عروض كتب مختارات مقالات

عرض كتاب عُمرٌ في العاصفة ل عباس صالح

سلسلة كتب تقرؤنا:
كتاب عُمرٌ في العاصفة – لأحمد عباس صالح

بقلم الأستاذ/ محمد عبد العاطي

من أجمل كتب السير الذاتية التي قرأتها منذ فترة طويلة. لشد ما أثَّر فيَّ هذا الكتاب الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ولشد ما جذبني.

أحمد عباس صالح (1926- 2006) كاتب مصري، ماركسي اشتراكي يساري قومي في آن. كتب التمثيلية الإذاعية والقصة القصيرة والنقد الأدبي واشتغل في الصحافة ورأس تحرير مجلة الكاتب لسنوات طويلة إلى أن أُغلقت. عاصر الحكم الملكي ثم الانقلاب العسكري ثم التحول الاشتراكي فالانتقال إلى الانفتاح الرأسمالي. عاصر فاروقًا وعبد الناصر والسادات ومبارك. تفتَّح وعيه على المجتمع المصري المتأثر بثورة 1919 وجيل الرواد، سعد زغلول ومحمد فريد ومصطفى كامل ولطفي السيد والعقاد وطه حسين وتوفيق الحكيم وزكي نجيب محمود وأحمد أمين ثم يوسف إدريس وكامل زهيري وأحمد بهاء الدين.

اشتغل في روز اليوسف وله ذكريات مع فاطمة اليوسف وابنها، إحسان عبد القدوس، واشتغل في صباح الخير، وحينما قام الضباط بانقلابهم العسكري، سنة 1952، بالتنسيق مع الأمريكان لوقف المد الشيوعي، كما يقول، اشتغل معهم في جريدة الجمهورية وصوت العرب والبرنامج العام، ورأى كيف تتحول القيم والأخلاق والنفوس حينما يسيطر عليها الخوف من الاعتقالات والتعذيب الذي كان أسلوبًا لهؤلاء الضباط الشبان. تحدث عن عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وخالد محي الدين وشمس بدران ومحمد أبو نار. تكلم عن اعتقال المعارضين من الإخوان المسلمين والشيوعيين، قصَّ وقائع اعتقال لويس عوض ويوسف إدريس، حلَّل شخصيتي عبد الناصر والسادات، واستعرض كيف كانت الفوضى تدب في صفوف الجيش في الوقت الذي يمسح فيه الإعلام عقول المصريين فيحدثهم عن صواريخ الظافر والقاهر والقوة الضاربة الأكبر في الشرق الأوسط التي انهارت كنمر من ورق في حرب 1967.

استعرض التحول الاشتراكي بعد ان استتب الحكم لعبد الناصر عقب تخلصه من رفقاء الثورة فاستعرض قوانين الإصلاح الزراعي والتأميم وتخفيض إيجارات المساكن ومجانية التعليم قبل وبعد الجامعي والتوظيف الكامل للخريجين وانعكاس ذلك على استقرار الأسر المصرية وانخفاض منسوب خوفها من المستقبل.

رصد التحول الفجائي في البلاد على يد السادات ومحوه للثقافة الاشتراكية وتوجهه للسياسات الرأسمالية وتخلي الدولة عن دعم الطبقة الوسطى والفقيرة وشعور المصريين بالفزع من المستقبل وهرولتهم نحو البحث عن المال بأية طريقة والانهيار السريع لمنظومة القيم. تكلم عن خداع السادات لجنوده حينما أوهمهم بأنه سيخوض حربًا لتحرير سيناء بينما كان هدفه الأساسي مجرد تحريك الجنود لتحريك القضية وبدء التفاوض.

غادر مصر بعد أن ضاقت عليه الأرزاق ولم يعد يطيق العيش في ظل كامب ديفيد وزيارة السادات للقدس فتلقفه العراق.

تحدَّث عن عراق العام 1975 وما بعدها. عن الحياة في بغداد وطبيعة أهلها وبيوتها وأسواقها. تكلم عن حزب البعث وصدام وطارق عزيز وغانم عبد الجليل وميشيل عفلق. تحدث عن حلم استئناف ما بدأه عبد الناصر على يد صدام وخيبة أمله في التجربة البعثية القومية وكيف قضى عليها الاستبداد والاغتيالات والقتل والتعذيب وانفراد صدام انفرادًا مطلقًا بالسلطة وقتله رفقاءه كما يقتل البعوض.

يحكي قصة خروجه من بغداد ومساعدة ميشيل عفلق الذي اتصل بصدام بعد أن هرب منه طارق عزيز، وانتقاله ملحقًا إعلاميًّا في سفارة العراق في لندن.

يتكلم عن مرضه ومعالجة العراق له على نفقة الدولة في بريطانيا، ويتكلم عن النهضة المسرحية في العراق واشتغاله أستاذًا للنقد المسرحي والدراما في بغداد.

