سياسة مختارات مقالات

الإستراتيجية فى مجرى الصراع العربى الإسرائيلى

الأستاذ مجدي منصور يكتب:

إسرائيل من نشأة الأسطورة إلى بناء الدولة النووية!!
الجزء الأول

«إن علينا أن نناقش كل ذلك بهدوء.. من غير غضب.. من غير إنفعال.. من غير حزن.. من غير دموع، فلقد فات أوان الدموع». وليام شكسبير

لقد كنتُ أبتعد دائماً عن تناول ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عامداً متعمداً. وذلك لأن تناول هذا الملف يُزعج كل من له عقلٌ يُفكر ويؤلم كل من له قلبٌ ينبُض ويُحسر كل من له ذاكرةً حية لم يعلوها الصدأ أو تغطيها الأكاذيب والأباطيل.

فما نراه مُنذ فترةً طويلة من استكباراً إسرائيلياً وتخاذُلاً عربياً يُدمى القلب ويُحير العقل ويجرح الفؤاد ويُهيج النفس بمشاعر مختلطة ما بين الحزن والقهر والعجز والإكتاب.

ولعل كثيرون ممن تحدثوا بالأمس ويتحدثون اليوم عن حال الصراع الذى كان في الماضي صراعاً عربياً إسرائيليا، وتنازل بقيمته ليصبح خلافاً فلسطينيا سوريا – إسرائيلياً، ثم تواضع أكثر وأكثر ليصبح مشكلةً فلسطينية إسرائيلية جميع هؤلاء المتحدثون حاولوا تفسير ذلك التغير وردوه لأسباب كثيرة ومسببات عديدة، ولعل هؤلاء وهم يتحدثون بالفخر الواصل إلى حد المبالغة في بعض الأحيان أو بالحزن المؤدى الى التشاؤم في بعض الأحيان الأخرى أو بأسلوب يجمع ما بين الاثنين، جميعهم نسوا أن كل أطراف الصراع قد وصلوا الى (الحائط المسدود) ولم يعد أمامهم طريق مفتوح يسيرون فيه، وأن لحظة الحقيقة قد أزفت ولم يعُد منها مهرب.

(1)

خريطة إسرائيل إلى الحائط المسدود

«المسيحيون تركوا القدس إلى روما، والمسلمون تركوها إلى مكة، واليهود وحدهم بكوا عليها» الحاخام الأكبر في مصر حاييم ناحوم للملك فاروق

  • كان هم الأباء المؤسسين للفكر الصهيوني هو (فتح باب الهجرة لفلسطين) وتوافق ذلك مع بروز (محمد على) في مصر وبداية فتوحاته والتقائه بوادي الشام مما أقلق بريطانيا في ذلك الوقت لأنها كانت تجهز نفسها لوراثة رجل أُوروبا المريض (الإمبراطورية العثمانية) في ذلك الوقت وبالفعل إستطاعت بريطانيا هزيمة (محمد على) وإخراجه من سوريا وحصره بعد ذلك داخل حدوده ويلخص أحد أباء الفكر الصهيوني تلك الفترة في مذكراته وهو “ناحوم سوكولوف” بالنص (ما له دلالة اليوم أيضاً!):
  • إن السلطان التركي وحده وبغير مساعدة لا يملك القوة الكافية للاحتفاظ بسوريا.
  • إن مصر لها الحق في الإستقلال إذا إستطاعت أن تحصل عليه.
  • ولكن عودة سوريا لتكون جزء من تركيا سوف تظل باستمرار تهديداً لمصر.
  • وإذا ظلت سوريا جزء من مصر فذلك سيجعل تركيا غير آمنة.
  • وإذا أحست تركيا بعدم الأمان فذلك سوف يُهدد السلام في أُوروبا.
  • ونتيجة لذلك (فمن الضروري إنشاء كيان عازل يفصل بين مصر وتركيا ويبقى كلاً منهما في مكانه).
  • ثم يستطردسوكولوف” قائلا: (إن تلك كانت الفرصة الذهبية أمام الحركة اليهودية لكي تملأ هذا الفراغ وتطالب “ببعث إسرائيل من جديد”).

 

والى مصر (محمد على) كاد أن يجدد شباب الخلافة العثمانية
والى مصر (محمد على) كاد أن يجدد شباب الخلافة العثمانية

2 – كان القرار الصهيوني قد إستقر على أن تكون (فلسطين) وليست أوغندا أو الأرجنتين هي الوطن المنتظر وبدأ الأباء الصهيونيين يحاولون طرق كل الأبواب من أجل الموافقة على هجرة كبيرة من اليهود إلى فلسطين وقد ذهب هؤلاء الآباء إلى كل الجهات ليطلبوا ذلك ذهبوا إلى والى “مصر” وقتها (محمد على) وكذلك (للسلطان العثماني) في “إسطنبول” و(لفرنسا) و(لبريطانيا).

لكن الملاحظ: أن هؤلاء اليهود لم يفكروا مرةً واحدةً في الحديث أو للتفاوض مع أصحاب الوطن الأصليين الفلسطينيين.

وخصوصاً بعد أن أرسل (تيودور هيرتزل) ب اثنان من حاخامات فينا لمهمة إستطلاع. ومن فلسطين أرسل إليه الإثنان تلغرافاً يقولون له بالرمز «أن العروس جميلة لكن المشكلة أن لديها زوجاً» (يقصد الحاخامان أن الأرض عليها شعب).

ومن يومها من رؤية (تيودور هيرتزل) حتى خطط (دافيد بن غوريون) كانت «الاستراتيجية الإسرائيلية» حتى قيام الدولة:

(تقوم ب “استخدام السلاح” (بكافة أنواعه وأشكاله) “لقتل” الزوج أو “طرده” على الأقل لكى يحل شعب محل شعب أو زوج محل زوج). ليحققوا شعارهم الدعائي (إنها أرض بلا شعب لشعب بلا أرض).   

ثيودور هرتزل، تاريخ ومكان الميلاد: 2 مايو 1860 – بودابست، الوفاة: 1904م، المنصب: رئيس المنظمة الصهيونية العالمية

وكان (بن غوريون) فاهماً واعياً ومتحسباً لكى لا (يجور السلاح) على (إستراتيجية الدولة العليا) وعارفاً أن (السلاح يجب أن يكون في خدمة السياسة وليس العكس).

