ادارة و اقتصاد مقالات

قراءة في الإجراءات البريطانية لمواجهة كورونا

“الخطّة البريطانية، مهما قيل بشأنِها، خطّة علميّة محترَمة ولها وجاهتُها”

بقلم/ همام يحيى

تابعتُ باهتمامٍ بالغ مؤتمر رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون الذي وضّح فيه خطّة بريطانيا لمواجهة وباء كورونا .. الخطّة التي اشتهرت إعلاميّا باستراتيجيّة “مناعة القطيع Herd Immunity” أثارت جدلاً واسِعا، واعتُبِرت خطّة انفردت بها بريطانيا وخالفت فيها استراتيجيّات الدول الأخرى وتوصِيات منظّمة الصّحة العالميّة.

ومع أنّ الفكرة الرئيسة التي أخذَها الجمهور عن الخطّة أنّها تُريد لعددِ أكبر، لا أقلّ، من الناس أن يُصابوا بالفيروس من أجل تشكيل مناعة واسعة ضدّه، إلا أنّ هذه الفكرة منقوصة وبحاجة لكثير من التوضيح وذِكر الأجزاء الأخرى للخطّة.

تقوم الخطّة على الأسس التالية:
1- دعوة جميع من يشعرون بأعراض البرد إلى التزام منازلهم لمدّة 7 أيّام ..

2- الإبقاء على المدارس مفتوحة بلا توقّف حتّى الآن ..

3- الدعوة لغسل اليدين باستمرار واستخدام قواعد النظافة العامة حسب التوصيات التي دعا لها الجميع.

4- طور احتواء الوباء Containment انتهى أو سينتهي قريباً بشكل حتميّ، وبالتالي ففحص المشتبه بهم جميعهم وعزلهم لن يكون ذا فائدة.

5- لا بدّ من حصول ذروة Peak في نسبة الإصابة بالعدوى، والهدف تأخير هذه الذروة إلى أشهر الصّيف .. الهدف من هذا بشكل أساسيّ هو تخفيف الضغط عن النّظام الصّحيّ الذي يقلّ العبء عليه في الصيف بسبب تناقص الأمراض المُعدِية عموماً .. لا أحد يمكن أن يجزم بأن عدوى فيروس كورونا نفسه ستُصبحُ أقلّ في الصيف، لكنّ النظام الصّحي سيكون أكثر قدرة على مواجهتِه في الصيف .. وإذا تحقّق الأمل غير المؤكَّد بأن عدوى الفيروس ستقلّ في الصّيف، فستكون هذه فائدة إضافيّة.

هذه نقطة مهمّة جدّا، والمستشار العلمي الأعلى للحكومة أكّد أنه ليس بإمكاننا معرفة ما إذا كان الفيروس سيُصبحُ أقلّ انتشاراً في الصيف، لكنّ مواجهتَه في الصيف أفضل حتّى ولو ظلّت قوّة انتشارِه كما هي دون تراجع.

6- هدف حماية كبار السّنّ وأصحاب الأمراض المزمنة يجب العمل عليه عند الوصول لحالة الذروة في انتشار الوباء، لا قبلَها .. الآن عدد الحالات قليل، وبالتالي فالإغلاق والإلغاء وتعطيل المجتمَع لن يُفيدَ الآن، بل يجبُ الانتظار حتّى تحصلَ الذروة التي لا بدّ منها، وعندَها يجبُ حماية هذه الفئة حتّى تعبرَ الذروة .. (هذه النقطة معقّدة رِياضيّا وشرحُها يحتاج استفاضة لا يتّسع لها المقام).

7- الخطة تأخذ في الاعتبار العامل البشريّ السلوكيّ .. قدرة الناس على البقاء في منازلِهم، والأطفال على البقاء في البيوت، والأعمال والاجتماعات والمؤتمرات على التوقّف، تظلّ محدودة .. هذا وباء سيبقى معنا لشهور على الأقلّ، ومن المهمّ استخدام الإجراءات الصّارمة في الوقت الصّحيح من أجل زيادة احتمال الالتزام بها ومن أجل تخفيض كلفتِها على المجتمع.