يروي رحلته لليبيا وكوبا وتحرش الوفد العربي الاشتراكي اليساري الماركسي بالكوبيات الجميلات بعد أن لعبت الخمر برؤوسهم.

يستعرض رحلته لألمانيا الشرقية وكوبنهاجن والولايات المتحدة.

يتكلم عن تخلي الحكومة العراقية عنه وامتناعها عن دفع راتبه وضيق الحياة عليه وعلى أولاده في لندن ثم بداية الفرج حينما عرَّفه أحمد بهاء الدين ومحمود السعدني على عثمان العمير، رئيس تحرير جريدة الشرق الأوسط السعودية، واشتغاله بها.

يتكلم باستفاضة عن الحياة البريطانية اللندنية وكيف تؤثر البيئة الديمقراطية على شخصية الفرد. يرصد ماذا يحدث لتفكير المرء حينما يعيش في عاصمة متعددة الأعراق والثقافات وكيف تتسع زاوية نظرته للعالم. يتكلم عن الصحافة البريطانية ودورها كسلطة رابعة في المجتمع. يبدي رأيه في حكم مارجريت تاتشر وفي الفنون والآداب البريطانية التي تابعها بشغف.

يتكلم عن الولايات المتحدة التي زارها وعاش فيها لشهور ويقارن بين المجتمعين، الأمريكي والبريطاني، وكيف أن المجتمع الأمريكي المكون من المهاجرين له مفهوم عن الوطن مختلف عن البريطاني وأن الوطن في أمريكا هو المكان الذي يحقق للمرء حياة أفضل. ويخلص في المقارنة إلى أن جودة الحياة وانفتاحها وحيويتها وعدم شعور المغترب باغترابه يجعل كفة المقارنة تميل لصالح العيش في هذه الدولة الشاسعة مترامية الأطراف التي أثَّر اتساعها على ساكنيها فكرًا وعقلًا وإيمانًا ونظرة للحياة.

يتكلم عن مرضه ومرض زوجته ويصور إشرافهما على الموت تصويرًا مؤثرًا.

يتكلم عن صديقه أستاذ التاريخ في جامعة إكستر البريطانية، محمد عبد الحي شعبان، الذي كتب التاريخ من خلال تفصيلات الحياة اليومية للمجتمع فقدمه حيًّا متحركًا كأننا لم نقرأه من قبل. تكلم عن شخصية هذا الرجل ونظرته المادية البيولوجية للحياة ثم موته في القاهرة.

يحكي عن مقابلاته في لندن مع شمس بدران الذي جاءها منفيًّا بلا سلطة ولا مال ولا نفوذ يعيش فيها على مساعدة أصدقائه القدامى ويتنقل بسيارة متواضعة وتغشى روحه الكآبة ويبحث لنفسه عن أي مشروع يتكسب منه رزقه واشتغاله بتجارة الجبن وتدليله على مذكراته ليبيعها هنا وهناك وإحباطه لضعف مردودها المادي.

يتكلم عن أولاده ودراستهم وأعمالهم ونمط تفكيرهم المختلف عن تفكير الآباء.

يتكلم عن مرض زوجته ومساعدة غازي القصيبي له في علاجها ومساهمة المملكة السعودية في نفقاتها، ويتكلم عن الجانب الخيِّر في النفس البشرية الذي رآه في الإنسان أينما ذهب والذي يمكن إذا توافرت البيئة الصالحة أن يكثر من خيريته فتتحول الحياة إلى ما يشبه الحياة في المدينة الفاضلة.

يروي عودته لمصر بعد غربة طويلة وإجهاشه بالبكاء حينما نزل صالة كبار الزوار التي فتحتها له بلاده تعبيرًا عن احتضان أبنائها، ويتكلم عن طلبه من مصطفى الفقي، سكرتير الرئيس مبارك للمعلومات، الذي ذهب إليه بصحبة عبد العظيم رمضان، معالجتَه على نفقة الدولة من سرطان البروستاتا واستجابة مبارك في التوِّ.

يروي يوميات مرض زوجته ورعايته لها في مستشفى أوكلاهوما في أمريكا ثم في مستشفى لندن وكيف زرعوا لها كبدًا بصعوبة ثم بعد ثلاثة أشهر تصاب بالسرطان وتفارق الحياة.

يصور حالته بعد أن غادرت دنياه وتركته لا أنيس له غير القراءة والكتابة وزيارات أولاده وأصدقائه كلما سمحت ظروفهم بذلك.

يتخلل ذلك السردَ الرائع مزجٌ جميل بين الخاص والعام، بين السياسة والفن والأدب، بين الفلسفة والتاريخ، يورد تأملاته في النفس البشرية والمجتمعات الإنسانية وتقلبات الحياة. عُمُرٌ قضاه يغالب العواصف فسمى سيرته الذاتية “عُمُرٌ في العاصفة” فجاء كتابًا مؤثرًا وثريًّا.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.