 ومثلاً: (عندما استطاع “مناحم بيجن” أن يأتي بسفينة سلاح في عز حرب 1948 طلب منه “بن غوريون” وهو (رئيس الوزراء) وقتها تسليم تلك السفينة للدولة ثم تقوم الدولة بعد ذلك بمهمة توزيع السلاح. الا أن “بيجن” رفض فما كان من “بن غوريون” الإ أن أمر بإغراق سفينة السلاح تلك). 

 

حالة من المذابح الاسرائيلية بحق الفلسطينيين سنة 1948م

إن نظرة على مذكرات (دافيد بن غوريون) تستطيع أن تكشف بجلاء عن أهدافه وتخوفاته التي تعكس بالطبع أهداف وتخوفات الدولة العبرية في تلك الفترة:

16 يناير 1949م:

في العاشرة مساء خابرني (ييجال يادين). عاد ديان بعد لقاء مع الملك “عبد الله” (ملك الأردن) سيحضر إلى هنا غدا. العجوز عبد الله يشكو من الإنجليز ويطلب عدم ترك المصريين لا سمح الله في غزة. من المفضل أن نسلمها الى الشيطان أو نأخذها نحن.

29 يناير 1949م:

الهزيمة العربية كاملة لكنى أتخوف طوال الوقت من نداءات في العالم العربي تدعوا الى إنشاء حركة شبيبة وتدريبها، وتوحد قيادة الجيوش العربية وتقيم مصانع للسلاح، وتطبق عقوبات اقتصادية علينا، وتلغى الامتيازات التي تمكن الامبريالية من السيطرة على العرب، وانشاء تنظيمات عمالية، وتعزيز الصناعة والقيم العصرية، وفتح مؤسسات للتعليم العالي، وإزالة الحدود الجمركية بين البلاد العربية، وتنظيم دعاية فعالة في العالم العربي. هذا هو الطريق الذي يحلم به العرب، وأنا أتخوف طوال الوقت من أن يقوم زعيم عربي ذو كاريزما بقيادتهم عليه.

14 يوليو 1949م:

جاء (أبا ايبان). لا يرى ضرورة للركض وراء السلام، الهدنة تكفينا. فاذا ركضنا وراء السلام فأن العرب سيطلبون منا ثمناً: حدوداً، او عودة لاجئين، أو كليهما. لننتظر بضعة أعوام.

ديفيد بن غوريون (14 مايو 1948 – 26 يناير 1954م) أول رئيس وزراء لدولة الاحتلال الإسرائيلي. كان متخوفاً من ظهور زعامة عربية ذات كاريزما قادرة على توحيد العالم العربي

(2)

«ما الذى يريده هؤلاء الجنرالات؟ هل يريدون لإسرائيل أن تعيش بالسيف، وأن تعيش بالسيف وحده إلى ما لانهاية»  ليفي أشكول عن الجنرالات    

3 –عقب قيام الدولة بقليل حدث ما كان (بن غوريون) يتخوف منه ويقيم له ألف حساب إذ ظهر ذلك الشخص الذى كان (بن غوريون) يتخوف منه (جمال عبد الناصر) في البلد الذى كان دائم القلق والخوف منه (مصر) وخصوصاً أن ذلك الزعيم مضى الى كل ما كان (بن غوريون) خائفاً ومحذراً منه (المُضي على طريق التقدم).

وبالتالي تطورت وتحولت الاستراتيجية الإسرائيلية إلى: (إعاقة مصر دائماً أو تعطيلها على أقل تقدير عن السير في طريق التقدم والاطمئنان على إبعاد وادى النيل “مصر” عن “وادى الفرات” الشام التاريخي) ولأن ذلك أمر صعب بالسياسة فكان على السلاح أن يتكفل بتحقيق هذا الهدف (أي الدفاع عن الوطن من خارج حدوده وليس الانتظار عند باب البيت).

الزعيم جمال عبد الناصر (15 يناير 1918 – 28 سبتمبر 1970). هو ثاني رؤساء مصر وقاد مشروع تحديث مصر ورفع لواء القومية العربية.

اختلاف التعامل الإسرائيلي مع مصر وسوريا وأسبابه!

«في الجنوب مع مصر لم يكن مأموناً أن نصطاد (الوحش بالشبكة) ولذلك كان ضرورياً أن نستعمل الهاربون» الجنرال أهارون ياريف مدير الإستخبارات العسكرية الإسرائيلية.

إن المدقق في السياسة الإسرائيلية سيجد حتماً اختلافاً ظاهراً وواضحاً في أسلوب التعامل مع مصر وسوريا فمع أن عداء إسرائيل للبلدين مُحقق ومؤكد إلا أن التعبير الإسرائيلي عن العداء في الحالتين متبايناً.

 والحاصل أنه مع (سوريا) فإن (العداء الإسرائيلي يعتمد أسلوباً يكاد تركيز ضغطه أن يكون على الأعصاب بحيث يستثيرها ويفقدها التوازن). وإزاء محدودية القدرة على رد الفعل فأن الضغط على الأعصاب (كذلك التقدير الإسرائيلي وفق ما هو ظاهر من الوثائق الأخيرة المفرج عنها أخيراً) يُحول كل التفاعلات إلى إحتقان يرتد أثره إلى الداخل السوري قبل أن ينفجر ناراً على الحدود.

وأما مع (مصر) فإن (العداء الإسرائيلي يظهر منذ اللحظة الأولى تصميماً على القتل). فالعداء على الجبهة المصرية دائماً وباستمرار (حرب لسفك الدم دون أي إعتبار أخلاقي أو إنسانى ولكسر الإرادة) وليس لمجرد (استثارة الأعصاب) أو الاعتماد على احتقان داخلي!.

