دين سياسة عروض كتب مختارات مقالات

عرض كتاب “الدين والدولة وتطبيق الشريعة” للمفكر الجابري

سلسلة كتب تقرؤنا:
كتاب ” الدين والدولة وتطبيق الشريعة ”
للمفكر محمد عابد الجابري

بقلم الأستاذ/ محمد عبد العاطي – مصر

يقدم المفكر المغربي، محمد عابد الجابري (1935–2010)، في هذا الكتاب نظرات واجتهادات تتميز بالأصالة من جهة وبالقدرة على مواكبة تعقيدات العصر من جهة ثانية، وهذا ما يمنحه أهمية ويجعله جديرًا بالقراءة والمدارسة.

فعلى سبيل المثال، خصص الجابري في كتابه فصلًا عن تطبيق الشريعة الإسلامية بالنسبة للمجتمعات والدول المسلمة المعاصرة وما إن كان الواجب الأخذ بحرفية النص أم بتأويله، وإذا كان المفترض الاتجاه نحو التأويل فأي مرجعية نعتمد ونحن نؤوِّل نص القرآن وأفعال النبي: هل نعتمد فهم فلان وعلان من المفسرين أم نعتمد تأويل النص بما يحقق المصلحة الكلية للمسلمين حتى وإن اضطر الأمر إلى تأجيل تطبيق النص إذا كانت الظروف والأحوال قد تغيرت ولم تعد تسمح بتطبيقه؟

ويخلص الجابري -بعد استشهادات كثيرة سَيَرِدُ ذكرها في سياق هذه القراءة- إلى أن “المصلحة الكلية” للمجتمع المسلم هي الحاكمة ونحن ننظر في النص القرآني، وأننا بحاجة إلى إعادة تأصيل الأصول لتكون المصلحة الكلية هي الحاكمة في التأويل وفق أعمال الصحابة الذين فعلوا ذلك لأنهم أولًا أقرب الناس فهمًا لروح النص، وثانيًا لأنهم سبقوا عصر المذاهب والفرق التي جعلت الخلاف كبيرًا، على حدِّ قوله.

وعن التدليل على هذه النظرة التي من شأن تطبيقها أن تحفظ للشريعة الإسلامية قدرها وفي نفس الوقت تفتح الباب أمام تأويلها بما يخدم مصلحة الدولة والمجتمع في جلب المنفعة ودرء المضرَّة، حتى ولو كانت النصوص الحرفية تقول بعكس ذلك؛ إذ يمكن تأجيل تطبيق هذه النصوص طالما أن الواقع المفترض أن تعالجه قد تغير والظروف قد تبدلت، ولا حرج في ذلك لأن الصحابة أنفسهم فعلوا هذا الأمر كما يتضح من الأمثلة التالية:

أبو بكر وعمر والموقف من مانعي الزكاة

إن أبا بكر الصديق حينما أصرَّ على محاربة القبائل التي بقيت على إسلامها بعد وفاة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم) لكنها امتنعت عن أداء الزكاة لأنها نظرت إليها على أنها إتاوة كانوا يقدمونها للرسول تعبيرًا عن “الولاء” فلما مات رأوا أن خليفته لا حقَّ له في تقاضيها، بينما نظر إليها أبو بكر على أنها من أركان الإسلام وأنه لابد من مقاتلتهم على تأديتها حتى ولو كانت عقال بعير.. هكذا كان موقفه، بينما كان موقف عمر يتمثل في عدم مقاتلتهم لأنهم مسلمون وليسوا مرتدين، والرسول يقول: “أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله؛ فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم”.. فرد عليه أبو بكر: أليس قد قال النبي بعد هذا: “إلا بحقها”، ومن حقها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.. ومضي في حربهم حتى انتصر عليهم وأعاد إخضاعهم لسلطته.

وبعد وفاة أبي بكر وتولي عمر السلطة عاد إلى تأويله هو وليس تأويل أبي بكر فأعاد إلى تلك القبائل “السبايا والأموال وإطلاق المحبوسين منهم والإفراج عن أسراهم”.

