عروض كتب مختارات مقالات

عرض رواية هيلين – فيكي باوم

سلسلة كتب تقرؤنا:
قراءة في رواية هيلين – فيكي باوم

بقلم الأستاذ/ محمد عبد العاطي

ثمَّة روايات لا يؤثر فيها الزمن؛ لا تبرد حرارة كلماتها ولا تموت شخصياتها. تظل حيَّة نابضة متحركة في كل وقت تعيد قراءتها، وهذا ما ينطبق على رواية “هيلين” للكاتبة النمساوية فيكي باوم (1880-1960) صاحبة العمل الأشهر “الفندق الكبير”.

تدور أحداث الرواية حول طالبة الكيمياء هيلين التي ضعفت في نزوة عابرة كانت نتيجتها جنينًا يتحرك في أحشائها لم تدر ما تفعل به، ولم يستطع زميلها، المفترض أن يكون والد الطفل، ما يفعل به أيضًا، وبدلًا من أن يعترف به، ويتحمل مسؤولية تربيته، آثر الهروب من الحياة بأكملها، فانتحر في لحظة اكتئاب واضطراب نفسي. وقد اتهمت السلطات، لبعض الوقت، هيلين، بقتله، ظنًّا منها أنها أقدمت على ذلك انتقامًا من فَعلته وعقابًا له على التنصل من واجبه، فسجنتها لحين استكمال التحقيقات.

وفي السجن، وبعد معاناة نفسية طويلة وفي ساعة صدق مع الذات، تنزَّلت عليها السكينة، وتَلَّبَسَتها العزيمة، فقررت مواصلة الحياة، قائلة: إنَّ أهم تحدٍّ في الحياة هو أن نحيا الحياة بكل ما فيها من سعادة وشقاء، وأن نواجه أقدارنا بشجاعة وثبات.

وقررت وهي بالسجن استئناف دراستها لحين الفصل في القضية، فوصلت الليل بالنهار استذكارًا للدروس ومطالعة للمراجع التي سمحت لها إدارة السجن باستعارتها من مكتبة الجامعة. وفي الأثناء شهد لصالحها أستاذها، عالم الكيمياء الكبير، أمبروزيوس، فكانت شهادته تدعيمًا لها في قضيتها التي انتهت بالبراءة فخرجت تواصل كفاحها من أجل الحصول على الدرجة العلمية في تخصصها. وقد اشتغلت على مادة “الفيتالين” ذات الأهمية الصناعية، واستطاعت التوصل إلى طريقة تنتج بها هذه المادة بتكلفة أقل عشرات المرات من الطريقة المعتادة، وفي النهاية تخرَّجت وسجلت براءة اختراعها، وكسبت من وراء تبني إحدى الشركات تصنيعها أموالًا كثيرة، وحازت شهرة واسعة، في تكرار لقصة مدام كوري المعروفة.

وطوال هذه المسيرة ربطتها بأستاذها، عالم الكيمياء، علاقة احترام ومودة، فوقفت بجواره كما وقف بجوارها أثناء انهيار حياته العائلية وتطليقه زوجته التي خانته والتي لم يكن بينها وبينه وفاق، وبعدما تعرَّض له من حادثٍ أدى إلى إصابته بما يقترب من العمى، ودخوله في حالة نفسية سيئة اضطرت معها الجامعة لأن توقفه عن التدريس، إذ لولا وقوف هيلين بجواره لما عاد إلى طبيعته بعد أن فقد كلَّ شيء، بيته ووظيفته وأسرته، وفي النهاية، وبعد افتراق لسنوات نتيجة انتقال هيلين إلى جامعة أخرى تقع في مدينة بعيدة يتلاقيان مصادفة في أحد الفنادق الساحلية، ويقرران -بعد أن استوثقا أنَّ أيًّا منهما لا يمكنه العيش دون الآخر- الزواج وتربية الطفل معًا.

هذا هو الهيكل العام لبناء الرواية، لكن في التفاصيل يكمن الإبداع كله؛ حيث تجد نفسك تعيش المشاعر الإنسانية في شدة عنفوانها؛ مشاعر الحب، والكره، والندم، والحزن، والأمل..

كما تقابل الإنسان في حالاته المختلفة؛ في حالة اليأس والإحباط والاكتئاب الذي يصل إلى حد الانتحار، وحالة العزيمة والإصرار والكفاح والثبات الذي يضارع الجبال..

تجد ذلك كله في عالم سردي حافل بالأماكن والشخصيات والأحداث والأصوات والروائح، بمقدرة كبيرة على الغوص في أعماق النفس والتنقيب عن أدق أسرارها وتقديمها للقارئ بنعومة ويسر كسيمفونية عذبة النغمات أجادت عزفها فيكي باوم مستفيدةً من موهبتها في العزف وقت اشتغالها مع فرقة موسيقية كثيرًا ما أقامت حفلاتها في النمسا وألمانيا.

إنَّ رواية “هيلين” لفيكي باوم طاقة يحتاجها مَن كانت غايته الصعود لقممٍ تقصر دونها الهمم والعزائم.

 

 

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.