أسباب التباين في أسلوب التعامل الإسرائيلي مع كُلاً من مصر وسوريا

«في الشمال مع (سوريا ولبنان) كُنا نصطاد بالشبكة تحاول الإمساك بالسمكة دون أن تجرحها، أما في الجنوب مع مصر فلم يكن مأموناً أن نصطاد (الوحش بالشبكة) ولذلك كان ضرورياً أن نستعمل الهاربون» أهارون ياريف

عداء إسرائيل لمصر يهدف إلى إبعادها وإخراجها من الصراع العربي الإسرائيلي ويعزز ذلك إعتقاد بأن عودة مصر إلى ما وراء حدودها في أفريقيا هدف ممكن.

وأما في الحالة السورية فإن سوريا موجودة بالجغرافيا والتاريخ داخل البؤرة المباشرة للصراع العربي الإسرائيلي حتى تكاد فلسطين أن تكون جزءاً من سوريا (وإذن فإن سوريا على عكس مصر لا يمكن إخراجها وإذاً كان ذلك فهي باقية مهما حدث.

وعلى هذا الأساس فإن أقصى العنف ضروري مع مصر لأن الهدف هو قطع اتصالها بالمشرق العربي وإذاً فهي الجراحة دموية وحتى بدون تطهير للجرح أو تضميد.

وأما مع سوريا فإن الجراحة ليست ضرورية والجرح ليس مطلوباً، وإذا فالترويض أنفع من العنف والتطبيب أنجع من الجراحة إلا في الحالات القُصوى وفى أضيق الحدود.

ومن سنة 1952 حتى 1970 تركزت قوة السلاح الإسرائيلي أكثر ما تركزت على (مصر) بالذات. بهدف إبعاد (مصر) عن (الشام) والتقدير الإسرائيلي وقتها ولا يزال:

«أن عودة مصر وعزلها الى ما وراء حدودها في أفريقيا هدف ممكن بالإكراه وببعض العنف».

ولعل أفضل من عبر عن ذلك كان رئيس الإستخباراتي العسكرية الإسرائيلية إبان حرب يونيو (1967) الجنرال (أهارون ياريف) حينما قال:

«إن السلام سوف يداوى كُل جراح الحروب السابقة بيننا وبين العرب. وصحيح أننا لجأنا إلى العنف مع المصريين أكثر من غيرهم، لكنكم تعرفون أنهم الطرف الأقوى والأخطر، ولقد كان أسلوبنا في الحرب مع العرب إذا أخذنا بفنون الصيد في البحر وتنوعها هو:

في الشمال مع (سوريا ولبنان) كُنا نصطاد بالشبكة تحاول الإمساك بالسمكة دون أن تجرحها.

أما في الجنوب مع مصر فلم يكن مأموناً أن نصطاد (الوحش بالشبكة) ولذلك كان ضرورياً أن نستعمل (الهاربون) Harpoon» (الرمح أو الحربة المُثبت على بندقية والذى يُستعمل للصيد في الأعماق، وهو يلحق جراحاً غائره وأحياناً قاتلة بالسمك الكبير الذى يصيبه).

أهارون ياريف؛ رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية

لقد حاول السلاح الإسرائيلي في عدوان السويس (1956) وفشل. وظل (مُتحيناً الفرصة) حتى آتت في عام (1967) ولكن جنرالات إسرائيل وقتها (عزرا وايزمان) و(إريك شارون) و (إسحاق رابين) و (إسرائيل تال) ومعهم من الخارج وقتها (موشى ديان) و (شيمون بيريز) لم يصبروا حتى تأتى الأضواء الخضراء من (واشنطن) مُعلنةً الانطلاق من أجل تحطيم الاسطورة في القاهرة (جمال عبد الناصر) وتحويل التجربة الثورية المصرية الرائدة في القاهرة من “مثل” يُحتذى به الى “أمثولة” يتعظ منها.

وقام الجنرالات من وقتها وحتى اليوم (بإغتصاب سلطة القرار السياسي) من رئيس الوزراء المسكين المنكسر مهيض الجناح وقتها (ليفي أشكول)! الذي رضخ لمطالبهم خوفاً من حدوث (إنقلاب) يقوده العسكر في الدولة التي تصدر صورتها على أنها (الديموقراطية الوحيدة في المنطقة!) وقال بغضب مكبوت ممزوج بآسي مُعلقاً على تجاوزتهم لعدد من زُملائه الوزراء وفق ما سجله مدير مكتبه الجنرال: “إسرائيل ليور” بقوله:

«ما الذي يريده هؤلاء الجنرالات؟ هل يريدون لإسرائيل أن تعيش بالسيف، وأن تعيش بالسيف وحده،وعلى السيف وحده إلى ما لانهاية»

ليفي أشكول (25 أكتوبر 1895 إلى 26 فبراير 1969)؛ ثالث رئيس وزراء إسرائيل من 1963 إلى 1969م، وقد رضخ لمطالب الجنرالات خوفاً من حدوث إنقلاب عسكري

 وفى يونيو سنة (1967) وإلى هذه اللحظة (2016) وقع المحظور الذي كان يخشاه كثيرين من الأباء المؤسسين الذين شاركوا في إقامة المشروع وساعدوا على تحقيق مهامه وبينهم على سبيل المثال رجل مثل “ناحوم جولد مان” الذي رأس المؤتمر اليهودي و”موشى شاريت” الذى أصبح وزيراً للخارجية بعد قيام الدولة ثم تولى رئاسة الوزراء لسنة واحدة فقط. ورجل مثل الدكتور”يهودا ماجنس” الذي (قام على بناء النظام التعليمي في دولة جاء سكانها من 92 دولة أخرى).

 كان كل هؤلاء وغيرهم قد فهموا وتصرفوا بإدراك أن قوة السياسة وليست قوة السلاح هي أمان اليهود طوال تاريخهم قبل الدولة وبعدها.

صورة تجمع بين ديان وشارون

 كانوا جميعاً يدركون حاجة المشروع الصهيوني إلى إستخدام السلاح لكنهم جميعاً جاهدوا حتى يلتزم السلاح حدوده ولا يُفسد على المشروع دعاويه المعنوية وضروراته العملية!.

 والذى حدث أن الجنرالات في عام 1967 اعتبروا أنفسهم المسئولين الوحيدين عن أمن وبقاء الدولة العبرية وفى سبيل ذلك اندفعوا واندفع السلاح معهم إلى ما يمكن إعتباره نقطة تحول في التاريخ الإسرائيلي.

