اجتماع صحة عامة وطب مقالات

سيكولوجية السخرية في زمن الهلع

“يدل على الدور المهم الذي تلعبه النكتة كناقدة وساخرة من الأوضاع حيث أصبحت مخرجاً في وقت الأزمات ووسيلة الإنسان للتخلص من الضغوط الحياتية”

بقلم/ د. محمد عوض شبير

تلعب النكتة دوراً محورياً في حياة الشعوب، فيلجأ الناس إلى نحت تلك النكات لتخفف من وطأة الهلع والأزمات والكوارث التي تعتري حياة الناس في زمن الهلع فيجدوا فيها ملاذاً لطرد ما يهدد كيانهم من مخاوف رغم وجود تلك المخاوف بالقرب منهم، وتلعب الحالة النفسية دوراً في زيادة أو نقصان النكتة، وهذه الحالة النفسية تختلف أيضا من مجتمع إلى آخر ومن فرد إلى آخر فقد يعاني شخص حالة نفسية سيئة فتكون النكتة حاضرة تعيد إليه التوازن النفسي والعصبي.

والنكتة بوجه عام ومن منظور علم النفس الجماعي تعد أحد أبرز مؤشرات المزاج الشعبي العام سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

وتدفعنا التفسيرات النفسية لشخصية صانع النكتة أو مروّجها، إلى الاعتقاد بأنّه يمارس ضرباً من الإسقاط بغية الحصول على الحد المطلوب من التوازن الذي قد يحول دون انهياره؛ فمن يكثرون من الضحك أو الرغبة في إضحاك الآخرين يعانون حزناً وألماً عميقين قد يصلان لحد الاكتئاب، ومن يركّزون على النكات الاجتماعية مثلاً لديهم جراح غائرة قد تصل حدود الكبت والعجز.

والنكتة تنطلق من وسط الأحداث المأساوية، على اعتبار أن «شر البلية ما يضحك.

وهذا يدل على الدور المهم الذي تلعبه النكتة كناقدة وساخرة من الأوضاع حيث أصبحت مخرجاً في وقت الأزمات ووسيلة الإنسان للتخلص من الضغوط الحياتية.

تتخذ النكتة عدة وظائف كالتسلية والسخرية والنقد اللاذع للأوضاع السائدة في المجتمع. وقد تكون النكتة وسيلة لا شعورية يقوم بها الإنسان من أجل التنفيس عن الضغوط اليومية التي يتعرض لها مثل مشاكل العمل والحياة الزوجية والمشاكل المادية.

وعلى أي حال فإن النكتة في وقتنا الحالي والتي تستهدف الحدث العالمي المتمثل في وباء كورونا ينطبق عليها سيكولوجية السخرية في زمن الهلع حيث تسارع الناس بشكل شعوري في كثير من الأحيان ولاشعورياً في بعض الأوقات لتسلية مخاوفهم عبر النكتة الساخرة من هذا الوباء بغية التخفيف من حدة المخاوف النفسية المسيطرة على العالم في هذا الوقت، ولعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً في هذا الأمر ووصلت النكات لكل الجهات حتى كانت آخر نكتة ساخرة لكورونا لشاب يغازل فتاة مرتدية قناع واقي للوجه قائلاً (الله يسامح كورونا إلي حرمنا من رؤية الجمال في صورة كاملة).

وختاماً أرى أن النكتة الساخرة في زمن الهلع ما هي إلا وسيلة للهروب النفسي من ألم المعاناة النفسية في اللحظة الحالية، وما هي إلا وسيلة لانكار الألم الواقع سواء على الذات الفردية أو الجماعية، وهذا يدفعنا للحذر والانتباه من أن السخرية قد تقودنا للاهمال والتراخي والتناسي للمعاناة الفعلية، والواجب علينا الحذر من الافراط في النكتة الساخرة في زمن المعاناة والظروف القاهرة.

بل الحذر من خطورتها كونها سلاح ذو حدين بسلبيتها الجارفة وإيجابيتها المحدودة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.