تربية مقالات

كيف يمكن توفير بدائل للتعليم خلال فترة أزمة كورونا؟

السيناريوهات البديلة للتعليم في ظل أزمة كورونا

بقلم/ د. محمد عوض شبير

يقف النظام التعليمي اليوم في كل دول العالم مذهولاً أمام هول الأزمة المتمثلة في انتشار (وباء كورونا) حيث فاقت هذه الأزمة التوقعات وكانت خارج حسابات المخططين التربويين للتهديدات المحتملة مستقبلاً، فقد أُوقفلت المؤسسات التعليمية في معظم دول العالم تجنباً لتزايد خطر هذا الوباء باعتبار أن التجمعات التعليمية بيئة خصبة لانتشار هذا الوباء وأشارت اليونسكو إلى أن تعليم أكثر من 500 مليون طفل وشاب آخرين قد تضرر وفق المنظمة، وقد كشفت هذه الأزمة عورات الأنظمة التعليمية الهشة، وجاءت هذه الأزمة متعددة الجوانب الأمر الذي يتطلب حلولاً ناجعة كشرط ضروري لاستيعاب هذا الحدث الصادم وعدم الوقوف أمامه موقف المتفرج بل لابد من طرح الحلول السريعة والعملية التي تقود سفينة العملية التعليمية إلى بر الأمان.

“وينبغي الاعتراف بأن عالم اليوم هو عالم الأزمات لأسباب تتعلق بالتغييرات الكثيـرة التـي حدثت في مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والسكانية والبيئية، والتي أثـرت فـي حيـاة الإنسان داخل الكيان الاجتماعي والتنظيمي، فقد أصبح من المعروف بأن التحدي الكبير الذي يواجه الأفراد والمنظمات … والدول، يتحدد بسلسلة من الأزمـات التـي تختلف في طبيعتها وحجمها، مؤدية إلى خلق الصعوبات والمشكلات وإحداث الانهيارات في القيم والمعتقدات والممتلكات، لذا فإن مواجهة الأزمات والوعي بها مـن خـلال التخطـيط الاستراتيجي للأعمال كافة، يعد أمراً ضرورياً لتفادي المزيد من الخسائر المادية والمعنوية.”

والأزمة في أبسط تعريف لملامحها هي “حدوث خلل مفاجئ يؤثر على المقومات الرئيسة للنظام، وتشكل تهديداً صريحاً وواضحاً لبقاء المنظمة أو النظام نفسه” وبالوقوف على عتبات الأنظمة التعليمية نرى أن الأزمات المحتملة والغير محتملة كثيرة ومتنوعة ومنها على سبيل المثال لا الحصر انتشار الأوبئة والفيروسات مثلما هو حاصل اليوم مع(وباء كورونا)، وحالات التسمم في مياه الشرب والمواد الغذائية داخل المدراس والجامعات، والكوارث الطبيعية وما تخلفه من آثار على العملية التعليمية، بالإضافة للكوارث البشرية المتمثلة في الحروب والصراعات.

أسباب حدوث وتفاقم الازمات في المنظومة التعليمية:

يرى كل المختصين أن أسباب حدوث وتفاقم الأزمات داخل المؤسسات التعليمية يعود إلى تأجيل أو ترحيل المشكلات أو تجاهلها، وعدم وجود آلية لاكتشاف الأزمات قبل حدوثها، وعدم وجود استعدادات مسبقة وسيناريوهات قادرة على مواجهة الأزمات عند حـدوثها، بالإضافة لضعف الإمكانيات المادية والفنية والبشرية، وكذلك قصور التخطيط عن تصور المستقبل والاستعداد له، ووجود الإدارات العشوائية.

وبالعودة لوباء كورونا وكيف خلق أزمة داخل الانظمة التعليمية حيث وجدنا أن اقفال المؤسسات التعليمية بمختلف مستوياتها، وتعطيل الطلبة وجلوسهم في بيوتهم قد أربك حسابات كل النُظم التعليمية نتيجة للأسئلة الملحة التي تُطرح في كل لحظة من قبل الجمهور المستفيد والمتمثل في الطلبة وأولياء أمورهم حول مصير سير العلمية التعليمية والتقييمات التي ستُتبع في العمل بها.