فالجنرالات إستولوا على الحرب ومع إستيلائهم على الحرب إستولوا على السياسة وتجاوزوا وإخترقوا حدوداً لم تطلبها إستراتيجية إسرائيل العُليا كما رسمها الأباء المؤسسين.

في حرب يونيو 1967 تجاوز السلاح الإسرائيلي حدوده واحتل كل سيناء (في حين كان المطلوب وفق التخطيط الإسرائيلي أقل من نصفها). (ولتلك قصة أخرى)

ثم تجاوز السلاح حدوده فاحتل كل الضفة الغربية للأردن بما فيها القدس (في حين كان المطلوب سياسياً ومعنوياً وعند الضرورة حائط المبكى وحد).

ثم تجاوز السلاح الإسرائيلي حدوده تماماً فصعد إلى هضبة الجولان (ولم يكن ذلك مطلوباً من الأصل لأن الإستراتيجية العليا لإسرائيل كانت تُحاذر من جراحات دموية في الشام فهي تُريد المنطقة سليمة بقدر الإمكان – هادئة بقدر الإمكان – بلا دم في الحاضر ولا ثأر في المستقبل!).

والنتيجة: أنه في ثلث القرن الأخير وجدت إسرائيل نفسها في الشام التاريخي دولة إمبراطورية (وفى الإمبراطوريات كبير وصغير) لكن الإمبراطورية مهماً كان حجمها قد تكون لها (مزايا مُغرية) لكن لها مع مرور السنين (تكاليف مُرهقة) خصوصاً عندما تتنازل كافة عوامل القوة وتترك مكانها للسلاح وحده.

جنرالات اسرائيل استولوا على سلطة القرار السياسي في عام 1967 من اليمين (عزرا وايزمان) و (إسحاق رابين) و (حاييم بارليف)

ولقد تعلمت الإمبراطوريات (حتى الكبيرة منها) أن تكاليف الإمبراطورية حين يكون اعتمادا على السلاح وحده عبء ثقيل خير منه الإنسحاب وحتى بغير (شروط) وأحياناً بغير (كرامة) كما فعلت الإمبراطورية البريطانية في السويس (مصر)، وكما فعلت الإمبراطورية الفرنسية في (ديان بيان فو) وحتى كما فعلت الإمبراطورية الأمريكية في (سايجون) في (فيتنام).

لكن مثل ذلك لم يكن في مقدور إسرائيل لأن الإمبراطورية كانت من حول حدود الدولة نفسها فإذا كان لابد من انسحابها فأن الشرط المطلوب توافره أن يكون إنسحابها مصحوباً بإعتراف كامل (تاريخي) و(قانونى) و(سياسى) و(عسكري) لا يملك العرب أن يقدموه وحتى إذا قدموه فأن إسرائيل لن تصدقه!

( ولعل ذلك يفسر ما يُسمى بصفقة القرن)

(3)

القتال إنتهى لصالحك ولكن العرب كسبوا استراتيجياًهنري كيسنجر لجولدا مائير

4 – وفى 6 أكتوبر 1973 تلقى السلاح الإسرائيلي ضربة موجعة وصادمة على كلاً من الجبهتين المصرية والسورية ضربة كادت أن تُفقده ثقته بنفسه إلى الأبد ورغم معاندة بعض الساسة وقتها في إسرائيل.

وحدات الجيش المصري تعبر قناة السويس في 3 أكتوبر 1973م

ويروى (هنري كيسنجر) في مذكراته: (أنه قابل رئيسة وزراء إسرائيل وقتها “جولدا مائير ” في واشنطن بعد وقف إطلاق النار وأنه لم يتردد في أن يصارحها بالحقيقة على الأقل لتكون عارفة بها كأساس لحُسن تقدير موقفها).

 ثم يمضى (كيسنجر) في شرح تجربته مع (جولدا مائير) قائلاً: (لقد قابلتها صباحاً في وزارة الخارجية وفي البيت الأبيض، وكانت عنيدة مثل :

“بقرة نامت وسط الطريق وعاقت حركة المرور فيه.

وقابلها بعد ذلك مساءً وقال لها: (القتال انتهى لصالحك ولكن العرب كسبوا استراتيجياً وعلينا جميعاً أن نفهم ذلك لكى نتحرك من “هنا” إلى ما يُلائمنا).

ويضيف (كيسنجر): (لكنها ظلت طول اليوم تعاند ومنطقها أنهم: (أي الجيش الإسرائيلي) استعادوا كل الجولان وأكثر على الجبهة السورية، وأن لهم قوات يقودها الجنرال “شارون” عبرت قناة السويس إلى الشرق في (أفريقيا)”.

الأسرى الإسرائيليون بين أيدى الجيش المصري

ويستطرد (كيسنجر): (أنه حاول لساعات مُتأخرة من الليل يشرح لها الفارق بين «القتال» و«الحرب» وأنها في تلك الجولة التي إنتهت ربما تكون قد «ربحت القتال ولكنها خسرت الحرب» لكنها ظلت تعاند).

ويُكمل (كيسنجر): (ليلة بأكملها مع امرأة واحدة، وامرأة اسمها (جولدا)! والرجل الجالس معها (أي هو كيسنجر) يبذل جهده ليجعلها تفهم بأدب ورقة «أنها لا تملك الجمال الذي يُمكنها من تزويق الواقع».

 ثم إن عليها الإعتراف بالواقع حتى تعرف كيف تتعامل معه).

رئيسة وزراء إسرائيل (جولدا مائير) وصفها (هنري كيسنجر) ب”بقرة نامت وسط الطريق وعاقت حركة المرور فيه”.

ولم يكن كيسنجر يفعل ذلك حُباً في العرب ولا خوفاً على مصلحتهم فالرجل يهودي أصيل مُحب لأهله ولكنه كان يريد إجراء حساباته على أساس سليم حتى يستطيع أن يحصل لإسرائيل على ما تريده.

