ثقافة عروض كتب مختارات مقالات

قراءة في رواية “قمر وثلاثة مسافرين” للروائي الفلسطيني الدكتور جهاد حماد

قلبٌ من العيزرية في القدس يتنفّس الهواء من جديد على نهر التايمز

بقلم/ د. آلاء نعيم القطراوي

لا أدري إن كان العنوان السابق يستطيع تلخيص رواية د. حمّاد (قمرٌ وثلاثةُ مسافرين) والتي جاءت عبر 189 صفحة من القطع المتوسط، مقاطع سردية متوازية غير معنونة، يجيء العنوان (قمر وثلاثة مسافرين) كشفرة جميلة مُلهمة، يبدو العنوان بسيطاً منذ الوهلة الأولى لقراءته، لكنَّ أحداث الرواية تشحنه بالكثير من الرموز والانزياحات ليصبحَ عنواناً مشعّاً وثريّاً، فالقمر هو ليلى التي تُعدّ ثيمة الوطن – فلسطين-  طيف المرأة الذي يرافق المسافرين (أحمد المصري، وأديب الجزائري، ووائل عبد الرحمن الفلسطيني)، هذا التنوّع الديموغرافي لأبطال الرواية، دليلٌ على أنَّ امتداد فلسطين عربيّ وباقٍ، وأنّ الشعوب العربيّة تؤمن بالقضيّة الفلسطينية وعدالتها وقلوبها تهوى إلى القدس كطائرٍ جامح وإن منعتها الأسلاك الشائكة وخذلان الحكّام والقرارات الدولية الجاحدة، لستُ أبالغُ إنْ قلتُ بأن بداية الرواية مدهشة للغاية، تبدأ الرواية بتساؤل لأحمد المصري بعد عملية زراعة قلب:

“لا أدري ماذا يحدث لي يا دكتور سالم، ولا أدري من أيِّ عالم غريب أتتني هذه الفتاة البريّة وهذه الأشعار الحانية، فهذه رابع مرّة أراها في المنام بعد عملية زراعة القلب، أراها بوضوح وأتحدث إليها بارتياح وحنين، وكأنني أعرفها منذ سنين، وكأنني أحببتها منذ فترة طويلة”.

هذه البداية تثير القارئ وتجذبه حتماً، فيبدو أن القلب هو البوصلة الأدقّ للحُبّ، والحافظة الأولى للذكريات وإنْ أخبرنا الطبّ بغير ذلك، فنشعر بقوّة القلب، وعظمة هذه العضلة التي تحوي سرّ الحبّ والحياة والموت وإبداع الخالق العظيم، يثير هذا التساؤل صديقه الجزائري الوسيم من أم فرنسية (أديب بو يحياوي) فيبدأ معه رحلة المغامرة في البحث عن هويّة صاحب القلب المتبرع، علّهم يتوصلون من خلاله إلى تلك الفتاة التي بدأت تهيمن على أحمد، في القانون البريطاني يُمنَع الكشف عن هوّية المتبرع، ما شكّل عقّبةً أمام أحمد وأديب، يلجأ أديب إلى عُمدة لندن ليطلب المساعدة، فقد جمع تبرعات لصالح لندن من خلال فيديو نشره عبر السوشيال ميديا، إذ حقق ملايين المشاهدات في أسبوع، فيحاول العُمدة أن يقدّم له خدمة، فيرسل لهما عبر شخص آخر اسم المتبرع (رامي عبد اللطيف، فلسطيني الجنسيّة)، يبحثان عنه في كل مكان ويتوصّلان إلى أنّ ذلك الاسم ليس اسماً حقيقياً، فيترك حُرقةً في قلب أحمد وهو يقول:

“صدّقني يا أديب، لقد فكّرت كثيراً في تغيير اسمي في هذه البلد، والبحث عن اسمٍ جديد يخلّصني من ذاكرة الألم الموروثة، أتدري لماذا لم أفعل ذلك؟ لأنّي خفت ألا تستدلّ أمي على قبري إذا غيّرت اسمي”.

