عروض كتب مختارات مقالات

عرض كتاب دين الفطرة – جان جاك روسو

سلسلة كتب تقرؤنا:
كتاب دين الفطرة – جان جاك روسو

بقلم الأستاذ/ محمد عبد العاطي

ليس فقط عنوان هذا الكتاب هو ما يجذب القارئ إليه وإنما أيضًا اسم المترجم؛ ذلك أن الواحد منَّا حينما يرى اسم المفكر العربي الكبير، عبد الله العروي، على كتاب -مؤلِّفًا أو مُترجِمًا- فإنه لا محالة يمد إليه يده ليتصفحه، وهذا ما حدث مع كتاب “دين الفِطرة” الذي بين أيدينا.

يقول عبد الله العروي: إن هذا الكتاب هو أقرب نقطة في تلاقي الفكر الغربي مع الإسلامي؛ إذ إن أغلب الخلاصات التي جاءت فيه والطرق المتبعة للوصول إليها إنما تشبه تلك التي خلص إليها من قبل الغزالي في كتابيه، تهافت الفلاسفة والمنقذ من الضلال، وابن طفيل في كتابه، حي ابن يقظان.

وقبل الاستطراد الذي يظن به القارئ أن هدف العروي هو إثبات تأثُّر روسو بهذين الكاتبين، يسارع بالقول: إن هذا التلاقي لم يحدث من هذا الطريق وإنما من طريق الاستبطان الذاتي، والشفافية التي تصل بالمرء إلى معرفة الله، ومعرفة الحق واجب الاتباع، والفضيلة التي لا مفر لمن يريد الحياة المطمئنة من التمسك بأهدابها، أي بكلمة واحدة “الفطرة” التي فطر الله الناس عليها، والتي بإمكانها وحدها أن ترشدهم إليه، وأن تهديهم إلى ما هو خير فيتبعوه وما هو شر فيجتنبوه. وبالطبع، المقصود هنا الفطرة السوية لعموم البشر وليست الفطرة الملوثة التي تمثل شذوذًا عن القاعدة.

وقبل استعراض هذا الكتاب قد يكون مناسبًا أن نأخذ فكرة عن مؤلفه.

وُلد جان جاك روسو (1712- 1778) في مدينة جنيف السويسرية، وماتت أمه بعد أسبوع متأثرةً بمضاعفات الولادة فكان يقول دومًا وهو متأثر: “إنَّ حياتي كلَّفت أمي حياتها”.

وعاش في ظروف اقتصادية صعبة اضطرته للعمل وهو في سن مبكرة فكان هذا العمل خيرًا له، لأنه تعرَّف من خلاله بعمق على طباع الناس، وأحوال المجتمع، مما انعكس بعد ذلك على نظرته للحياة، وكتاباته في الفلسفة والأدب والتربية.

ويبدو لسبب أو لآخر أن الأحوال السياسية والفكرية والدينية اضطرته لترك مدينته، جنيف، والعيش لاجئًا في بعض البلدان الأوروبية، مثل فرنسا وإيطاليا؛ وكان لا مفر أمامه من أن يعهد لإحدى دور الرعاية بتربية أطفاله الستة بصحبة أمهم مما أضاف إلى مأساته الشخصية بعدًا آخر انعكس أيضًا في كتاباته.

المهم، أن روسو اشتُهر في باريس بعزف وتأليف الموسيقى، وكتب هناك بعض المسرحيات لكنها لم تحقق له شهرة كما حققتها إجابته على هذا السؤال الذي طرحته أكاديمية ديجون: إذا أردتم نقد العلوم والفنون في هذا العصر، فماذا عساكم تقولون؟

هنالك وجد روسو نفسه مدفوعًا للكتابة بتدفق وحرارة فطفق يدافع عن وجهة نظره وكأنه محام في قاعة محكمة وليس فيلسوفًا باردَ الكلمات مُستَغْلِق العبارات. كتب صاحبنا وكتب ثم قدَّم إجابته للأكاديمية وكانت المفاجأة أنه فاز بالجائزة الأولى وانتشر بين الناس كتابه “خطاب حول العلوم والفنون”، وعمره آنذاك 39 عامًا.

ويبدو أن المسابقة أعجبت الطبقة المثقفة الفرنسية فكررتها الأكاديمية، طارحةً هذه المرة سؤالًا آخر من تلكم الأسئلة التي تستهوي روسو: برأيكم، من أين نبع التفاوت وعدم المساواة بين البشر وقد خلقهم الله متساوين؟ فانبرى صاحبنا يكتب أفكاره التي كانت تنساب كالإلهام، ثم تقدَّم بها، وفاز أيضًا بالجائزة الأولى كما فاز في المرة السابقة، وأحدث كتابه “أصل التفاوت بين البشر” هزَّة تشبه الهزَّة التي أحدثها كتابه “خطاب حول العلوم والفنون”.