وهكذا، يكون الخليفة عمر قد عاد إلى تطبيق الشريعة على الوجه الذي أداه إليه اجتهاده، حتى بعد أن كان أبو بكر قد طبقها قبله على وجه آخر في هذه المسألة، ولم ير الناس، لا الصحابة ولا غيرهم، أي حرج في هذا الاختلاف حول تطبيق الشريعة في مسألة واحدة بعينها. لقد فهموا الأمر كما يجب أن يُفهَم: لقد غلَّب أبو بكر مصلحة الدولة يوم كانت الدولة مهددة فقاتل مانعي الزكاة، أما عمر بن الخطاب الذي تولي الخلافة، والدولة وطيدة الأركان، فقد ارتأى أنه من المصلحة رد الاعتبار إليهم وطي الصفحة طيًّا، وذلك وفاقًا مع “الدين”، أي نص حديث الرسول الذي استشهد به. وهكذا نرى -والكلام دومًا للجابري- أن تطبيق الشريعة هنا قد دار مع المصلحة. وهذا لا يعني أن الشريعة يجب أن تتغير بتغير المصالح، كلا؛ فالشريعة ثابتة ومطلقة لأنها إلهية، ولكن بما أنَّ قصد الشارع هو جلب المنافع ودرء المضار، وبما أن المنافع والمضار أمور نسبية تتغير بتغير الظروف والأحوال، فإن “التطبيق” وحده هو الذي يجب أن يتغير بتغير المصالح، فالأمر إذن لا يعني “تعطيل” النص، بل يعني فقط تأجيله بالتماس وجه آخر في فهمه وتأويله.

تقسيم غنائم أرض السواد

والحال نفسه فعله عمر بالنسبة لتوزيع أرض سواد العراق (الأرض شديدة الخصوبة) على المقاتلين، واللجوء بدلًا من ذلك إلى فرض الخراج وإبقائها هي وأرض الشام ومصر بيد أهلها المزارعين حتى لا يتحول المقاتلون المسلمون العرب إلى فلاحين ويتركوا القتال والثغور، فعل ذلك رغم اعتراض بعض الصحابة على هذا الأمر استنادًا إلى النص القرآني الذي يقضي بتقسيم الغنائم على الجند الفاتحين. وقد كانت وجهة نظر عمر مبنية على النظر إلى مستقبل تلك الأراضي إذا آلت لأيدي أناس لا يعرفون الزراعة والفلاحة، ومستقبل الجيش الإسلامي إذا ترك الجند حياة الجندية وتوجهوا للعيش وسط المزارع والحقول.

سهم المؤلَّفة قلوبهم

ومما فعله عمر أيضًا موضوع “المؤلفة قلوبهم” من بين مستحقي الزكاة؛ حيث كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يعطي بعض كبار قريش ممن أسلموا حديثًا حتى ممن كانوا لم يعتنقوا الإسلام بعد، وذلك استمالةً لهم، وقال في ذلك: إني أعطي الرجل وغيره أحب إليَّ تأليفًا لقلبه. ولما تولي أبو بكر سار سيرة الرسول في هذا الأمر إعمالًا للنص القرآني والنبوي، وحدث أن جاء رجلان من هؤلاء في عهد عمر يطلبان قطعة أرض بحجة الاستمرار في تأليف قلبيهما فثارت ثائرة عمر، وقال لهما: إن رسول الله كان يتألفكما والإسلام يومئذ قليل، وإن الله قد أغنى الإسلام، اذهبا فاجهدا جهدكما، لا يرعى الله عليكما إن رعيتما.

