أدب و تراث مختارات مقالات

ماذا يمكن أن نستفيد من فلم قبطان شجاع – Captains COURAGEOUS

قراءة في فيلم  Captains COURAGEOUS

بقلم الأستاذ/ محمد عبد العاطي

حينما اخترت هذا الفيلم من قسم “أفلام العائلة والأطفال” على شبكة نتفلكس لم أكن أتوقع أن يكون على هذا القدر من المتعة والإفادة، وودت لو ناديت على أولادي ليشاهدوه معي لولا أنهم كانوا مشغولين بمتابعة دروسهم.

الفيلم مبني على قصة للروائي البريطاني روديارد كيبلنج نشرها نهاية القرن التاسع عشر، وخلاصتها وخلاصة الفيلم أن صبيا يسمى هارفي تشين مات عنه والده وهو في الرابعة عشرة من عمره وخلَّف له ثروة طائلة، وكان الولد يتمتع بشخصية قوية ومستقلة وعقل به قدر عال من القدرة على التفكير الجيد، لكن في الوقت نفسه كان مغرورا متغطرسا، يظن وهو في هذا السن الصغير أنه يعرف كل شيء وأن عليه أن يصدر للآخرين الأوامر وهم ينفذونها دون مناقشة، ويعتقد أنه قادر بماله على شراء كل شيء.

ويظهر الصبي في بداية الفيلم وهو على متن سفينة ركاب فاخرة مبحرة إلى الولايات المتحدة، ويلقي – استهتارا- بدمية كبيرة في البحر بعد أن ألبسها ملابس تشبه ملابس الرجال، ثم يصيح: غريق، غريق.. فتتوقف السفينة وينزل رجال الإنقاذ لانتشال الجثة فإذا بها دمية، وحينما يحاول القبطان معاتبته على ما سببه من تعطيل وتوهين لعزيمة البحارة نتيجة هذا العبث يرد عليه بغطرسة ويتركه وينصرف.

ثم يتعرف هارفي على متن السفينة على أصدقاء في مثل عمره يحاولون إغراءه بتدخين سيجار فيسحب منه نفسين ثم تأخذه نوبة من السعال ويتركهم وينصرف عائدا إلى قمرته، وهو في الممر يقف مستندا إلى سور السفينة ليسعل فإذا بتوازنه يختل ويسقط في البحر دون أن يدري به أحد، وتتركه السفينة وتواصل السير.

ويشاء القدر أن يراه قارب صيد فينتشله قبل أن يغرق ثم يلتحق القارب بمركب صيد يشتغل ضمن طاقمها وهنا يبدأ القسم الثاني من الفيلم والذي فيه أحداث غاية في التشويق والإثارة.

المركب الجديد مركب صيد وبالطبع ليس كالسفينة الخمس نجوم التي كان عليها هارفي، وحينما استفاق وجد نفسه بين مجموعة من البحارة والصيادين يقودهم قبطان كان له دور مهم للغاية في الفيلم، حيث كان هذا الرجل نقطة تحول في حياة الصبي وذلك حينما أصر على أن يجعله يعمل إذا أراد أن يأكل وإلا تركه يتضور جوعا وينام على سطح المركب يكابد الريح والبرد والمطر.

في البداية كان هارفي كعادته متمردا متغطرسا يأمر وينفر لكن بمرور الوقت وحينما اشتد به الجوع، وأيقن أن الكابتن (تروب) جاد فيما يقول وأن المركب لن يصل إلى نيويورك قبل نهاية موسم الصيد بعد ثلاثة أشهر بدأ رويدا رويدا يلين وبدأت بمرور الأسابيع طباعه تتغير.

وقد ساعده على ذلك “دان” ابن الكابتن تروب الذي كان يكبره بعامين ويعمل على متن القارب شأنه شأن بقية العمال وذلك رغبة من والده في أن يعوده خشونة العيش حتى يشب رجلا متحملا المسؤولية.

ربطت صداقة حميمة بين دان وهارفي، وزادها مساعدة دان المخلصة له بتعلم فنون الصيد والكثير من متطلبات العمل على متن المركب.

وحينما أصبح هارفي مطيعا وقادرا على الصيد بمفرده وفي أول جولة صيد بالقوارب الصغيرة سمح الكابتن تروب له باستقلال قارب بمفرده والذهاب مع البحارة ومعهم دان للاصطياد في الصباح الباكر والعودة بما اصطادوه إلى المركب الكبير، لكن يشاء القدر أن تهب عاصفة شديدة فجأة فتقلب قارب أحدهم ويصر دان على الذهاب إليه لإنقاذه رغم الخطر الشديد، وبعد مصارعة الأمواج والرياح ينقذ دان البحار لكنه يسقط غريقا ويحمله البحارة عائدين إلى المركب وعليها والده الكابتن تروب، وحينما يرى ابنه الوحيد جثة هامدة بين يدي البحارة ينتابه حزن العالم كله وينزوي إلى قمرته، كما يخيم الحزن الشديد على هارفي وبقية البحارة، ويصل الموقف إلى غاية التأثر حينما يكفنونه ويصلون عليه ثم يتقدم الوالد ويرميه في البحر.

ويأمر الكابتن البحارة بفرد الأشرعة تمهيدا للعودة إلى الميناء، وهناك كانت زوجته في انتظاره وحينما رأته يخرج من المركب وحيدا وليس معه دان ابنهما أخذها حزن ما بعده حزن، ونظرت فإذا بهارفي الذي أخبرها عنه ابنها دان في رسائله عبر البريد البحري قبل أن يلقى حتفه، فيلقي الله محبته في قلبها وتحتضنه متخيلة صورة ابنها في هيئته، وتأخذه ليعيش معهما هي وزوجها.

وفي البيت تفتح له غرفة ابنها دان لينام فيها وتعطيه ثياب نومه ليرتديها في مشهد مؤثر لا يملك المشاهد معه إلا أن يتابعه وعيناه تترقرقان بالدموع.

وتمر الأحداث ويأتي وكيل أعمال هارفي ومحامي الأسرة ليصطحبه عائدا إلى نيويورك ويعرض مكافأة مالية على الكابتن تروب فيرفض، وقبل الوداع يطلب هارفي من وكيل أعماله بناء مستشفى في المدينة الصغيرة التي يسكنها الكابتن وزجته حتى لا يضطر أهلها إلى الذهاب بعيدا مما يعرض حياتهم المرضى للخطر كما حدث مع أخت دان التي ماتت بعد انفجار الزائدة الدودية ولم يستطيعا إنقاذها لعدم وجود مستشفى قريبة، وقد امتن كثيرا الكابتن وزوجته من هذه المستشفى الهدية التي قدمها هارفي، وزاد عليها أن تعهد بإقامة أسطول صيد سمك حديث بالشراكة مع الكابتن تروب يجمع فيه كثيرا من البحارة الذين يعانون الأهوال بحثا عن لقمة العيش.

وينتهي الفيلم ويترك مشاهده في حالة غير الحال التي بدأ بها المشاهدة؛ يتركه وهو يعرف قيمة العمل وكيف يغير من شخصية الإنسان، وأهمية أن يعتاد المرء خشونة العيش لأن النعمة لا تدوم، وأن المال لا يشتري كل شيء في الحياة؛ لا يشتري الخبرة ولا الحكمة ولا الرجولة، وهي كلها أشياء تُكتسب بتجارب يدخلها المرء محملا بشوائب الضعف ونقائص الهوى ويخرج منها مطهرا نقيا.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.