هو نفسه (كيسنجر) يروى في نفس المذكرات أنه كان في غرفة عمليات البيت الأبيض يتابع الحرب ومسارها وكانت كل الأخبار والمعلومات تفيد باكتساح القوات المصرية والقوات السورية للجيش الإسرائيلي وكان كل المتواجدين داخل تلك الغرفة سواء من السياسيين مثله أو من العسكريين لا يصدقوا ما يأتيهم من معلومات من قدرة العرب على هزيمة إسرائيل في الأيام الأولى من الحرب.

هنري كيسنجر؛ وزير خارجية الولايات المتحدة في الفترة (22 سبتمبر 1973 – 20 يناير 1977م)، وهو صاحب سياسة “الخطوة خطوة”.

ويقول (كيسنجر): أنه اختلى في ركن بوزير الدفاع الأمريكي وقتها (جيمس شيليزنجر) ودار بينهم الحوار التالي:

(هنري كيسنجر): ألا نستطيع مساعدتهم بعمل من جانبنا ؟.

(جيمس شيليزنجر): من الصعب فعل شيء في هذا الوقت، لأن كل الأعيُن مفتوحة وكل الآذان مُتيقظة.

(هنري كيسنجر): ولكننا فعلناها من قبل في حرب 1967 ولم يكتشفنا أحد !!. 

من اليمين (هنري كيسنجر و ريتشارد نيكسون وجولدا مائير)

(4)

«هل تعرف يا سيد بيغن بأن الإعلام العالمي بأسره شبه زيارتي لكم بنزول أول إنسان على سطح القمر؟ الرئيس السادات يقول.

سيادة الرئيس: إن الإنسان قد صعد إلى القمر ولكنه نزل ثانياً على الأرض!» بيجن ل أنور السادات.

 5 – وعندما عرض الرئيس (محمد أنور السادات) على كيسنجر ما سماه الاتفاق الاستراتيجي والذي بمقتضاه تبتعد مصر عن الإتحاد السوفيتي وتقيم إتفاقاً استراتيجياً مع الولايات المتحدة الأمريكية وبدأ حوار مصري إسرائيلي ينتهي إلى معاهدة سلام بينهم).

لم تكن إسرائيل وهي تسمع العرض (الساداتى!) على لسان “ساحر فيتنام” (هنري كيسنجر) مُصدقة ذلك ولعل أفضل من قدم صورة التفكير الإسرائيلي من هواجس وشكوك وحيرة! في ذلك الوقت محضر مباحثات هنري كيسنجر مع القادة الإسرائيليين في تل أبيب بتاريخ 16 ديسمبر 1973:

(جولدا مائير):

(إن ما قرأته في رسالة السادات وما سمعته منك عن نواياه شيء طيب، ولكن ما أستغربه هو لماذا يفعل ذلك؟)

(هنري كيسنجر):

(إن تفسيري لموقفه مُركب بعض الشيء.. الحقيقة أننى أنا شخصياً مندهش من مسلكه. إن الرئيس المصري لا يبدو حتى الآن مستعداً لإستعمال قوته السياسية الكاملة التي تعطيها له حقائق موقفه، كما أنه لا يأخذ الموقف الدولي الجديد في إعتبارته وهو يتفاوض).

ثم أستطرد (كيسنجر) قائلاً وفق محضر الاجتماع:

(إنني أعتقد أن الرئيس السادات في إستطاعته أن يستخدم ما لديه لتحقيق إتفاق كامل بانسحابكم على شروطه وإلى خطوط 4 يونيو 1967. وحتى إذا خاطر باحتمال تجدد القتال فإن العالم كله سوف ينحى باللوم على إسرائيل.)

ثم تساءل (كيسنجر) في عرضه أمام (جولدا مائير) ووزرائها قائلاً:

(لماذا إذاً لا يستعمل “السادات” كل عناصر موقفه ليضغط من أجل انسحاب إسرائيلي كامل ؟).

وأجاب على سؤاله قائلاً:

(السبب في رأيي أنَّ “السادات” قد وقع ضحية للضعف الإنساني human weakness. إنه في الحالة النفسية لسياسي يتشوق إلى أن يرى نفسه وبسرعة سائراً في موكب نصر في سيارة مكشوفة عبر مدينة السويس و الآف الناس على الجانبين يصفقون له كمنتصر).

ساحر فيتنام (هنري كيسنجر) حلل موقف الرئيس (السادات) بأنه وقع ضحية للضعف الإنساني

وعندما قرر الرئيس المصري المؤمن! (أنور السادات) السير في مقامرته إلى النهاية وذهب الى القدس في سنة 1977كانت الإستراتيجية الإسرائيلية ترى (أن ذلك يُعزز مطلبها “إبعاد وادي النيل عن الشام”).

وعندما توصلت إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة إلى عقد معاهدة كامب ديفيد(1979) مع مصر كان مقصدها الأكبر (إبقاء القوة المصرية وفيها الجيش المصري وراء قناة السويس شرقاً).

ولتسهيل ذلك على مصر فأن إسرائيل أصبحت على إستعداد للانسحاب من سيناء كُلها بما فيها (شرم الشيخ) برغم مقولة (موشى ديان) بشأنها يوماً «أنه يفضل شرم الشيخ بدون سلام على سلام دون شرم الشيخ».

ثم إنها كانت على إستعداد أيضاً لهدم أي مستعمرة أقامتها في سيناء بما في ذلك مستعمرة “ياميت” رغم عملية تمرد وعصيان على القرار تزعمها في ذلك الوقت صقر الصقور في إسرائيل من يومه الأول وحتى وفاته الجنرال (إريك شارون).

6 – ومع اطمئنان إسرائيل لتحقيق الهدف الإستراتيجى لها بعد المعاهدة مع مصر (إبعاد مصر عن الشام) قامت إسرائيل بالتصرف (كدولة إمبراطورية) ولكنها لا تملك الا وسيلة السلاح تعتمد عليها. (الإعتماد على السلاح وليس على السياسة). وتلك كانت الخطيئة التي بدأت في حرب يونيو (منذ أن اختطف الجنرالات القرار السياسي سنة 1967).

ولأن استخدام السلاح كان قد أصبح هو (الخيار الأول) وبمرور الوقت ومع حالة الضعف العربي (بعد خروج مصر من المعادلة) بالإضافة إلى الاختلال على الساحة الدولية (بسقوط الإتحاد السوفيتي) أصبح إستخدام السلاح هو الخيار (الأول والأخير) لدى كل قادة الدولة العبرية.