يطرح الكاتب عقدة الاسم بقوّة، فهنالك أشخاص كثيرون يحاولون الهروب من أنفسهم، يُحرّك هذا الهروب عقّدة الذات التي ترتبط بالخوف، والخوف له روافد مختلفة، مكانة اجتماعية، جنسيّة تعيسة، سخط تاريخي، ذنب حادّ، روحٌ جامحة ملّت قيود الاسم وسلاسله أو ربّما للهروب من المخابرات الإسرائيلية لئلا تصبح عميلاً لها، وهذه الأخيرة هي سبب تغيير المتبرع الفلسطيني لاسمه، حيث قامت المخابرات الاسرائيلية بملاحقته في بريطانيا ليدلي لها بمعلوماتٍ حول الجالية الفلسطينية هنالك، تسيطر الأحداث على اللغة وليس العكس، من خلال أسلوب السرد المتناغم السلس، فأنت تسير فعلاً في شوارع لندن، وتجدّف مع أديب في نهر التايمز وهو يحدّق في عينيّ ماري (ضابطة في المخابرات البريطانية من وحدة مكافحة الإرهاب) تراقب أديب إلا أنّها تقع في غرامه، تقول ماري وهي جالسة على حافة المركب قبالة أديب:

“لقد سئمت حياة المتعبين في هذه المملكة العجوز، سئمت القطار الذي نركبه في الصباح، والابتسامة الحجرية التي نوزعها برتابة على أصدقائنا وخصوصاً في المكتب، سئمت طعم القهوة البليدة، وسئمت ذلك الفراش المخمليّ الناعم الذي لم يسمع قصيدة رومانسية واحدة منذ بدأت بمعاشرة هذا المحامي الانتهازي”.

ربّما تُمثّل ماري واقع المرأة الغربي الذي يفتقد للأمان الأسريّ والإخلاص العاطفي، والذي يبدو ميزةً ظاهرة في المجتمعات الغربية وإن وُجِدَ هذا الأنموذج أيضاً في المجتمعات العربية، ويكشف أيضاً عن انتهازية المخابرات في التعامل مع الإنسان بصفته المجرّدة، وأنّ الإنسان بلا أيّ قيمة مقابل شهوة السلطة وامتدادها، إنّ ماري لا تلتفت لذلك الاعتبار الثقيل في كونها ضابطة في جهاز المخابرات البريطاني، وهي تعترف لأديب بأنّ قلبها معذَّبٌ وصوتها مبحوح ومرآتها مكسورة، فهي منذ زمنٍ طويل لم ترَ صورتها الحقيقة ولم تستمع لعزفٍ عميقٍ في القلب، ترتفع وتيرة الأحداث في الرواية، فتلاحق المخابرات ماري وتدبّر لها عملية دعس متعمدة لتسقط سيارتها في النهر ويتخلّصوا منها، لكنّ الكاتب أراد لماري نهايةً مفتوحة، وقعت في النهر وجرفها التيّار، وتخلّت عنها الشرطة، وشرب نخب القضاء عليها جهاز المخابرات، وبقي أديب الحالم ينتظرها على المقعد ذاته في حديقة ريجنت بارك، ربّما تأتي هذه النهاية لماري غير المكتملة برأيي في سياق أنّ أي عملية ينفذها جهاز أمني قويّ في الدولة يجب أن تموت كل الأسئلة حولها، تماماً كما ماتت ماري في أعماق ذلك النهر:

” تذكّر يا إدوارد، أريد أن يبدو كلّ شيء كأنّه حادث سير عاديّ، لا أريد من أحد أن يشكّ في أي شيء، مجرّد سائق مخمور في ليلة سبت طائشة ارتطم بالخطأ بسيارة الفتاة المسكينة”.

تظهر شخصيّة أبو صالح الذي يعيش في كوخٍ ناءٍ على إحدى المرتفعات فيرى برفقة رشيد سيارة ماري التي تسقط في المنحدر يحاولان مساعدتها إلا أنّ السيارة من النوع الألماني مُحكمة الإغلاق، وزجاجها ضدّ الكسر، تشتدّ العاصفة ويوشك رشيد على الغرق، فينقذه أبو صالح إذ لا يتمكن من إنقاذ ماري، لقد تعمّد الكاتب في أن يعطي لأبي صالح الجنسيّة الفلسطينية، وجعله يلعب أكثر من دور سريّ في الرواية، كلّها أدوار إنسانية وعمليات إنقاذ بارعة، وكأنّه يقول لنا الفلسطيني قبل أن يكونَ ثائراً، فهو إنسانٌ جدّاً، إنَّ إنسانيته هي التي جعلت منه ثائراً أسطوريّاً، يقول أبو صالح حينما يُسألُ عن اسمه الحقيقيّ:

“الحياة المتوترة التي عشناها علّمتنا أن المعلومة أحياناً كثيرة تكون عبئاً ثقيلاً خصوصاً على الأصدقاء، لذلك أُفضّل الاحتفاظ بها لنفسي، وفي النهاية ما قيمة الأسماء إذا كنّا نبحث عن الأفكار والمعاني”.