وحينما هيأت الأقدار لروسو هذه المكانة بين مفكري عصره خرج عليهم بكتابه “العقد الاجتماعي”، الذي استرشد به الثوار الفرنسيون بعد تأليفه بثلاثين عامًا، ثم بكتابه الذي بين أيدينا “دين الفطرة”. فما هذا الكتاب الذي اختار العروي ترجمته؟

تخيَّل روسو نفسه قِسًّا يعيش في جبل من جبال السافوا الجميلة الواقعة على الحدود الفرنسية-السويسرية وأنه يكتب لتلميذ يسمى إميل رسائل تُعرِّفه بالكيفية التي يصل فيها إلى دين يطمئن إليه قلبه وعقله، فتحدَّث عن ثلاثين مسألة من تلكم المسائل المشهورة في كتب المتكلمين وفلاسفة الأديان؛ تكلم مثلًا عن إثبات وجود الله عبر مبدأ الحركة والسكون، وخلص إلى أن ثمَّة عقلًا وإرادة يحركان المادة التي ليس ممكنًا تحريكها إلا إذا حرَّكها محرِّك، بدءًا من أجرام السماء الكبيرة وانتهاءً بتلكم الذرات متناهية الصغر؛ حركةً لها معنى حتى لا تُحدِث فوضى فتدمِّر كل شيء، وأنَّ هذا العقل وهذه الإرادة الحكيمة هي الخالق جلَّ شأنه.

وتحدَّث روسو للفتى إميل عن مصدر الشر، تلك المشكلة العويصة التي تتسبب في إلحاد الكثيرين، وخلص إلى أن الله أراد أن يكون الإنسان حرًّا ليستشعر السعادة وهو يفعل الخير بدافع ذاتي -وهو (أي الإنسان) القادر على أن يفعل الشر دون أن يمنعه مانع خارجي (أي الله)- ولهذا، فإن الحرية التي منحها الله لهذا الكائن البشري ليكون خيِّرًا على صورته هي هدف أسمى من أن يتدخل فيمنعها ويثنيه عن فعل الشر، لأنه (أي الله) لو فعل فسيتحوَّل حينئذ إلى إنسان لا حرية له، وهو وضع لا يحبه لعباده.

كما أن الإنسان بحريته -يضيف روسو- مهما فعل من شرور لا يستطيع أن يعرقل نظام الكون ولا أن يمنع مسيرة الجنس البشري، ولهذا فحرية الإنسان في أن يفعل الشر مقصودة لغاية، ولا تعارُض فيها مع هندسة الكون؛ بل هي جزء منه.

أما العدل وتساؤل البعض بتذمر: أين عدل الله من هؤلاء الأشرار؟ فإن هذا العدل -كما يتصوره روسو- يكون بمحاسبة الله للمحسن والمسيء يوم الدينونة، أمَّا في هذه الحياة فإن عدله يكمن في أن يمنح حرية الفعل للإنسان دون تدخُّل منه، سواء استعمل هذه الحرية في فعل الخير أو الشر.

والعجيب في كتاب “دين الفطرة” أن روسو يوجِّه سهام نقده للديانات الثلاث التي -كما يقول- يتصارع أصحابها فيما بينهم ولا يصلون بالبشرية إلى العيش مع الله بسلام، وفي هذا الصدد يقول: “تتقاسم أوروبا ثلاث ديانات رئيسية؛ إحداها تؤمن برسالة واحدة (يقصد اليهودية التي تؤمن بشريعة موسى فقط وترفض المسيحية والإسلام)، والثانية برسالتين (يقصد المسيحية التي تؤمن بالتوراة والإنجيل)، والثالثة تؤمن بثلاث رسالات (يقصد الإسلام الذي يؤمن بموسى وعيسى ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم). كل واحدة تمقت وتلعن الأُخرييْن، ترميهما بالتعامي والعناد والتعنُّت والكذب.

ثم يقول روسو: أين الإنسان المنصف الذي يتجرَّأ ويفصل بينها؟ ويجيب على نفسه بالقول: إن الديانة التي لا تقبل سوى رسالة واحدة هي الأقدم وتبدو الأوثق. والديانة التي تقبل ثلاث رسالات هي الخاتمة وتبدو الأكثر اعتدالًا واتساقًا. والتي تقول برسالتين، رافضة الثالثة، قد تكون الأفضل، لكنها تصدم البديهة والتناقضُ في معتقدها واضح لكل ناظر.

ويختم روسو كتابه -الذي لا نستطيع استعراض مسائله الثلاثين كاملةً- بالقول للفتى إميل: إن الوصول للدين الحق ليس شرطًا أن يكون محصورًا في تلك الكتب المقدسة (التوراة والإنجيل والقرآن) التي لا يستطيع ثلثا سكان الأرض أن يقرؤوها، إما لأنهم لم يسمعوا عنها ابتداءً، أو لأنهم لا يعرفون لغتها، أو لأن فيهم أُمِّيين لا يقرؤون ولا يكتبون من الأساس، فكيف نحاسبهم –يتساءل روسو بتهكم- ونعاقبهم بالجحيم على أنهم لا يؤمنون بما جاء فيها؟

وخلاصة ما أراد روسو قوله وهو يرشد الفتى إميل في كتابه “دين الفطرة” هو أن الإيمان الذي يرشحه له هو الإيمان الذي يكون في خدمة النفس، وأن الدين الذي يرتضيه هو الدين الذي يكون في خدمة المجتمع، وأن المجتمع الذي يود العيش فيه هو المجتمع الذي يكون في خدمة الفرد.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.