ولعل الناظر إلى الساحة الإسرائيلية سيجد أن أغلبية رؤساء الوزارات في إسرائيل الذين نجحوا والذين فشلوا هُم من الجنرالات. الذين حاربوا (وقتلوا بأيديهم وخنقوا بأصابعهم) والأمثلة كثيرة (بيريز ورابين وشارون وباراك) حتى المدنيين من أمثال (بن غوريون و بيجن وشامير) هم من قادة عصابات الهجاناة والاشيترون وهم أبطال لمذابح ضد الفلسطنيين والعرب وحتى (نتنياهو) شارك وهو مجند في عمليات لاغتيال قادة فلسطينيين.

ولعل المفارقة في إسرائيل اليوم تبدوا صارخة لكل من له عقل يُفكر وفاضحة لكل من له عين ترى وهى تشى:

«بأن الصراع السياسي في إسرائيل منذ أكثر من عامين وحتى اليوم بين سياسي مدنى يقول للناخب الإسرائيلي بأنه صار يرتدى زي جنرال عسكري (نتنياهو)، وجنرال عسكري ترك بزته العسكرية ويريد أن يجلس على كُرسى رئاسة الوزراء بالبدلة المدنية (بيني جانتس)» ، وبينهم سياسى يريد أن يرتدى زى الحاخامات(ليبرمان)!

نتنياهو وجانتس وليبرمان(المدنى فى زى الجنرال، والجنرال فى زى السياسى وبينهم سياسى فى زى الحاخامات)!

وبعد خروج مصر من المعادلة قررت إسرائيل أن تمارس دور الدولة الإمبراطورية في لبنان فقامت بغزو لبنان في 3 يونيو 1981. كانت مطالب إسرائيل في تلك العملية العسكرية كبيرة وظاهرة لا تحتمل التأويل:

  • فهي في لبنان تستطيع أن تثبت أنها قوة عظمى إقليمية regional superpower.
  • وهى تستطيع أن تؤكد ذلك بتحطيم القوة العسكرية لمنظمة التحرير وتفقدها بذلك استقلالها السياسي.
  • وهي تقدر على إعادة ترتيب أوضاع لبنان وتحوله إلى تابع عربي لإسرائيل.
  • وهى بذلك تستطيع أن تمارس ضغطاً أكبر على سوريا سواء عن طريق إثبات عجزها عن حماية لبنان، أو عن طريق إرغام (دمشق) على أن تسير على طريق التسوية.
  • إن بلوغ ذلك كله يقدر في نفس الوقت أن يساعد على تثبيت معاهدة السلام مع مصر التي ظهر عليها بعض التردد بعد إغتيال الرئيس المؤمن!!.

والغريب أن دخول إسرائيل إلى لبنان كان السبب الأساسي والرئيسي في خلق الكيان الذى يؤرق إسرائيل اليوم (حزب الله) وذلك للأسباب التالية:

  •  لأن خروج الفلسطنيين من لبنان أعاد أهله طرفاً في مصائرهم.
  • إن قوى القاع اللبناني كانت كتلاً إنسانية ضخمة لها جذورها التاريخية والثقافية في تاريخ لبنان (الشيعة والدروز) مثالاً.
  • إن الحرب الأهلية إنتهت وقد تغيرت موازين القوة على الأرض لصالح (الشيعة) الذين كانوا دوماً عنصر من عناصر التركيبة اللبنانية ولكنهم باتساع الحجم وباتساع الدور مع المقدرة على التضحية إلى درجة الاستشهاد أكدوا أنهم ليسوا عنصرا في التركيبة فقط وانما هم ركن من أهم أركانها وببروز الثورة الايرانية تعزز دورهم أكثر.
  • إن قوة الثورة الإسلامية في إيران كان إضافة للطائفة الشيعية عكس نفسه على الواقع السياسي اللبناني.
الغزو الإسرائيلي للبنان في 1982م كان أحد اهم العوامل التي أسهمت في ظهور تنظيم حزب الله اللبناني

  (5)

«سوف نكسر ونسحق عظامكم» إسحاق رابين ل أطفال الإنتفاضة

7 – فجأة في أوائل شهر ديسمبر 1987 اندلعت نيران الانتفاضة الأولى في قطاع غزة ومنها انتشرت الى بقية الأرض المحتلة كان مشهد الأطفال الفلسطينيين وهم يرمون قوات الاحتلال بالحجارة يبعث على الفخر والاعتزاز بشجاعة وجسارة هؤلاء الاطفال وقد عبر (إسحاق رابين) وهو وقتها وزيراً لدفاع إسرائيل في حكومة (شامير) عن مأزق الجيش الإسرائيلي في عبارتين شهيرتين قال أولاهما في بداية الانتفاضة، ونطق بالثانية في حالة يأس من إخمادها.

 في المرة الأولى قال “رابين” مهدداً أطفال الحجارة: (سوف نكسر ونسحق عظامكم).

وفى المرة الثانية كان قوله أقرب للاعتراف بالفشل: (إن الجيش الإسرائيلي لا يمكن تحويله إلى قوة بوليس تطارد أطفالا في شوارع مدينة فقيرة من مدن العالم الثالث).

أطفال يتصدون لجنود الاحتلال الإسرائيلي خلال الانتفاضة الفلسطينية الاولى 1987-1993

كانت الانتفاضة أهم الاسباب التي إضطرت عدد من قادة إسرائيل على مراجعة أفكارهم وكان على رأس هؤلاء (شيمون بيريز) و (إسحاق رابين) وكانت الانتفاضة الى جانب الصعود القوى للإسلام السياسي أهم الأسباب للذهاب الى توقيع اتفاقية (أُسلوا) في (13 سبتمبر 1993) تلك الاتفاقية التي قال عنها شاعر الثورة الفلسطينية الكبير (محمود درويش): (إننا بهذه الاتفاقية قد دخلنا إلى زمن بغير ماضٍ).