يعود الكاتب هنا لطرح عقدة الاسم وماهيته من خلال اسم أبو صالح “المستعار” والذي لديه خمس جوازات سفر مزوّرة وتاريخ نضالي طويل، تصبح المعلومة عبئاً على الأصدقاء حين تكون عن ثائر حقيقي ومقاوم شريف، إنّ أبو صالح يعيش باسم مزيّف، وبقلب حقيقي وواضح وضوح عدالة القضيّة الفلسطينية، من زاويةٍ أخرى تظهر لنا زميلة أديب في العمل (ميشيل) امرأة لعوب متزوجة من شخص يُدعَى فيرناندو، تظل تلاحق أديب ليقع في شباكها، فيُدبّر فيرناندو كميناً لأديب بوضع المخدرات في منزله، إلا أنّ ماري تحذّر منه أديب، فيقوم صديقه رشيد بتكليف شخصين بضربه وسرقة المخدرات، ليصبح فيرناندو مجرّد شخصٍ عاجز على كرسي متحرك، إلا أنّه سرعان ما ينتقم فيرسل هؤلاء الرجال ذاتهم بعد تهديدهم إلى منزل أديب فيفتح أحمد الباب، ويضربانه حتى يكاد أحمد أن يموت، ظنّاً منهما أنّه أديب، تتسارع أحداث القصة، ويُقتل رشيد وهو يحاول الانتقام من المجرمين اللذين ضربا صديقه أحمد، تشعر بمتعة وأنت تقرأ الرواية بينما تزدحم أبيات الشعر الرومانسية الحالمة هنا وهناك، وبعض أغاني فيروز التي تُذكّرك بالقُدس، تظلّ الأحداث غامضة غير مكشوفة، يقرر أديب أن يبحث عن المتبرع في المقابر الإسلامية فيلتقي هنالك عجوزا ثمانينياً ويعرف قصّة مجيء أديب فيسأل العجوزَ عن اسمه فيردّ:

“اسمي خمسة وثمانون عاماً من التيه، خمسة وثمانون عاماً على الطريق الواصل ما بين المخيمات والقصور، خمس وثمانون عاماً بين حضن أمي التي ماتت في برد المخيمات وبين أحضان عشرات النساء اللواتي لم يعطنّي شيئاً سوى الشعور اللانهائي بالعطش المرّ، خمس وثمانون عاماً وأنا أركض فراراً من القدر بكل ما أوتيت من قوّة، ولكن بلا فائدة، لقد أخذت كل المسكنات والمهدئات وتعاطيت كل أنواع الخمور لكي أنسى ولكن بلا فائدة يا ولدي، فهل تعتقد أن الله يقبلني بعد كل هذا الغياب؟”.

إنَّ ذلك العجوز هو رمز للابن الجاحد لفلسطين، من ينسِهُ الثراء والقصور أرضه، من ينسى شذا الليمون وهو يتغلغل في الرئة، ومواويل الفلاحين وهم يحصدون القمح، وزغاريد النسوة وهنَّ ينقشن الحنّاء على كفّ العروس، مَن كان جاحداً لوطنه فهو جاحدٌ لأبويه بطبيعةِ الحال، لذلك يتبرّع بمليون دولار لطيف الفتاة التي تجتاح قلب أحمد، أي للقدس، تكفيراً عن كلّ سنوات الجحود.

يحاول د. جهاد حماد من خلال طرح هذا الأنموذج أن يدعو كل فلسطيني في الشتات ألّا ينسى القدس ومرابطي القدس من الدعم المعنوي أو الماديّ، ليس هذا فحسب بل يصنع الكاتب نهاية مأساوية لذلك العجوز الملياردير، تتخلّى عنه عائلته في الجنازة بسبب عاصفة شديدة ويطلبون من سيارة المدفن أن تكمل مراسيم دفنه حين دفنه دانيال وجورح في مزرعة الأبقار، طمعاً في سرقة تابوته الفاخر وبيعه:

“حسناً أيها الطماع الحقير، فلتبدأ بدفنه هنا الآن.

فنظر إليه دانيال باستغراب قائلاً:

الأن ندفنه في حقل البطاطا في الخارج يا جورج؟ سأل دانيال باستغراب.

فردّ جورج بهدوء:

“لا لن نلوث هذه النباتات البرية بجثة هذا الإقطاعي الحقير”.

