستاذ محمد عبد العاطي

جذبتني رواية الحرافيش للأديب الكبير، نجيب محفوظ، بأحداثها وأسلوبها. دائمًا؛ وبعد فراغي من قراءة نصٍ أدبيٍّ لنجيب محفوظ، أشعر بأنني بحاجة إلى دقائق من الصمت، أجترُّ فيها تلك المتعة العقلية والوجدانية التي أفاض بها علينا هذا الأديب المبدع.

نجيب محفوظ ليس كاتبًا عاديًّا؛ هو رجل يحمل رؤية، ويسعى نحو هدف، ويريد إيصال رسالة؛ رؤية واحدة، ورسالة واحدة، وهدف واحد، حرص عليها طيلة حياته الأدبية التي امتدت لسبعة عقود.

رواياته تتساءل عن القضايا الوجودية التي ما فتئ الإنسان يتفكَّرُ فيها مذ وُجد على الأرض: لمَ أنا هنا؟ ما السعادة؟ كيف أصل إليها؟

وهذا هو جوهر رواية ملحمة الحرافيش؛ موضوع حديثنا.

للرواية قراءتان: أولاهما من على السطح حينما ننظر إليها في مسارات حبْكتها القصصية، وثانيهما تغوص بنا في الأعماق وراء تأملات المؤلف في الإنسان والحياة، فتقرأ في الأولى عن فتوَّة يُدعى عاشور الناجي وعائلته الممتدة جيلًا بعد جيل؛ ماذا فعلت في دنياها، وكيف صرَّف القدر أمورها… وهنا تطالعك شخصيات وتمر بك أحداث وتتعرف إلى أماكن… عالم قائم بذاته: عاشور الناجي، شمس الدين، وحيد، سماحة، عبده الفرَّان، زَهِيرة، راضي، رُمَّانة، فائز، فتح الباب… ثم الختام مرة أخرى مع عاشور الحفيد الذي به تبدأ دورة جديدة وملحمة متجددة.

هذا عن الشخصيات، أما الأحداث فإنَّك أمام: زواج وطلاق، غنى وفقر، زهد وجشع، قسوة ورحمة، عز وذل… كل ذلك يدور في أحياء وحارات: الحسينية، وبولاق، والعُطُوف، والدرَّاسة.

أمَّا القراءة الثانية فإنَّك واجدٌ فيها الحارة الصغيرة رمزًا للمجتمع الكبير؛ كيف تتوزع فيها مراكز القوة، وكيف تُدَار السلطة، وكيف تُشتَرى الولاءات.. متى تُستعمَل أدوات الترهيب، ومتى تُستخدَم وسائل الترغيب.. تقرأ مسيرة الإنسان في صراعه المستمر مع رغباته وأهوائه ونزواته.. مع المال والسلطة والجاه.. مع الشيخوخة والوهن والضعف.. مع المرض والموت.. تتعرف إلى دور التاريخ في تشكيل الوعي بالحاضر، وطريقة النظرة للمستقبل.. ترى بعينيك تقلُّبات النفوس، وغدر الزمان، وتصاريف القدر.

ذلك كله مغزول بأنامل السَجَّاد الماهر، نجيب محفوظ، الذي باتت حكمته تتدفق بعد أن قطع طريقًا طويلًا في دروب الشك حتى استقرَّ به المقام في واحة اليقين.

تتركك رواية ملحمة الحرافيش وأنت شاعر بمعان غامضة لا تعرف كيف تصوغها؛ وكلُّ ما أنت متأكدٌ منه أنَّ سعادة الفرد في أن يكون صالحًا في نفسه، نافعًا لغيره، وأنَّ خلاص المجتمع في وحدة أبنائه المستضعفين (الحرافيش)، وقدرتهم على قول: (لا) مُدويَّةً في وجوه الظالمين.

(12) #كتب_تقرؤنا – ملحمة الحرافيش – نجيب محفوظجذبتني رواية الحرافيش للأديب الكبير، نجيب محفوظ، بأحداثها وأسلوبها….

Posted by ‎محمد عبد العاطي‎ on Thursday, March 26, 2020

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.