كان الفرح بتلك الإتفاقية من قبل (المؤسسة اليهودية في أمريكا) كبيرا فقد اعتبروا هذا اليوم يوماً فاصلاً لأن التوقيع على اتفاق إعلان المبادئ يعنى قبل أي إعتبار أخر أن الشعب الفلسطيني وقيادته قبلوا لأول مرة بدولة إسرائيل، وكانت الأهمية المعنوية لذلك لا تقدر فالغزو يستطيع أن يُعطى للقوى فرصة يفرض فيها على الضعيف ما يشاء، لكن الشرعية تظل مع الضعيف طالما ظل متمسكاً بحقه حتى وإن كان الحق مسلوباً وحتى إذا كانت السيادة منتهكة.

 لكنه حين يعترف الضحية ويضع توقيع بالقبول ويضع توقيعه بالقبول فأن الأمر لا يصبح مسألة قوة وإنما يصبح مسألة اتفاق، وهذا يستكمل له القيمة المعنوية للشرعية.

وكان هذا ما عبر عنه يومها وزير البيئة الإسرائيلية وقتها (يوسى ساريد):

«إن إسرائيل اليوم خُلقت من جديد، فمنذ إنشائها لم تكن الدولة شرعية فلى المنطقة التي قامت فيها. وقد ظلت طوال الحقب الماضية قادرة على أن تغزو وتقمع وتنتصر ولكن بلا شرعية. واليوم 13 سبتمبر 1993 اكتسبت إسرائيل شرعية الاعتراف بها».   

عرفات ورابين وكلينتون خلال التوقيع على اتفاقية أسلوا في 13 سبتمبر 1993م

 

 (6)

«نحن نريد عملية تدويخ قبل الدخول في الكلام الجد!» بيريز لميتران

لقد كان الهدف الإسرائيلي من توقيع اتفاقية (أُسلوا وأخواتها) فيما بعد هو:

أولاً: إعطاء الشعب الفلسطيني أمل في إنهاء معاناته بدون تضحيات لكى تخف مقاومته ويسهل ترويضه.

ثانياً: سحب البساط من تحت أقدام القيادة الفلسطينية (عرفات ورفاقه) وتحويلهم في نظر شعبهم الفلسطيني من (مناضلين ضد إسرائيل) إلى (مفاوضين مع إسرائيل) والفرق كبير بين المعنيين.

ثالثاً: أنه بمرور الوقت مع المفاوضات سوف يتعود الطرف الفلسطيني على تخفيض سقف توقعاته.

ويروى الاستاذ (محمد حسنين هيكل) رحمه الله:

 (أنه في نهاية عام 1993 أي بعد أسابيع من إعلان اتفاق أوسلو قابل الرئيس الفرنسي وقتها (فرنسوا ميتران) في (قصر الاليزيه) أنه سأل الرئيس (ميتران):

(إن كان يتوقع قريباً نتائج مع الآمال المعلقة على اتفاقية “أُسلو”

 فرَّد (ميتران) بما ملخصه (أن ذلك يتوقف على ما أعنيه بكلمة قريباً؟)

وقلتُ أي (هيكل): (إننى لا أتحدث عن غد أو بعد غد ولكن عن شهور خمسة أو ستة).

 ورد (ميتران) بتؤدة بما مؤداه: (أنه سوف يكون راضياً اذا توصل الطرفان الى حل خلال خمس أو ست سنوات وليس شهور). وأضاف (ميتران) بنبرة أقرب إلى التساؤل منها إلى السؤال: (فهمت أن عرفات متفائل بنتائج سريعة؟)

ويومها قلت للرئيس الفرنسي مندهشاً: (إنني لا أتصور أن عرفات بعد كل هذا الذي قدمه قادر على الإنتظار خمس أو ست سنوات). ورد هو بسرعة قائلاً: (وهذا بالضبط ما يريدونه).

فرنسوا ميتران (1916-1996)
فرنسوا ميتران (1916-1996)، شغل منصب الرئيس الفرنسي في الفترة (21 مايو 1981 – 17 مايو 1995م)

ثم راح يروى لي طرفاً من تفاصيل حوار بينه وبين “شيمون بيريز” قبل أيام..

قال لي إنه بنفسه سأل (بيريز) (هل لديكم ما تقدمونه لعرفات بعد ذه المخاطرة التي أقدم عليها بإتفاق أُسلو؟)

 ورد عليه (بيريز) ب: (أنهم لم يفكروا بعد!)

ولم يصدق (ميتران) أنَّ ذلك يمكن أن يكون صحيحاً، فسأل (بيريز) بما معناه) ألم يكن لكم تصور لمشروع تطرحونه على الفلسطينيين عندما دخلتم معهم في مفاوضات سرية في أُسلو؟).

محمد حسنين هيكل (23 سبتمبر 1923 – 17 فبراير 2016)؛ أحد أشهر الصحفيين العرب والمصريين في القرن العشرين.

ورد (بيريز): (بأن كل تصورهم كان أن يتعاملوا مع قيادة منظمة التحرير نفسها وليس مع وفد يحمل ورقة تفويض بالكلام نيابة عنها في مدريد او واشنطن).

وأضاف بيريز إيضاحاً قال فيه:

(إننا شعرنا أن الفلسطينيين يتختم عليهم تخفيض سقف توقعاتهم، وأن أي وفد يحمل تعليمات من القيادة الفلسطينية لن يستطيع القيام بهذه المهمة، وعلى فرض أن وفداً فلسطنياً فهم هذه الضرورة وتصرف بالتجاوز مع تعليماته، فأسهل الحلول تغييره بوفد آخر، وأما اذا كانت القيادة نفسها هي المفاوض فمعنى ذلك أن الجالس أمامنا هو الذى يملك القرار وحينئذٍ يكون الباقي علينا).