“وأين سندفنه إذن يا جورج؟ سأل دانيال باستغراب”

فردّ جورج بصرامة: سندفنه هنا تحت أقدام هذه الأبقار

ماذا؟ ندفنه تحت روث البهائم؟

نعم يا جورج، ولتبدأ الحفر الآن”

تبدو نهايةً حزينة جداً لجسد ذلك العجوز الذي ندم على حياته المليئة بالترف وغضب الوالدين ونكران الهوّية، وإنَّ تلك النهاية الخالية من الإنسانية تُذكّرنا بمفارقة قاسية حيث إنّ الملايين لا يمكن أن تشتري لك قبراً نظيفاً إذا لم يدفنك محبوك، ولم تُدفَن في أرضك، فماذا تعني خمس وثمانون عاماً من الرفاهية والتُخمة مقابل لحظة موت قاسية لا تجد فيها ابناً أو صديقاً يقرأ على روحك الفاتحة ويحف التراب على جسدك بلطف !يعودُ ليظهرَ أبو صالح في النهاية، ،حيث يرسل برسالة إلى أديب يخبره بقصّة المتبرع فهو مَنْ دَفَنَه، شاب فلسطيني اسمه الحقيقي (وائل عبد الرحمن) قادم من العيزرية في القدس يقع في حب ليلى فتاة فلسطينية جميلة من المرابطات في القدس ويخطبها، ثم يقرر السفر إلى بريطانيا بعد مضايقات الاحتلال المستمرة لأهالي القدس، إلا أن ليلى ترفض أن تترك القدس للصهاينة وترحل، في المعبر يتم استدراج وائل من قبل المخابرات الإسرائيلية ليعمل في التخابر معهم مقابل أن يسمحوا له بالسفر تُقتَل ليلى فيما بعد على أيدي جنود الاحتلال ويتم تصفية دمها بعشر رصاصات، ممّا جعل وائل يذوب ألماً وحسرة في بريطانيا ويغيّر هوّيته واسمه هروباً من المخابرات الاسرائيلية التي تلاحقه هناك، يموت في حادث طريق مخيف، ويوصي بأن يتبرّع بأعضائه بعد موته ” هكذا يكشف أبو صالح في النهاية جميع خيوط الراوية المنعقدة، وتظلّ ليلى المرابطة في ساحات الأقصى أيقونة الرواية الحاضرة رغم موتها، إذ يقول أبو صالح في رسالته:

“نعم لقد سقطت ليلى شهيدة على أبواب البلدة القديمة، لقد ماتت حيث تمنت أن تموت، كانت تحاول إسعاف فتاة رفض الجيش الإسرائيلي السماح لسيارة الإسعاف بالوصول إليها بحجّة قيامها بطعن مستوطن في القدس، صرخ فيها عشرة جنود مدججين بالسلاح لكي تبتعد عن الفتاة الجريحة الممدة على الأرض وإلا أطلقوا النار عليها، ولكن مَنْ رفضت الرحيل، لا تخاف التهديد ولا تخاف البنادق السوداء المرتجفة، وفي اللحظة التي وصلت فيها إلى الفتاة اخترقت جسدها عشر رصاصات حملتها بحنان من باب العامود إلى السماء”.

بهذه الكلمات وصف د. جهاد استشهاد ليلى الأم والزوجة والابنة، الجريحة والمقاومة والمرابطة والصابرة والشجاعة، ليلى التي تمثّل كل شرائح المجتمع الفلسطيني بأكثر من توصيف وأكثر من مكان، إنّها نخلة ثابتة ككلّ فتاة مقدسية مازالت تذود عن حياض الأقصى بينما جلّ العرب يُكملون أيامهم كأنَّ لا أقصى لهم!

الرواية جميلة ومدهشة ومكتملة البناء والمعنى إلا أنّ هنالك بعض المقاطع فائضة على النص، كظهور ظافر الباكستاني، فهو لم يضف لتطوّر الحدث وترابطه شيئاً، تمنيّت لو كانت فصول ماري أعمق وأكثر، فماري أيقونة مهمة وأنموذج غربي مقابل للأنموذج العربي، ثم تمنيّت لو عثر الكاتب على طريقة لتحويل النقود، فبقيت نافذة ذلك المقطع مفتوحة إذ لم ندرك فعلياً أين ذهبت، دون ذلك جاءت هذه الرواية مزيجاً من الطب والفيزياء والشعر والمقطوعات الأدبية والموسيقى والوطن والثورة، إنّها تُشْعِرُكَ بالامتنان والعزّة.

وأخيراً أشعرُ بأنّه يجبُ أن أقولَ لمُبدع هذا العمل د. جهاد حماد حماد: “شكراً لأنّك لستَ مجرّدَ طبيب“.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

One Reply to “قراءة في رواية “قمر وثلاثة مسافرين” للروائي الفلسطيني الدكتور جهاد حماد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.