نقاط قوة الخطّة البريطانية، أو الحجج التي تدعمُها:

1- حتّى ولو تمكّنتْ دولة واحدة من الحدّ من انتشار الوباء وتناقصت فيها الحالات الجديدة إلى حدود دنيا، لن يكون بإمكان هذه الدّولة الحدّ من انتشار الوباء في دول أخرى، خصوصا الدول ضعيفة النّظام الصّحّي أو فقيرة الموارد، ولأنّ حظر السّفر وإغلاق الحدود إجراء مؤقَّت بالضرورة، فلا بدّ أن تعود الحالات للارتفاع والوباء للتفشّي مع عودة السفر وفتح الحدود، وبالتالي العودة للنقطة نفسها، أي أنّ الإجراءات التي تعتمدُها الدول الأخرى مؤقَّتة بالضّرورة ولا يمكن استدامتُها ..

2- لا بدّ أن تعود الحالات للازدياد والوباء للتفشّي مع العودة للمدراس والمصانع ووسائل النّقل العامّ، وبالتالي العودة للنقطة نفسِها بعد فترة من الإجراءات القاسية وغير المُجدِية ..

3- أنها خطّة أكثر واقعيّة .. يتحدّثُ الناس عن الاقتصاد والإنتاج وكأنه أمر يخصّ الأغنياء وحدَهم .. الفقراء أيضا يتضّررون من الإغلاق وتعطّل المصالح، بل يتضرّرون أكثر من الأغنياء، وبالتالي فاستخدام التعطيل والإغلاق باعتدال أمر في غاية الأهمّية ..

نقاط ضعف الخطّة البريطانيّة، أو الحجج ضدّها:

1- أنّ الوباء قد ينحسِر انحساراً كبيراً بفِعل الإجراءات القاسية التي تتّبعُها معظمُ الدّول، أي أن يحدثَ سيناريو شبيه بمرض SARS الذي تفشّى عالميّا عام 2002 وتوقّف انتشارُه بشكل وبائيّ عام 2004 .. في هذه الحالة، سيكون التراخي عن محاولة الاحتواء خطأً باهظَ الثّمن.

الردّ على هذه النقطة هو أنّ وباء SARS أصاب 8000 شخص فقط، وبالتالي فالتفكير في الوباء الحالي بنفس الطريقة خطأ .. الخطة البريطانية تفترض أن احتمال الحتواء انتهى، وأن هذا الفيروس سيبقى معنا ويُصبحُ التهاباً موسميّا مثل ال Flu الذي بدأ وباءً ثم أصبح مرَضاً موسميّا.

2- أننا لسنا متأكّدين من أنّ المُصاب بالفيروس لن يُصاب به ثانية .. هناك تقارير قليلة عن مُصابين تمّ شفاؤهم وأصبحت نتيجة فحصهم سلبية، ثم عادت إيجابيّة .. هذه نقطة ما تزال محلّ جدل، فقد تكون هذه النتائج استثناءَ نادراً، وقد تعكس مشكلة في الفحص نفسِه ودقّتِه، كما أنّ إعادة الإصابة لا تعني بالضرورة أن تكون المرّة الثانية بنفس الشّدّة وبنفس احتماليّة نقل العدوى .. الخلاصة، هذا سؤال ما يزال معلّقاً.

3- أنّ الكلفة الإنسانيّة باهظة وأن كثيرين سيموتون بسبب الفيروس .. والحكومة البريطانيّة ردّت وقالت سلَفاً إنّ هذا ما سيحدُث، لكنّه سيحدثُ على أيّ حال، وأنّ هذه الخطّة تُقلّلُ هذا الاحتمال وتعترفُ به، أما الخطط الأخرى فتعرف أنّه سيحدث ولكن تسكتُ عنه أو لا تتحدّثُ عنه بما يكفي، فيبدو وكأنّه جزء من الخطّة في حالة بريطانيا، ويبدو وكأنّه فشل في الخطّة في البلدان الأخرى.

الخلاصة، الخطّة البريطانية، مهما قيل بشأنِها، خطّة علميّة محترَمة ولها وجاهتُها، وينبغي ألا يؤثّر الموقف المعتاد من الحكومات اليمينيّة أو من بوريس جونسون شخصيّا في تقييمِها.

أما عربيّا، ففي ظلّ غياب خطط استراتيجيّة، وفي ظلّ نظم صحّية متهالكة ومستنزَفة أصلاً وتفتقر للدعم والكوادر والتجهيزات والمراجعة وإعادة التقييم واعتماد آراء الخبراء، وعدم وجود حكومة عربيّة واحدة تجمع بين النزاهة والكفاءة، وعدم وجود شفافيّة أصلا، فالأسلم هو اتّباعُ بقيّة العالم في الإجراءات شديدة الاحترازيّة إلى أن تُصبحَ الصّورة أكثرَ وُضوحا.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.