وطبقاً لرواية الرئيس (ميتران) فإنه حين طلب من (شيمون بيريز) مزيداً من الشرح، سمع من (بيريز) ما معناه:

إنهم (يحتاجون وقتاً طويلاً يأخذون فيه الفلسطينيين إلى مائدة المفاوضات ثم يعودون بهم من قرب المائدة، ويطرحون عليهم صيغاً واسعة مفتوحة لكل الإجهادات، ثم يأخذونهم معهم إلى تمارين في الصياغة قد تكون مفيدة في تعليمهم دون أن تكون بالضرورة مؤدية إلى إتفاق معهم، ثم إنهم سوف يعرضون عليهم وساطات ووسطاء يذهبون بأفكار ومقترحات ويجيئون بأفكار ومقترحات، ويتركونهم يذهبون الى واشنطن ونيويورك ويعودون من واشنطن ونيويورك، ثم يكون من هذا الجهد كله أن يؤقلم الطرف الفلسطيني نفسه تدريجياً على كيفية تخفيض سقف توقعاته).

شمعون بيريز أ وشمعون بيريس (2 أغسطس 1923 – 28 سبتمبر 2016)؛ شغل منصب رئيس الدولة (وهو منصب فخري في إسرائيل) من 15 يوليو 2007 وحتى 24 يوليو 2014، كما تولى رئاسة وزراء إسرائيل مرتين، الأولى 1984 إلى 1986، والثانية 1995 إلى 1996 بعد اغتيال إسحق رابين.

وحين لاحظ (ميتران) أنى أسمعه باستغراب، إختصر الطريق ليقول بسرعة:

(اعترف لي بيريز صراحةً أن علينا جميعاً أن نعطيهم فرصة لعملية (تحضير) سياسي يؤدى إلى تخفيض سقف توقعات الطرف الفلسطيني).

ثم وضعها على بلاطة كما يقولون ليضيف:

(كيف أقولها لك؟… هم يريدون عملية تدويخ قبل الدخول في الكلام الجد!).

ومن يومها منذ توقيع اتفاقية أوسلو وحتى اليوم؛ يقوم المفاوض الإسرائيلي باختلاف أشخاصه (من بيريز ورابين لشارون ونتنياهو وبينهم رجال من عينة يوسى ساريد وبنيامين بن اليعازر وعامير بيرتس ونساء من عينة تسيبي ليفنى وإيليت شاكيد)، وباختلاف انتماءاتهم السياسة (من أقصى اليمين حتى يسار الوسط)!، وباختلاف مرجعياتهم وولاءتهم الحزبية (من حزب العمل لليكود وبينهم كاديما وإسرائيل بيتنا) بالعمل وفق الاستراتيجية التي تهدف لتخفيض سقف توقعات المفاوض الفلسطيني بالسياسة والكلمة الناعمة تارة وبالقوة وبالرصاصة القاتلة ترة أخرى.

وبين الكلمة الناعمة والرصاصة القاتلة قُبلات من فاتنة الموساد السابقة والسياسية الحالية تسيبي ليفنى تطبعها على وجنتي المفاوض الفلسطيني من عريقات وحتى أبو مازن!، لحلحلة الأمور ولتنعيم المشاعر الفلسطينية القاسية المتحجرة، فما أحلى الحب والغرام في غرف المفاوضات المغلقة!!

وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني مع كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات بصحبة وزير الخارجية المريكي جون كيري

ولعل التدقيق في نجاح نتانياهو كرئيس للوزراء في إسرائيل أكثر من مرة يكشف عدة حقائق:

الحقيقة الأولى: أن إسرائيل تعرف نفسها كمجتمع حرب ولكنها لا تعرف نفسها كمجتمع سلام.

الحقيقة الثانية: إن هذا المجتمع لا يريد أن يدفع مقابلاً للسلام، وإنما يريد كما يقال أن (يعطى السلام مقابل السلام). وهذا معناه بالضبط للطرف العربي الإستسلام إلى أبد الأبدين.

الحقيقة الثالثة: إن هذا المجتمع ليس جاهزاً لكى يبت في المؤجلات والمعلقات وهى كثيرة: المستوطنات،اللاجئون، الحدود النهائية.

ثم إنه وفوق ذلك ليس مستعداً على الإطلاق لإعطاء شبر من الأرض في القدس مع العلم أن أقصى ما كان يفكر فيه (بيريز) ومن خلفوه بعد ذلك هو رفع علم عربي – أي علم عربي أو إسلامى على المسجد الأقصى، ورفع علم الفاتيكان على كنيسة القيامة.

وحينما جرى الإلحاح عليه في أن الرأي العام العربي يريد القدس الشرقية كان اقتراحه جاداً – إنشاء مدينة جديدة بين رام الله والقدس يطلق عليها إسم (القدس العربية) وذلك يحل المعضلة!!.  

ومن عام 1993 و حتى اليوم عام 2020 أي ثلاثة وعشرين عاماً والسياسة الإسرائيلية على حالها وأغلب الظن أنها لن تتغير وخصوصاً بعد التطورات في المحيط العربي في بلدان رئيسية مثل العراق ولبيا وسوريا واليمن والقلاقل في مصر والعلاقات الإسرائيلية الخليجية التي صارت علنية وعلى رأسها العلاقات مع السعودية.

 كانت تلك أبرز المحطات على الخريطة الإسرائيلية للوصول للحائط المسدود لأن الإسرائيليين ليس لديهم شيء يعطونه للفلسطينيين ولا للسوريين أي أن (السياسة الإسرائيلية تُدير الصراع ولا تعمل من أجل إنهائه).

وأخيراً فإن إطلالة واحدة على المشهد العربي نستطيع من خلالها أن نلمح فيه الكثير والكثير والكثير وكله بغير استثناء مزعج أو محزن أو مُخزى ثم إن أغلبه في غالب الأحيان مأساوي و دموي.

المراجع:

    1. مذكرات “ناحوم سوكولوف”.
    2. الوثائق الإسرائيلية – أرشيف الكنيست.
    3. دراسة صنع القرار الإسرائيلي – أفي شلايم.
    4. مذكرات ليفى أشكول.
    5. محمد حسنين هيكل – الحروب الإسرائيلية العربية.
    6. المحادثات السرية لهنري كيسنجر في إسرائيل – ماتى جولاني.
    7. هيكل المفاوضات السرية بين العرب واسرائيل ج 3
    8. هيكل – الوثائق الإسرائيلية.
    9. Getty images.

ملاحظة: الآراء الوردة في الدراسة تعبر عن وجهة نظر كاتبهان ولا تعبِّر بالضرورة عن وجهة نظر منصة روافد بوست.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.