وواضح من هذا أن أبا بكر كان قد سار في تطبيق الشريعة على هذا النازلة وفق ما ينص عليه القرآن، وعلى ما كان يفعل النبي، ولكن عمر رأى أن المصلحة التي كانت في إعطاء (المؤلفة قلوبهم) لم تعد قائمة؛ إذ صار الإسلام قويًّا في غير حاجة إلى تأليف قلب أحد. ثم يقول: ولا ينبغي أن يُفهم من هذا أن عمر قد عطَّل النص، بل يجب النظر إلى عمله لهذه المسألة على أنه رجع إلى اعتبار ما يمكن وصفه بـ”المصلحة الأصل” في الزكاة، وهي التخفيف من حاجة الفقراء والمساكين، وأهمل “المصلحة الفرع”، أعني استمالة (المؤلفة قلوبهم)، وهي مصلحة كانت مؤقتة ولم تعد قائمة.

التعامل مع السارق وشارب الخمر

وكذلك الحال بالنسبة للنظر إلى المصلحة وعدم التقيد بالنص فيما يتعلق بحد قطع يد السارق، وما فعله عمر في “عام المجاعة” حيث نهى عن قطع يد السارق بسبب الجوع. والتوقف أحيانًا عن ضرب شارب الخمر والاكتفاء بنهر الشارب دون ضربه كما فعل مع أحد أمراء جنده حينما بلغه نبأ تعاطيه الخمر مخافة أن يؤثر هذا الضرب في معنوياته ومعنويات الجنود وقت المعركة.

عمر ومنع زواج المسلمين بالكتابيات

وزواج المسلمين ببنات أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذي أجازه القرآن ومنعه عمر وطلب من حذيفة تطليق مَنْ تزوجها منهنَّ حينما علم بالأمر، ولمَّا سأل حذيفة عن السبب قال عمر: إني أخاف أن يقتدي بك المسلمون فيختاروا نساء أهل الذمة لجمالهن، وكفى بذلك فتنة لنساء المسلمين. ثم عاد المسلمون إلى النص القرآني بعد عمر فيما يتعلق بإباحة هذا الزواج بعد أن تغيرت الحال وصار الضرر المتوقع من الزواج بالكتابية ضعيفًا وغير محتمل.

الخلاصة:

في نهاية هذه الاستشهادات الكثيرة يصل الجابري إلى ما يريد الوصول إليه وهو ما أشرنا إليه في المقدمة بأن “المصلحة الكلية” هي الأصل الوحيد الذي كان الصحابة يعتمدونه في تطبيقهم لأحكام الشرع. وعندما تطور الفقه وأصبح “نظريًّا” يتجاوز ما هو واقع وحاصل من الحوادث والنوازل إلى ما هو ممكن واحتمالي، أي إلى مجال وضع الافتراضات، وما يمكن أن يُتخيل من الحالات، عمد الفقهاء إلى وضع أصول تحكم النظر الفقهي وتنتظم حولها الفروع، أي الجزئيات، الواقعية منها والمتخيلة. ثم تطور الأمر إلى أن أصبحت بعض الفروع أصولًا لفروع أخرى، وهكذا، وكان ذلك كله -أعني الواقع والمتخيَّل- محكومًا بالظروف والأحوال السائدة. ويخلص الجابري للقولك إنه وقد تطورت الأحوال الاجتماعية والاقتصادية تطورًا هائلًا جعل من الحياة المعاصرة واقعًا يختلف نوعيًّا عن الحياة الماضية، فإن تطبيق الشريعة يتطلب “إعادة تأصيل الأصول على أساس اعتبار المصلحة الكلية”، كما كان يفعل الصحابة.

وبعبارة أخرى -والكلام للجابري- فإنَّ تطبيق الشريعة، التطبيق الذي يناسب العصر وأحواله وتطوراته، يتطلب “إعادة بناء مرجعية للتطبيق”، والمرجعية الوحيدة التي يجب أن تعلو على جميع المرجعيات الأخرى هي عمل الصحابة، لأنها المرجعية التي يمكن أن تجمع المسلمين على رأي واحد، ولأنها سابقة على قيام المذاهب وظهور الخلاف، وهي أيضًا الصالحة لكل زمان ومكان لأنها مبنية على اعتبار المصلحة الكلية.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
احمد دلول
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.