خصائص الأزمات في الأنظمة التعليمية:

تعاني المؤسسات التعليمية أزمات متنوعة إلا أن تلك الأزمات لها علامات تميزها ولابد من الانتباه لها والتعامل معها بحيث تتسم الأزمة بأنها: غير متوقعة، ومهددة، والتعقيد والتشابك، وتخلق التوتر والاضطراب، ونقص المعلومات وعدم وضوح الرؤية لدى متخذ القرار، وضيق الوقت المتاح لمواجهة الأزمة، وكذلك تعدد الأطراف والقوى المؤثرة في حدوث الأزمة، بالإضافة للغموض وقلة المعلومات، ومرافقة عنصر المفاجأة لها.

أساليب التعامل مع الأزمات في المؤسسات التعليمية:

تتنوع الأساليب المتبعة داخل الأنظمة التعليمية للتعامل مع الأزمات وتختلف بحسب السياقات المعرفية للقائمين على النظام التعليمي سواء في الوزارات أم المدارس وكذلك الجامعات ومن هذه الأساليب المتبعة في مواجهة الأزمات: أسلوب النعامة(الهروب) وقد يكون الهروب مباشراً أو غير مباشر، ويتضمن اسلوب الهروب أيضاً التنصل من المسؤولية والتركيز على جوانب أخرى، والاسقاط، والقفز فوق الأزمة، وإنكار وجود الأزمة، وأحياناً كبت الأزمة.

وبالنظر للسيناريوهات البديلة:

ينبغي علينا كأنظمة تعليمية الاستعداد دوماً من خلال التوقعات الدائمة للاحتمالات الأسواء ووضع السيناريوهات الكفيلة بالتغلب على تلك الأزمات مع طرح البدائل المرنة والعملية في ذات الوقت.

وأن عملية رسم سيناريوهات إدارة الأزمة هي عملية ديناميكية، وهذه العملية لا يمكن أن تتم وفق قوالب جامدة غير قابلة للتغيير، بل أن هذه السيناريوهات يجب أن ترتكز إلى الفكر الإبداعي لدى إدارة الأزمات، ويجب أن تتضمن أساليب وأدوات ابتكارية جديدة في مواجهة الأزمة وإداراتها بنجاح.

ولضمان نجاح أي نظام تربوي في إدارة أزماته لابد من توفر متطلبات نجاح إدارة الأزمات والمتمثلة في الاستعداد الدائم لمواجهة الأزمات، والتنسيق الفعال، والتواجد المستمر، وتفويض السلطة، وتبسيط الإجراءات وتسهيلها، ووجود غرفة عمليات لإدارة الأزمات، بالإضافة لإدراك أهمية الوقت، وكذلك إخضاع التعامل مع الأزمة للمنهجية العلمية.

وفي ضوء تلك الحلول المقترحة لأزمات النُظم التعليمية يجب أن نتسلح بأمور أهمها: توفير القدرة العلمية على استقراء وتنبؤ مصادر التهديد الواقعة والمحتملة، والاستغلال الأمثل للموارد والامكانات المتاحة للحد من آثار الأزمات، وتوفير القدرات العملية والإمكانات المادية للاستعداد والمواجهة، العمل على العودة إلى الحالة الطبيعية من خلال مجموعة من الخطوات وإجراءات الاستعادة.

أزمة وباء كورونا والخيارات المتاحة أمام الأنظمة التعليمية.

عاشت الأنظمة التعليمية في بداية مخاطر الوباء موقف بالغ الصعوبة، وكانت بعض الدول تحاول تجاهل الخطر أو انكاره إلا أنه في نهاية المطاف رضخت كل الدول التي وصلها الخطر لتعطيل العملية التعليمية في كافة مؤسساتها مما فتح المجال لطرح كثير من التساؤلات التي دارت في النقاشات الصامتة أحياناً والمعلنة في كثير من الأحيان.

وعليه فإن هذا الوباء يدعو كل الانظمة التعليمية للتوجه مباشرة لرسم سياسات جديدة، واتخاذ قرارات فاعلة، ووضع خطط كفيلة بالتعامل مع أية أزمة مستقبلاً، كما يدعو هذا الأمر المؤسسات التعليمية لأتخاد التدابير اللازمة للتعامل مع الأزمات أياً كان مصدرها، ونوعها، وخطورتها ومن هذه التدابير ما يلي:

1- ضرورة إنشاء وحدة إدارية مستقلة لإدارة الأزمات في الإدارات التربوية والتعليمية العليا بحيث تكون مسئولة بشكل مباشر عن علاج الأزمات المحتملة.

2- تكوين فرق إدارة الأزمات من موظفين متخصصين و مدربين جيداً في مجال الأزمات وطرق التعامل معها بحيث يكون الفريق جاهزا في أي وقت لمواجهة الأزمات.

