دين عروض كتب مقالات

عرض كتاب السُّنَّة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث – للغزالي

سلسلة كتب تقرؤنا:
كتاب السُّنَّة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث – للمفكر محمد الغزالي

بقلم الأستاذ محمد عبد العاطي

كتاب الشيخ محمد الغزالي (1917–1996) “السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث” من الكتب التي تهدف مباشرة إلى تطوير الفكر الديني وتخليصه من الشوائب التي لحقت به. الفكرة الأساسية في الكتاب هي التعامل الخاطئ مع سُنة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فبعض المسلمين يقتدي بحديث ثبتت صحته سندًا لكن به علة أو شذوذ في المتن تجعل الأخذ به مخالفًا للمعروف من القرآن والمشهور من مجمل تعاليم الإسلام وتوجهاته، وقد عدَّد الشيخ الغزالي عشرات الأحاديث التي من هذا النوع لاسيما ما كان منها ذا صلة بالزي واللباس وبالأخص: جعل النقاب فرضًا، وتحريم الغناء والمعازف، والاختلاط بين الرجال والنساء، وبعض أنواع الزكاة، ومس الجن والشيطان.. وغيرها من موضوعات كانت محل جدل بين المتدينين.

وقد ألقى الغزالي، العالم الأزهري، بثقله فجمع هذه الأحاديث وبيَّن ما بها من علل وشذوذ رغم ورود أغلبها في كتب الصحاح ومنها كتابا البخاري ومسلم. فمثلًا برهن على أن حديث “لا يُقتل مسلم بكافر” يخالف ما ورد في القرآن من تساوي النفس الإنسانية سواء كان المقتول مسلمًا أم غير مسلم “النفس بالنفس”، وحديث سماع الموتى نداء الرسول بما ورد في القرآن الكريم من قوله تعالى: “وما أنت بمسمعٍ مَن في القبور”، وكذلك فعل مع أحاديث: شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، وحديث غفران الله للمرأة التي أطاعت زوجها الذي طلب منها عدم الخروج لحضور الصلاة على والدها المتوفى، وحديث السِّحْر الذي قيل: إن أحد اليهود فعله للرسول فأثَّر به على عقله وإرادته وقدرته الجنسية مدة ستة أشهر.. وغير ذلك من الأحاديث التي حفل بها الكتاب، وهي كما قال المؤلف صحيحة السند معلولة المتن لمخالفتها القرآن من جهة وللمشهور من أحاديث أخرى تتماشى مع أصول الإسلام وعمومه من جهة ثانية.

ويعزو الغزالي بعض أسباب الوهن الذي أصاب الفكر الإسلامي إلى أن أهل الحديث وحدهم غير مؤهلين لفهم ما يرونه، وغير أكفاء في تنزيل أحكامه على الواقع، لأنهم معنيون بأمور تقنية حرفية لها علاقة بالجرح والتعديل وما شابه، أما الفقهاء الراسخون في العلم فهم أدرى بمناسبة الحديث، ومدى ملاءمة الأخذ به من عدمه.

لكن الغزالي في كتابه المشار إليه لم يذكر السبب الذي جعل رواة الأحاديث لا يلتفتون إلى علة المتن وشذوذه، أو السبب الذي جعلهم يتعرفون على شذوذ المتن ومع ذلك أبقوا على هذه الأحاديث بين كتبهم تتناقلها الأجيال.

والحق أن كتاب الغزالي يفتح الباب أمام قضية الخوف من نقد متن الأحاديث الواردة في كتب الصحاح كتلك التي قال عن بعضها: إن بها عللًا وشذوذًا، ويطرح تساؤلًا عن السبب، والأهم أنه يحفز المعنيين للتفكير في طرق المعالجة.

وكأي كتاب لا يخلو من تقييم لقارئه يقول فيه: لو كان المؤلف فعل كذا لكان أفضل ولو أضاف كذا لكان أرجح، فإنَّ الشيخ الغزالي وجَّه كتابه لمعالجة ما وصفه بالانحرافات الفكرية لدى شباب الصحوة الإسلامية؛ ما يعني أن جمهور القراء هم في الغالب من المعنيين بموضوع الإسلام السياسي ولو وجهه لعامة الفكر الإسلامي وعموم المسلمين لكان أفيد ثمرةً وأوسع انتشارًا.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.