صحة عامة وطب مقالات

وليد عبد الحي يكتب عن كورونا ونزعة “الأسطرة” في العقل الجمعي

كورونا ونزعة “الأسطرة” في العقل الجمعي

بقلم البروفيسور/ وليد عبد الحي

شكلت الرواية الخيالية التي كتبها “دين كونتز” (Dean Koontz) عام 1981 تحت عنوان”The Eyes of Darkness” (عيون الظلام) مصدرا لكثير من الكتابات عن موضوع الكورونا وبأن هذا المؤلف تمكن من التنبؤ بالفيروس وبمكان انطلاقه (مدينة ووهان الصينية) وبموعده عام 2020…لكن عددا من الباحثين الذين راجعوا الرواية الخيالية وغيرها سجلوا عددا من النقاط الهامة على هذه الرواية ناهيك عن أن هذه المسألة في روايات الخيال العلمي ليست امرا جديدا، فكما قال العالم الروسي نيجفاكن كل ما نتخيله قابل للتحقق.

تمثلت الملاحظات الرئيسية على كتاب عيون الظلام وغيره في الآتي:

أولا: كتاب ديون كونتز صدر في نسختين الأولى عام 1981، وكان التنبؤ فيها يقول ان الفيروس سيكون صناعة بشرية سيحمله أحد العلماء الى الولايات المتحدة، بينما الصين تتهم – حاليا وعلى لسان مصدر مسؤول – الولايات المتحدة بأنها تقف وراء ذلك، ذلك يعني ان قضية من يقف وراء “الصناعة” البيولوجية امر لم يحسم بعد، وقد لا يكون الامر كذلك كليا كما سنوضح في النقاط اللاحقة.

ثانيا: في النسخة الاولى من الرواية عام 1981 لم تكن مدينة ووهان هي المصدر للفيروس، بل كانت “Gorki” وهي اشارة لمدينة “روسية” ولد فيها الكاتب الروسي الشهير مكسيم جوركي، وكانت هذه المدينة مركز لتزويد القوات الروسية بالأسلحة في الجبهة الشرقية خلال الحرب العالمية الثانية، لكن الكاتب في النسخة الجديدة ( عيون الظلام) عام 1989 قام بتغيير المدينة ووضعها “ووهان” بدلا من المدينة الروسية، والملاحظ ان التغيير من روسيا الى الصين جاء بالضبط مع اعلان انتهاء الحرب الباردة، أي ان الكاتب انتقل من روسيا الى الصين خلال 8 سنوات في روايته .. لماذا؟ ثم ان اختياره لمدينة ووهان امر طبيعي لان هذه المدينة فيها واحد من اهم المختبرات البيولوجية في الصين والعالم.

ثالثا: في الرواية (بطبعتيها 1981 و 1989) تقوم الرواية على اساس ان الفيروس هو منتج بشري ضمن حرب جرثومية تشنها الصين على الولايات المتحدة، بينما العلماء ال27 ( كلهم من المتخصصين في البيولوجيا وينتمون لتسع دول ليست الصين بينها) الذين نشروا بيانا مؤخرا ونشروه في اهم مجلة طبية في العالم ( Lancet) أكدوا فيها ان مصدر فيروس الكورونا هو “البرية” (wild life) وان مصدره مشابه لمصدر سارس الذي ظهر عام 2003، وهو ما يناقض تصور مؤلف الرواية،

ثالثا: الرواية تقوم على افتراض يسرده البطل (دومبي) (Dombey) بأن هذا الفيروس لا نجاة منه، وليس امام كل من يصاب به الا القبر، وهو امر تبين انه غير دقيق اطلاقا، فنسبة الموت لا تتجاوز 4% في اعلى التقديرات في مدينة ووهان، بينما المعدل خارج ووهان هو 0.7% (يعني اقل من 1%). كما ان الرواية تصفه بانه الاعلى خطورة بينما هو الاقل قياسا للإيبولا كما تقول منظمة الصحة العالمية.

رابعا: مدة حضانة الفيروس في الرواية الخيالية هي أربع ساعات بينما الاطباء ومنظمة الصحة العالمية تؤكد ان الفترة هي بين 1-14 يوما بمعدل اجمالي يصل الى حوالي 5 ايام، وهو ما يعني ان تشخيص الرواية ليس قريبا من التشخيص العلمي.

خامسا: يدور جدل كبير حاليا بأن كتاب (Sylvia Browne و Lindsay Harrison) وعنوانه End Of Days: Predictions and prophecies about the end of the world، الصادر عام 2008 هو الذي حدد عام 2020 كموعد لظهور الفيروس المدمر وليس كتاب عيون الظلام. وهذا الكتاب يتحدث عن حروب دينية وارهاب عالمي وابادة جنس و “الاوبئة”، وكلها ستحدث طبقا لهذا الكتاب حلال “الخمسين سنة القادمة”.

يبدو لي أن الوجدان “الميتافيزيقي” والنزوع الاسطوري “الموروث فينا يجعلنا نميل للتغاضي عن ما يناقض هذا النزوع ونتشبث” بالغريب المدهش”، لنضفي نوعا من السحر والرهبة والدهشة وكأن الانبياء عادوا من جديد…وبحكم تتبعي لقدر كاف من الدراسات المستقبلية وروايات الخيال العلمي أزعم ان هذه “النبوءات” فيها ما هو قريب من الحقيقة او متوسط المسافة عن الحقيقة او بعيد كليا عنها، أما الدراسات المستقبلية ففيها نفس الظاهرة لكنها لا تدعي “النبوءة” بل يتم التركيز فيها على “منهجية رصد التغير” وليس الى الحدس والالهام “بمضمونهما الغيبي” … ربما.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
وليد عبد الحي
الأستاذ الدكتور وليد عبد الحي؛ مفكر وباحث وخبير في الدراسات المستقبلية مستشار للمجلس الأعلى للإعلام لشؤون البحث العلمي وأستاذ العلاقات الدولية ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك الأردنية منذ عام 1994م، وشغل في الفترة 1982-1994 محاضراً في جامعة الجزائر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.