3- توفير الإمكانيات الفنية و التنظيمية و التي تشمل التخطيط للطوارئ و تصميم نظم معلومات خاص بالأزمة و تصميم غرفة طوارئ خاصة لإدارة الأزمات داخل كل مؤسسة تعليمية.

4- محاولة وضع تصورات و سيناريوهات و خطط تتوقع بحدوث أزمات و محاولة تطبيق الإجراءات العملية و بحث مدى استعداد المؤسسات التعليمية بدءً برياض الأطفال وصولاً للجامعة لمواجه الازمات المستقبلية.

5- الاستفادة من تجارب و خطط و ممارسات مؤسسات التعليم الأجنبية خاصة التي تعرضت لأزمات سابقة وعايشت نفس السيناريوهات.

6- تطوير برامج خاصة لتقييم أثار الأزمة بعد انتهائها و الاستفادة من الأخطاء السابقة و التعلم منها حتى لا تتكرر في المستقبل.

7- نشر ثقافة إدارة الأزمات لدى القائمين على العملية التربوية والتعليمية، والمساعدة في التعرف إلى سيناريوهات الوضع الأفضل، وسيناريو الوضع الأسوأ.

8- في مرحلة المواجهة الفعلية للأزمات ينبغي التحقق من المعلومات الصحيحة وتجنب انتشار الشائعات عن الأزمة داخل المؤسسات التعليمية وخارجها، توجيه الطلبة وهيئة العاملين نحو ما يجب عمله، والمكان المناسب للجوء إليه من أجل الوقاية من الأضرار في حال كانت الأزمة طبيعية، ومحاولة المحافظة على سير العمل الطبيعي قدر الإمكان أثناء وقوع الأزمات.

9- إقامة ورش عمل للعاملين حول تعزيز الدعم النفسي والتربوي للطلبة في وقت الأزمات، وذلك للتواصل مع الطلبة الذين يُعدون الفئة الأكثر تضرراً من ظروف الأزمة الراهنة وتداعياتها على تحصيلهم العلمي واستقرارهم النفسي، والعمل على تخفيف الأضرار النفسية التي يعانون منها، وإعادة تربيتهم تربية نفسية صحيحة بالتعاون مع المدرسة والأهل والمجتمع.

10- الاتجاه نحو التعليم الإلكتروني بكل سياقاته.

 

المراجع:

آل الشيخ، بدر(2008) مدى جاهزية إدارات الأمن والسلامة لمواجهة الأزمات والكوارث، رسالة ماجستير، غير منشورة، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض.

شريف، منى صلاح الدين (1998) إدارة الأزمات الوسيلة للبقاء، القاهرة: البيان للطباعة والنشر.

أحمد، إبراهيم أحمد (2001) إدارة الأزمة التعليمية: منظور عالمي. الاسكندرية: المكتب العلمي للكمبيوتر و النشر و التوزيع.

هـلال، محمـد عبـد الغنـي حسـن (1996) مهـارات إدارة الأزمـات” الأزمـة بـين الوقايـة منهـا والسـيطرة عليها. ط ،3 مصر الجديدة: مركز تطوير الأداء والتنمية .

العجمـي، محمـد حسـنين. (2007) الإدارة المدرسـية ومتطلبـات العصـر. الإسـكندرية: دار الجامعـة الجديدة للنشر .

ندى، علي https://annabaa.org/arabic/books/15238 تاريخ الزيارة18/3/20120: 20:50م.

العسيلي رجاء، وعبدالله، تيسير(2005) قلق الأزمات التي تعاني منها جامعة القدس المفتوحة أثناء انتفاضة الأقصى، مجلة جامعة القدس المفتوحة للأبحاث والدراسات، العدد:5، غزة (10- 51) .

المهدي، سوزان وهيبة، حسام(2020): الممارسات السلوكية لمديري المدارس في التعامل مع الأزمات داخل المدرسة، مجلة كلية التربية وعلم النفس، – عدد26، مجلد4، 143-221.

عودة، رهام (2008) واقع إدارة الأزمات في مؤسسات التعليم العالي بقطاع غزة دراسة تطبيقية على الجامعة الإسلامية، رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة الإسلامية، غزة.

اليوسفي، رنيم(2015) تصور مقترح لإدارة الأزمات في مدارس التعليم الثانوي العام في الجمهورية العربية السورية في ضوء بعض التجارب العالمية، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة دمشق.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.