دين صحة عامة وطب مقالات

الأستاذ محمد عبد العاطي يتساءل: لماذا خلق الله الفيروسات؟

نعلم أن الله عز وجل خالق كل شيء، ومن هذه الأشياء التي خلقها الفيروسات التي يكافح البشر انتشار إحداها الآن ويخشون على حياتهم منها، فلماذا خلق الله مثل هذه الكائنات التي تفتك بالبشر والحيوان والنبات؟ ما الحكمة من خلقها؟ ألم يكن العالم أكثر أمنا لو لم تكن هذه الأشياء قد خُلقت ابتداءً؟ يتساءل كثير من الناس.

الحق أن هذا سؤال صعب ويحتاج إلى تفكير عميق قبل تقديم إجابة عليه، ذلك لأنه ما أسهل الإجابات الجاهزة من قبيل: لا يُسأل عمَّا يفعل. هو أدري بمراده. الخلق خلقه يفعل فيه ما يشاء. ابتلاء يبتلي به البشر ليرجعوا إليه.. إلى آخر هذه الأجوبة التي ربما تكون مقبولة في حالة ما قطع الإنسان شوطا في التفكير والبحث والتقصي والتأمل ثم توصل في النهاية إلى عدم المعرفة ومن ثم الاتجاه إلى ذلك النوع من الإجابات.

لكن لم لا نحاول الفهم معا. لم لا نفكر سويا بصوت مرتفع عن الحكمة من خلق مسببات المرض على هذه الشاكلة الوبائية؟

من جانبي لقد تفكرت في هذا الأمر طويلا، وبخاصة حينما أصابني مرض بكتيري خطير قبل ثمانية أعوام وكاد يقضي على حياتي لولا لطف الله بي وإهداءه الشفاء لجسدي العليل فاستعدت صحتي بحمد الله. في تلك الفترة وعلى مدى عامين أقعدني المرض في الفراش فترات طويلة وعصفت في ذهني تلك الأسئلة كلها، ثم رأيتني قد انتقلت إلى حالة من تسليم الأمر كله لله وتفويضه في أمري يفعل به ما يشاء، وذلك بعد أن أيقنت (وليس فقط علمت) أننا لا نملك من أمرنا شيئا، وأننا جميعا (أعني بالجميع كل الكائنات على وجه الأرض) خلقه، وهو جلَّ في عليائه لا يفرق بين أحد من خلقه. عدله يشمل الجميع. هبة الحياة منحها لكل من على ظهر الأرض. وفق قانون إلهي كوني يطبق على كل ما نراه وما لا نراه تطبيقا الجميع تحته سواسية؛ الكبير والصغير، الطفل والشاب، المرأة والرجل، الشيخ الهرم والفتى اليافع، الحيوانات بأنواعها، والنباتات بفصائلها، والطيور بأصنافها، والحشرات بمستعمراتها، الأفلاك والنجوم والكواكب… كل من له روح، وكل ما خُلق من مادة، الكل تحت هذا القانون الإلهي الكوني على قدم المساواة.

وبالتطبيق على ما نراه ونسميه نحن البشر مرضا نتساءل عن سبب وجوده ولماذا لا يمحوه الله من الخليقة نجد أنه في سياق القانون الإلهي الكوني ليس اسمه مرضا ولا ابتلاء ولا عملا من أعمال الشر ولا غير ذلك من هذه المسميات اللغوية التي تأخذنا إلى المتاهات.. إنها ببساطة قانون الحياة الذي يُسيِّر الوجود.

فكما خلق الله الإنسان خلق أيضا ملايين الكائنات الأخرى بعضها نراه كالحيوانات والطيور والنباتات وبعضها لا نراه كالفيروسات والبكتيريا والطفيليات. نعرف بعض الحكمة من خلق هذه وتلك ولا نعرف البقية، أو بمعنى أدق لا نزال لا نعرف لأنه سيأتي زمان يتطور العلم أكثر ونعرف أكثر. فعلى سبيل المثال دلنا العلم على أنواع من البكتيريا نافعة للأمعاء وغيابها يسبب عوارض مرضية. هذا مثال على أن بعض ما تساءلنا بشأنه في الماضي وقلنا عنه آنذاك لمَ هو مخلوق، مرت الأعوام وعلمنا بعضا من حكمة خلقه. وهكذا سيأتي يوم نعرف فيه لماذا خلق الله الفيروسات والبكتيريا.

هذا جانب من الإجابة.

الجانب الآخر الذي أُلقي في روعي أثناء رحلة المرض سابقة الذكر، أن آلية البقاء في هذا الكون قائمة على اعتياش كل كائن على آخر، في دورة ولادة وموت لا تتوقف. الفيروسات تعتاش على خلايا الإنسان ولولا قيامها بالتهام هذه الخلايا لماتت، وكريات الدم البيضاء تعتاش على التهام هذه الفيروسات، وهكذا في دائرة بين هذه وتلك؛ يرسمان معا بمهاجمة كل منهما الآخر فيموت أحدهما ليعيش الآخر، ويعيش أحدهما ليموت الآخر، دائرة من الولادة والممات لا تتوقف.

وهكذا دواليك.. بعض أنواع البكتيريا تفيد جذور النبات والإنسان يلتهم النبات والفيروسات تلتهم الإنسان والجميع يموت فتبدأ أنواع من البكتيريا والحشرات والديدان في القيام بعملية تحلل بيولوجي Biodegradation تعيد فيه تدوير كل ما أصبح ميتا وتنتج موادا عضوية جديدة نافعة للحياة، حتى أن بعض أنواع البكتيريا تحلل المعادن وتستخرج منها الكثير من المواد الصيدلانية والنظائر المشعة والفلزات في عملية تعرف بـ biomineralisation.

فإذا كان الأمر كذلك فيما نعرف، وهو قليل للغاية (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) فكيف هو الحال مع ما لا نعرف، ومنها عالم الفيروسات التي تبدو لنا فتاكة، ونتساءل عن سر خلقها وحكمة وجودها، وإذا لم نهتد إلى جواب زلزلنا الشك وذهبت بنا الظنون والهواجس كل مذهب.

لذا، وعودة مرة أخرى إلى ما خلصت إليه في تأملي إبان إصابتي بأحد أنواع البكتيريا التي كانت بالنسبة لي ضارة لكن بالنسبة لها كنت أنا غذاء ضروريا لبقائها.. فإننا جميعا، نحن وكل المخلوقات التي نراها والتي لا نراها، خلق من خلق الله، لا حيلة لنا إلا أن نستسلم لمشيئته ومراده ولقانونه الكوني الذي وضعه بالعدل وطبقه على الجميع دون تفرقة أو استثناء.

وتلكم هي راحة العبودية التي لو استشعرناها “بيقين” لكانت لنا بردا وسلاما وسكينة ورضا.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

One Reply to “الأستاذ محمد عبد العاطي يتساءل: لماذا خلق الله الفيروسات؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.